الوقوف بين يدي الله.. المحكمة التي لا يظلم فيها أحد

بقلم : د مدحت عــلي وِربي 

نحن في حاجة للحديث عن لحظة الوقوف بين يدي الله قال الله تعالى: ﴿ ‌وَاتَّقُوا ‌يَوْماً ‌تُرْجَعُونَ ‌فِيهِ ‌إِلَى ‌اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)﴾ [البقرة: 281].

هذه اللحظة تبدأ بالموت الذي به؛ يُفارق فيها الحبيبُ حبيبَه، والخليلُ خليله، لحظاتُ الانتقال من الحياة إلى عالم البَرزخ والآخرة، فمَن مات، فقد قامَتْ قيامته ، عندها يَعرق الجبينُ، ويَكثر فيها الأنين، ويَعجز عندها الطبيب، ويَحار فيها اللبيب، ويَكثر فيها البكاء والنحيبُ، فالموت هو النهاية بعد عُمر مديد، والإنسان عندها شقيٌّ أو سعيد.
عندما يأتي الموت ينقطع الأملُ، ولا يَصلح بعدها العملُ، وأُمنيَة الكافر كما قال الله تعالي: ﴿ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي ‌أَعْمَلُ ‌صالِحاً ‌فِيما ‌تَرَكْتُ ‌كَلَاّ ‌إِنَّها ‌كَلِمَةٌ ‌هُوَ ‌قائِلُها ‌وَمِنْ ‌وَرائِهِمْ ‌بَرْزَخٌ ‌إِلى ‌يَوْمِ ‌يُبْعَثُونَ (100) ﴾ [المؤمنون: 99 – 100].

أما لحظة الموت للمؤمن فلطالَما انتظَرها المؤمنُ؛ لأنها تقرِّبه إلى الله، وطالَما خاف منها الفاجر لعظيم ما قدَّمت يداه ،كما قال الله تعالي :” ‌مَنْ ‌كانَ ‌يَرْجُوا ‌لِقاءَ ‌اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)(العنكبوت:5).
ولحظات خروج الروح صعبة ومرعبة حقا، قال الله تعالي :” ‌فَلَوْلا ‌إِذا ‌بَلَغَتِ ‌الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84)وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) ﴾ [الواقعة: 83 – 87] .

قال الله تعالي : { ‌كَلَاّ ‌إِذا ‌بَلَغَتِ ‌التَّراقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)؛[القيامة: 26 – 30] ،تأملوا الإعجاز اللغوي والعلمي في هذه الآيات الكريمة ،
ثلاث حالات :

1- نقطة اللاعودة: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} التراقي: المقصود بها العظمتين تحت الرقبة وفوق الصدراللتين هما (عظام الترقوة).

2-انهيار الطب البشري: {وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ}
واختلف أهل التأويل في معنى قوله – تعالى -: ﴿ مَنْ رَاقٍ ﴾: قال عكرمة: “هل من راقٍ يرقي؟”، وقال أبو قلابة: “هل من طبيبٍ شافٍ؟”، وقال ابن زيد: “قال أهله: مَن ذا يَرْقِيه ليشفيَه ممَّا قد نزل به، وطلبوا له الأطباء والمُدَاوِين، فلم يُغْنُوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئًا ، وإعجاز السكتة القرآنية هنا : في قراءة سيدنا حفص، “سكتة” صغيرة فوق كلمة (مَنْ ۜ) ،هذه السكتة تجعل القارئ يقف ثانية قبل أن يقرأ (رَاقٍ) ،هذه الوقفة تعكس حالة الصدمة، والذهول، وانقطاع الأمل للمحتضر.

3-صدمة اليقين: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} الإنسان يوقن أنها الحقيقة ويعلم أنه الموت وأنه مفارق الحياة ، فلماذا قال (وَظَنَّ) ولم (وأيقن)؟ وفي لغة القرآن، كلمة “الظن” إذا جاءت في سياق الموت والآخرة فيكون : معناها اليقين القاطع الذي لا ريب فيه) ، وهنا الميت “أيقن” تماماً أن الستارة قد نزلت ،وأيقن أنه يفارق أملاكه، وعياله، وأحبابه؛ فراق أبدي لا رجعة للدنيا.

