من الدعاء إلى الوسيلة… بين ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ و﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾

بقلم الشيخ : حسن حفني باحث
وكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

ألفية التوحيد في علم التصوف الإسلامي

من القضايا التي تحتاج إلى تحرير هادئ في باب التوحيد: مسألة الدعاء والوسيلة والتوسل.

فقد يقول قائل: إذا كان الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[غافر: 60]

فلماذا نطلب الوسيلة؟ ولماذا نتوسل بالأنبياء والصالحين؟ أليس الله سبحانه وتعالى يسمع الدعاء بلا واسطة، ويقدر على إجابة عبده بلا سبب؟

والجواب يبدأ من أصل لا يجوز أن يختلط فيه الأمر:

الله سبحانه وتعالى وحده هو المعبود، وهو المالك، وهو المدبر، وهو المستقل بالنفع والضر، وهو الذي تُرفع إليه العبادة والدعاء، وهو وحده الذي يملك الإجابة على الحقيقة.

وهذا أصل التوحيد الذي لا يتغير بتغير صور الأسباب.

لكن هل معنى ذلك أن كل سبب أو وسيلة تنافي التوحيد؟

هنا يحتاج الأمر إلى قراءة القرآن كله، لا إلى الوقوف عند آية بمعزل عن بقية الكتاب.

بين ﴿ٱدْعُونِىٓ﴾ و﴿إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾

يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: 35]

إذا جمعنا الآيتين، ظهر أن بينهما تعارضًا متوهمًا لا حقيقيًا.

فالله يقول: ﴿ٱدْعُونِىٓ﴾، ويقول: ﴿إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾.

الدعاء يحدد المقصود، والوسيلة تتعلق بالطريق إليه.

ولهذا فقول الله تعالى: ﴿ٱدْعُونِىٓ﴾ لا يساوي قولًا آخر لم يقله القرآن: «ادعوني بلا وسيلة».

وهذه نقطة دقيقة؛ لأن إثبات الدعاء لله لا يستلزم نفي كل سبب، كما أن إثبات الوسيلة لا يعني جعل الوسيلة شريكًا للمقصود.

بل إن الآية نفسها قالت:

﴿إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾.

أي أن الغاية والجهة والمقصد هو الله.

ومن هنا ينبغي أن نكون دقيقين: الآية تثبت أصل الوسيلة إلى الله، أما صور التوسل بالأنبياء والصالحين وأحكام كل صورة، فمسألة أخرى لها أدلتها وتفصيلها عند أهل العلم، ولا يصح أن نحمل هذه الآية وحدها ما لم تتعرض له صراحة.

وهذا التفريق ليس تراجعًا عن قوة الاستدلال، بل هو عين القوة؛ لأن من قوة الحجة ألا نقول عن القرآن أكثر مما قال.

القرآن لا يعلّمنا إلغاء الأسباب

إذا انتقلنا من الوسيلة إلى السبب، وجدنا أن القرآن يفتح أمامنا بابًا آخر من أبواب الفهم.

يقول سيدنا يوسف عليه السلام:

﴿ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[يوسف: 93]

ثم يقول سبحانه:

﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[يوسف: 96]

هنا نرى سببًا ظاهرًا ونتيجة ظاهرة.

قميص يُلقى على الوجه، وبصر يعود.

لكن القرآن لا يفتح لنا باب الغفلة عن الله، بل يربط القصة كلها بعلم سيدنا يعقوب عليه السلام بالله وبفضله وتدبيره.

وهنا يظهر الفرق بين السببية والاستقلال.

القرآن يثبت السبب، لكنه لا يجعل السبب إلهًا.

وهذا هو الميزان الذي يغيب أحيانًا في النقاش:

ليس التوحيد أن تنكر الأسباب، وإنما التوحيد أن تنفي عنها الاستقلال.

فالطعام سبب للشبع، والدواء سبب للعلاج، والمعلم سبب للتعلم، والصحبة الصالحة سبب للتربية؛ لكن شيئًا من ذلك لا يخرج عن خلق الله وتقديره.

سيدنا موسى عليه السلام… حين طلب السبب من الله

ثم انظر إلى دعاء سيدنا موسى عليه السلام:

﴿وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ۝ هَـٰرُونَ أَخِى ۝ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ۝ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ۝ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾
[طه: 29-34]

سيدنا موسى عليه السلام لا يطلب من هارون شيئًا من عند نفسه، وإنما يسأل الله أن يجعل هارون وزيرًا ومعينًا.

وهنا يبرز استنباط مهم:

قد يطلب العبد السبب من الله، ولا يخرج بذلك عن كمال افتقاره إليه.

