في رحاب المولد النبوي الشريف.. ميلاد الرسالة وبداية عصر الرحمة

بقلم :(أ.د/ طلعت عبد الله أبو حلوةوكيل كلية
الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر

يعد المولد النبوي الشريف نقطة تحول فارقة في تاريخ الإنسانية، حيث كان إيذانًا بزوال عهد الجاهلية، وإعلانًا بميلاد عصر جديد للبشرية، وبداية عهد صلاح وإصلاح لأصحاب النفوس السوية، وطوق نجاة لذوي الضمائر الحية، فتجلت بشائره على الكون وفاضت بالخيرية، وسطعت شموسه فأضاءت أرجاء الحياة بالأنوار المحمدية.

ولا يقتصر احتفالنا بميلاده -ﷺ- عند تذكره والاحتفاء به في يوم مولده، كما لا يقف الاحتفال به عند الخطب المرصعة، والمدائح المدبجة، والمقالات المنمقة، وإن كان ذلك أمرًا حسنًا، وإنما يمتد ليشمل حياتنا كلها، وتصرفاتنا جميعها؛ لأن ميلاده لم يكن كميلاد أي إنسان يذكر حينًا أو أحيانًا ثم يطويه النسيان، وإنما ميلاه ميلاد رسالة ومنهج حياة يشمل وينتظم كل شئون حياتنا؛ ولذا فعلينا أن نلتزم بسنته التي هي كسفينة نوح عليه السلام، من استمسك واستعصم بها فاز ونجا، ومن تخلف عنها وتركها خسر وهلك، وما انتصر المسلمون ولا أفلحوا إلا باتباع شريعته والأخذ بسنته.

وقد تبارت أقلام البلغاء، وألسنة الفصحاء، وتفننت عبارات العلماء والأدباء في مدح النبي -ﷺ- وتسابقت وتنافست؛ لكي تأخذ بطرف من عَبَق الميلاد الشريف، ولكي تساهم في كشف جانب من جوانب العظمة النبوية، وبيان مَزِيّة من مزايا الكمال الإنسانية، وإبراز خصيصة من خصائص المجادة المحمدية، فاختلفت بلاغاتها، واتحدت مقاصدها، وكأنها استصحبت قول القائل:

عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ … وَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الجَمَالِ يُشِيرُ

ومما انفرد به الصادق المصدوق -ﷺ- أنه هو الشخص الوحيد الذي لا توجد في حياته نقطة حمراء أو محظورة يمتنع الدخول فيها؛ لأن الله -عز وجل- جعل لنا فيه قدوة طيبة وأُسْوة حسنة، وما ترك -ﷺ- خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شَرًّا إلا نهانا عنه، وهذا من شواهد رِفْعته، وبراهين عظمته، ودلائل نبوته.

****

ومن يتأمل حياة النبي -ﷺ- يجدها قد بلغت حد الكمال البشري، ويجدها مليئة بالمحاسن في كل جوانبها، ومفعمة بالفضائل في كل تصرفاتها، فهو النبي الرسول، والإنسان الكامل، والأب الحاني الرحيم، والزوج المثالي الشفيق، والقائد الحكيم، ولكن قد يتطرق الخطأ أو التقصير لدى بعض الدعاة –ولا سيما من يتصدى لدعوة الغرب- فيحصرون شخص النبي في المقاتل الشجاع، فيترتب على ذلك سوء فهم لشخصه ﷺ؛ ولذا فيجب على الدعاة أن ينظروا إلى شخصية النبي بكل ملامحها وأبعادها، وأن يعلموا أن الإسلام دين السماحة والوسطية، وأن الأصل في الإسلام هو السلام، وأن الحرب ضرورة واستثناء، وأن الجهاد شُرِع في الأساس للحماية والدفاع، وليس للبغي ولا العدوان.

وامتن الله -عز وجل- علينا ببعثته، وأكرمنا بأن جعلنا من أُمَّتِه، وتفضل على البشر عمومًا وأتباعه خصوصًا بشفاعته، وأنعم عليه بكثير من الخصائص والفضائل والمزايا التي تؤكد فضله وصدق رسالته، فاصطفاه وعصمه، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وغفر له ذنبه، ووعده أجرًا غير ممنون، وجعله على خُلُق عظيم، وأقسم بحياته، وأقسم له، وأسرى به، وحباه القرآن، ومنحه ليلة القدر، ووهبه الكوثر، ونصره بالرعب مسيرة شهر، وجعل له الأرض مسجدًا وطهورًا، وأَحَلَّ له الغنائم، وآتاه جوامع الكَلِم، وأرسله للناس كافّة، وختم به الأنبياء، وجعله رحمة للعالمين، وجعل أمته خير الأمم، وأوجب علينا توقيره، وأمرنا بنصرته ومحبته، إلى غير ذلك من الفضائل التي يصعب حصرها واستقصاؤها، وأعتذر لجنابه -ﷺ- مستلهمًا ومستحضرًا قول الإمام البوصيري:

فإنّ فَضْلَ رســـــــــولِ اللهِ ليسَ لهُ … حَــــــــدٌّ فيُعْرِبَ عنه نــــــاطِقٌ بفَمِ

وفي الختام أدعوٱ الأحرار والمنصفين من العالم إلى استلهام السيرة النبوية من مصادرها الصحيحة، والتعرف على عظمة النبوة بكل جوانبها وأبعادها، والنظر بعين الإنصاف إلى شخصية الرسول بكل ملامحها وصورها، ولا يسعني في نهاية المطاف إلا أن أرد القلم إلى غمده معتذرًا لجلال النبوة عن تقصيري وضعف بياني مردِّدًا قول القائل:

قُل للبَلاغةِ غُضِّي الطَّرْفَ واحْتَشِمِي … فمَدْحُ أَحْمَدَ يَعْلُو هامةَ الكَلِمِ .