قال تعالي :” إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ ‌آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (95) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96)(مريم :93،96).
فنحن جميعا جنائزُ مؤجلة ؛فكن من تكون اليوم تمشي وغدا مدفون! فإذا جاءت سكرة الموت فلا فوت ،يا ابن آدم، إذا نزل بساحتك الموت، فلا فوت، قال – تعالى -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19]. أي:هذا هوالذي كنت منه تفر، قد جاءك فلا مهرب ولا مفر ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص.
وقد وصف الإمام علي زين العابدين بن الحسين هذه اللحظات فقال :

‌وَقَدْ ‌أَتَوْا ‌بِطَبِيْبٍ ‌كَيْ ‌يُعَالِجنِي : وَلَم أَرَ مِن طَبِيْبِ اليَومِ يَنْفَعُنِي
وَاشْتَدَّ نَزْعِي وَصَارَ الموتُ يَجْذِبُها : مِن كُلِّ عِرقٍ بِلا رِفْقٍ وَلا هَوَنِ
وَغَمَّضُونِي وَرَاحَ الكُلُّ وَانْصَرَفُوا : بَعدَ الإِيَاسِ وَجَدُّوا في شِرَا كَفَنِي
وَقَامَ مَنْ كَانَ أَوْلَى الناسِ في عَجَلٍ : إِلى المُغَسِّلِ يأتِيْنِي يُغَسِلُنِي
وَقَالَ يا قَوْمُ نَبْغِي غَاسِلاً حَذقًا : حُرًّا أَدِيْبًا أَرِيْبًا عَارِفًا فَطِني
فَجَاءَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَردَنِي : مِن الثِيَابِ وَأعْرَانِي وَأفردَنِي
وأطرحُونِي عَلَى الأَلْواحِ مُنْفَرِدًا : وَصَارَ فَوْقِي خَرِيْرُ المَاءِ يُنْظِفُنِي
وَأَسْكَبَ المَاءَ مِنْ فَوْقِي وَغَسَّلَنِي : غُسْلاً ثَلاثًا وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِي
وَأَلْبَسُونِي ثِيْابًا لا كُمُومَ لَهَا : وَصَارَ زَادِي حَنُوْطًا حِيْنَ حَنَّطَنِي
وَقَدَّمُونِي إِلى المِحْرَابِ وانصرفُوا : خَلْفَ الإمَامِ فَصَلَّى ثِم وَدَّعنِي
صَلَّوا عَلَي صَلاةً لا رُكُوعَ لَهَا : وَلا سُجُودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
وَأَنْزَلُونِي في قَبْرِي عَلَى مَهَل : وَأَنْزَلُوا وَاحِدًا مِنْهُم يُلَحِّدُنِي
في ظُلْمَةِ القَبْرِ لا أُمٌّ هُنَاكَ وَلا : أَبٌ شَفِيْقٌ وَلا أَخٌ يُؤَنِّسُنِي
خُذ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاكَ وَارْضَ بِها : لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَا نَفْسُ كُفِّيْ عَنِ العِصْيَانِ واكْتَسِبِي : فِعْلاً جَمِيْلاً لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
«مجموعة القصائد الزهديات» (1/ 173).

بعدها يكون الوقوف بين الله ،‌قال الله تعالي : “وَقِفُوهُمْ ‌إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) ( الصافات :24) .
وعَنْ ‌عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ ‌أَحَدٌ ‌إِلَّا ‌سَيُكَلِّمُهُ ‌رَبُّهُ ‌لَيْسَ ‌بَيْنَهُ ‌وَبَيْنَهُ ‌تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» «البخاري» (9/ 148).