فالمؤمن حين يأخذ بالسبب لا يقول: «السبب يغنيني عن الله»، وإنما يقول بلسان حاله: «هذا سبب ساقه الله إليّ، وأمره كله بيد الله».

وهكذا يصبح الأخذ بالأسباب من تمام العبودية، لا مناقضًا لها.

سيدنا موسى عليه السلام وعبدٌ علّمه الله

ثم تأتي قصة سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح، وفيها معنى تربوي بالغ العمق:

﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا﴾
[الكهف: 66]

لا أريد أن أحمل الآية أكثر من دلالتها، فهي ليست نصًا في كل صور التوسل، لكنها تكشف بوضوح عن سنة الأخذ عن أهل العلم والانتفاع بمن علّمه الله.

فالعلم من الله، لكن المعلم سبب في وصوله.

وهذا المعنى مهم في التربية الصوفية؛ لأن السلوك ليس مجرد معلومات يتلقاها الإنسان من الكتب، بل صحبة وأدب وتزكية وتلقي.

ومن هنا نفهم أن وجود العبد في طريق التعلم لا ينافي توحيده، ما دام يعلم أن الفضل لله، وأن العبد إنما هو سبب أكرمه الله بما عنده.

هنا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة أشياء

كثير من الاضطراب في هذه المسألة سببه جمع أمور مختلفة في معنى واحد.

هناك دعاء وعبادة، وهناك استعانة بالأسباب، وهناك توسل.

أما دعاء العبادة والتأله، فحق لله وحده.

وأما الأسباب، فالله سبحانه جعل لها أحكامًا في عالم الشهادة، وأمر عباده بالأخذ بما أذن به منها.

وأما التوسل، فهو باب مستقل يحتاج إلى تحرير صوره وأدلته وأحكامه، ولا يصح أن نحكم على كل صورة بحكم واحدة.

ولهذا فليس كل من قال: «يا رب، أتوسل إليك بنبيك أو بعبد صالح» يكون قد اعتقد أن ذلك النبي أو الولي يملك من دون الله.

فاللفظ وحده لا يكفي للحكم على الاعتقاد، وإنما لا بد من فهم المقصود وحقيقة الاعتقاد.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نفتح باب الغلو فننسب إلى المخلوق استقلالًا في الخلق أو الملك أو النفع أو الضر.

فالتوسل شيء، والعبادة شيء، واعتقاد الاستقلال شيء آخر.

وهذه التفرقة تحفظ باب التوحيد من طرفي الإفراط والتفريط.

ما الذي يحفظ القلب؟

هنا تأتي التربية التي يضيفها التصوف إلى مجرد الجدل النظري.

أن تأخذ بالسبب، لكن لا تجعل قلبك أسيرًا له.

أن تعرف الطبيب، لكن تعرف أن الشفاء من الله.

أن تعرف العالم، لكن تعرف أن الفهم من الله.

أن تحب الصالح، لكن تعرف أن الله هو ولي النعمة.

أن تنتفع بالصحبة، لكن تجعل مقصدك الله.

فالعارف لا يرفض الأسباب، ولا يعبدها.

يراها في يده، ولا يجعلها في قلبه.

وهذه قاعدة أراها جامعة:

تتعدد الأسباب في عينك، ولا يتعدد المسبب في قلبك.

وهنا يكون الفرق بين التوحيد الذي يربي القلب، والتوحيد الذي يتحول إلى مجرد خصومة حول الألفاظ.

هل المباشرة دائمًا أفضل؟

قد يظن بعض الناس أن كلما ألغينا الوسائل كان ذلك أقرب إلى التوحيد.

لكن هذا ليس لازمًا.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي أمرنا أن نأخذ بالأسباب، وهو الذي جعل في العالم أبوابًا متعددة للوصول إلى الخير.

الإنسان يتعلم من معلم، ويستشير خبيرًا، ويستعين بأخ، ويتداوى عند طبيب، ويسلك طريقًا ليصل إلى غايته.

فليست الفضيلة في إلغاء الطريق، وإنما في ألا ينسى السالك غايته.

ومن هنا يمكن أن تكون الوسيلة بابًا إلى الله، ويمكن أن تصبح حجابًا عنه؛ والفرق ليس في وجودها وحده، وإنما في ما يضعه القلب فيها.

إن جعلتها سببًا أُجري بقدر الله، بقيت في مقامها.

وإن جعلتها مستقلة عنه، تجاوزت مقامها.

الوسيلة التي تدل… والوسيلة التي تحجب

وهنا يصل بنا الأمر إلى معنى صوفي أعمق:

ليست كل وسيلة تُقرب.

قد يكون الإنسان متعلقًا بالشيخ أكثر من تعلقه بالله، فتتحول الصحبة عنده من باب تربية إلى حجاب.

وقد يجلس مع صالح، فيزداد ذكره لله ومحبةً فيه، فتصبح الصحبة سببًا في القرب.

إذن ليست القضية في اسم الوسيلة، وإنما في الثمرة التي تتركها في القلب.

الوسيلة الصحيحة تزيدك افتقارًا إلى الله، لا اعتمادًا على المخلوق.

تزيدك توحيدًا، لا تعلقًا باستقلال المخلوق.

تردك إلى الله، لا تصرفك عنه.

ولهذا فإن أصدق سؤال في هذا الباب ليس:

هل هناك وسيلة؟

بل:

إلى أين تقود الوسيلة القلب؟

فإن قادتك إلى الله، أدت معنى الوسيلة.

وإن قطعتك عنه، صارت حجابًا.

من الدعاء إلى الوسيلة… ومن الوسيلة إلى الله

ولهذا لا ينبغي أن نضع الآيتين في مواجهة بعضهما:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[غافر: 60]

وقوله سبحانه:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: 35]

بل نقرأهما معًا:

الله هو المدعو، وإليه الوسيلة.

وهذه الجملة تختصر أصل المسألة.

فمن دعا غير الله على جهة العبادة فقد خالف أصل التوحيد.

ومن اعتقد في مخلوق أنه مستقل بالنفع والضر فقد تجاوز مقام العبودية.

أما من أثبت سببًا أو وسيلة، مع بقاء اعتقاده بأن الله وحده هو المالك والمدبر والمؤثر على الحقيقة، فهنا يجب أن ننتقل من لغة الاتهام إلى لغة التفصيل.

وهذا هو المنهج الذي يليق بالقرآن.

التوحيد لا يلغي الطريق… بل يصحح القلب في الطريق

إن التوحيد ليس أن ترى يد الله فتغلق عينيك عن الأسباب، ولا أن ترى الأسباب فتنسى يد الله.

التوحيد أن ترى الأمرين معًا:

سببًا في عالم الحكمة، وربًّا في عالم القدرة.

تأخذ بما شرع الله وأذن به، لكن قلبك لا يستقل بشيء عن الله.

تسلك أبواب الدنيا، ولا تجعلها آلهة قلبك.

تنتفع بالخلق، ولا تعلق رجاءك استقلالًا بهم.

وتحب أهل الصلاح، لأنهم يذكرونك بالله، لا لأنهم أرباب من دونه.

وهنا يصبح التصوف تربية على حسن النظر إلى الله في كل شيء، لا هروبًا من عالم الأسباب، ولا غرقًا فيه.

فالشريعة تضبط ما يجوز أن يكون وسيلة.

والعقيدة تضبط ما يجوز أن يعتقده القلب في الوسيلة.

والحقيقة تربي القلب حتى لا يرى في الكون استقلالًا عن الله.

ومن جمع هذه الثلاثة، استقام له الطريق.

فليس السؤال في النهاية:

هل أدعو الله مباشرة أم أتوسل؟

بل السؤال الأعمق:

هل الله هو المقصود في دعائي، والمرجو في قلبي، والمعتقد أنه وحده المالك والمؤثر؟

فإذا استقام هذا الأصل، عرف العبد قدر الوسيلة فلم يرفعها فوق مقامها، وعرف قدر السبب فلم يعبده، وعرف قدر الصالح فلم يجعله ربًّا، وعرف قدر نفسه فلم يتكبر عن أبواب الخير التي جعلها الله له.

ومن عرف الله، لم تحجبه كثرة الأسباب عن مسبب الأسباب.

ومن عرف مقام العبودية، لم يرفع عبدًا إلى مقام الربوبية.

ومن صح توحيده، استطاع أن يرى كثرة الأبواب دون أن تتعدد عنده جهة القصد.

وهنا يلتقي الدعاء بالوسيلة، والشريعة بالحقيقة، والطريق بالمقصود:

ندعو الله وحده، ونعبده وحده، ونتوكل عليه وحده، ونأخذ بالأسباب التي أذن بها، ولا نثبت لمخلوق استقلالًا عما اختص الله به.

فالوسيلة باب، وليست ربًّا.

والسبب طريق، وليس خالقًا.

والعبد عبد، وإن علت منزلته.

والرب رب، لا شريك له.

وهكذا يبقى القلب على العهد الأول:

الله هو المقصود، وكل ما سواه وسيلة لا تستقل عنه.

والله أعلم.