والوقوف بين يدي الله يوم القيامة له ضوابط ” ‌يَوْمَ ‌يَقُومُ ‌النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (6)(المطففين :6). ستقف كما نقف أمام القاضي في الدنيا ولكن شتان شتان بين محاكم الدنيا والمحكمة الربانية العادلة ، وهذه بعض معالمها ؛ تعرَّفوا معي عليها فإنها تتميزبـأن :

1- الملفات غير سرية ولا توجد ملفات منسية ، قال الله تعالي :«وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ‌وَنُخْرِجُ ‌لَهُ ‌يَوْمَ ‌الْقِيامَةِ ‌كِتاباً ‌يَلْقاهُ ‌مَنْشُوراً (13) »﴾( الإسراء: 13).
‌قال الله تعالي : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ‌أَحْصاهُ ‌اللَّهُ ‌وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) } (المجادلة : 6) .

2- الحضور يكون تحت حراسة ملائكية مشددة ، ‌قال الله تعالي : ﴿ ‌وَجاءَتْ ‌كُلُّ ‌نَفْسٍ ‌مَعَها ‌سائِقٌ ‌وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾ (ق: 21،22).

3-الظلم هناك مستحيل ‌قال الله تعالي : ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَاّمٍ لِلْعَبِيدِ (29) ﴾(ق:29).
4- ليس هناك محامٍ يدافع عنك ‌قال الله تعالي :﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)﴾.(ق:14)
5- الرشوة والواسطة مستحيلة ‌قال الله تعالي :﴿ ‌يَوْمَ ‌لا ‌يَنْفَعُ ‌مالٌ ‌وَلا ‌بَنُونَ (88) إِلَاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾.(الشعراء:89).

6- لا يوجد تشابه أسماء‌قال الله تعالي : ﴿ ‌وَما ‌كانَ ‌رَبُّكَ ‌نَسِيًّا (64)رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) ﴾.(مريم :65)
7- استلام النطق بالحكم باليد ‌قال الله تعالي :﴿ {‌فَأَمَّا ‌مَنْ ‌أُوتِيَ ‌كِتَابَهُ ‌بِيَمِينِهِ ‌فَيَقُولُ ‌هَاؤُمُ ‌اقْرَءُوا ‌كِتَابِيَهْ ‌‌(19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) } ﴾(الحاقة :19،20).

8- لا يوجد حكم غيابي‌ وميزان الأعمال دقيق ، قال الله تعالي:﴿ ‌وَإِنْ ‌كُلٌّ ‌لَمَّا ‌جَمِيعٌ ‌لَدَيْنا ‌مُحْضَرُونَ (32) ﴾( يس: 32).
قال الله تعالي:{ ‌وَنَضَعُ ‌الْمَوازِينَ ‌الْقِسْطَ ‌لِيَوْمِ ‌الْقِيامَةِ ‌فَلا ‌تُظْلَمُ ‌نَفْسٌ ‌شَيْئاً ‌وَإِنْ ‌كانَ ‌مِثْقالَ ‌حَبَّةٍ ‌مِنْ ‌خَرْدَلٍ ‌أَتَيْنا ‌بِها ‌وَكَفى ‌بِنا ‌حاسِبِينَ(47)}

9- لا يوجد نقضٌ أو استئناف‌قال الله تعالي : ﴿ ‌مَا ‌يُبَدَّلُ ‌الْقَوْلُ ‌لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَاّمٍ لِلْعَبِيدِ (29) ﴾(الأنبياء:29) .
10-لا يوجد شهود زور‌قال الله تعالي : ﴿ ‌يَوْمَ ‌تَشْهَدُ ‌عَلَيْهِمْ ‌أَلْسِنَتُهُمْ ‌وَأَيْدِيهِمْ ‌وَأَرْجُلُهُمْ ‌بِما ‌كانُوا ‌يَعْمَلُونَ (24)} (النور:24)

فعلينا نستعد بالعمل للوقوف بين يدى الله فى يومٍ عظيم .