محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بين النص الشرعي والسلوك الإيماني

بقلم الشيخ : عمر عبداللاه 
خطيب بوزارة الأوقاف

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه مصابيح الهداية وأنوار العطاء الموصول إلى يوم القيامة .

إن محبة آل بيت النبي صلى الله على حضرته ليست عاطفةً عابرةً ولا مجرد انتسابٍ تاريخي، وإنما هي محبةٌ لها أصلها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله على حضرته، وهي من المعاني التي اجتمعت عليها قلوب المسلمين، مع اختلاف مذاهبهم ومدارسهم.

وقد شرّف الله تعالى أهل بيت نبيه صلى الله على حضرته بمكانة عظيمة، وجعل لهم في قلوب المؤمنين حقًّا من المحبة والتوقير، قال سبحانه وتعالى:
(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)

وقد اختلف المفسرون في المراد بـ«القربى» في الآية، إلا أن النصوص الصحيحة الصريحة جاءت ببيان فضل أهل بيت النبي صلى الله على حضرته، ووجوب معرفة قدرهم ومراعاة حقهم فبهم نصرالدين وبهم رفع اللواء وعلي عواتقهم حملوا أمانة الرسالة ومن نور فضلهم استمر العطاء الرباني فهم سفينة النجاة
أهل البيت في السنة النبوية

ومن أوضح الأحاديث في هذا الباب ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، أن النبي صلى الله على حضرته قال:
«أذكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي».

وتكرار النبي صلى الله على حضرته هذه الوصية يدل على عظيم شأن أهل بيته، وأن معرفة حقهم ومحبتهم من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يحملها في قلبه.

ومن أهل بيت النبي صلى الله على حضرته الذين ثبت فضلهم ومكانتهم: علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين رضي الله عنهم.

١- الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

يقف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه في طليعة آل البيت ومناقبهم؛ فهو ابن عم رسول الله صلى الله على حضرته، وزوج ابنته أحب الناس إليه فاطمة الزهراء، وأول من آمن من الصبيان، وأحد العشرة المبشرين بالجنة

وقد ثبتت له في السنة النبوية الشريفة مناقب جمة تشهد بعظيم منزلته وقربه من النبي صلى الله على حضرته،

ومن ذلك:

محبة الله ورسوله له:
قال النبي صلى الله على حضرته يوم خیبر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، فدعا عليًا رضي الله عنه وأعطاه الراية.

مكانته من النبي:
قال له النبي صلى الله على حضرته في غزوة تبوك: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي؟».
العلم والقضاء: كان الإمام علي رضي الله عنه مرجعًا للأمة في الفقه والقرآن والقضاء؛ لشِدّة فطنته وعمق علمه، وقد ثبت عن الصحابة تعظيم علمه والرجوع إليه في المشكلات والمسائل الدقيقة.

الشجاعة والزهد:

جمع رضي الله عنه بين البطولة في ميادين الجهاد والثبات في الحق، وبين الزهد التام في الدنيا والورع في إدارة شؤون المسلمين، فكان نموذجًا فريدًا للحاكم العادل والعابد الزاهد.

٢-فاطمة الزهراء رضي الله عنها ومكانتها

ومن أعظم نساء أهل البيت منزلةً فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة رسول الله صلى الله على حضرته،فهي سيدة نساء العالمين وكما أخرج لنا أصحاب السنن أنه صلى الله على حضرته قال كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ

وقد قال لها ذات مرة انت سيدة نساء العالمين قالت: و(مريم ) قال: هي سيدة نساء عالمها أما أنت فسيدة نساء العالمين

وقد قال النبي صلى الله على حضرته:

«فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها».
وهذا الحديث يكشف عن شدة حب النبي صلى الله على حضرته لابنته، وعن عظيم مكانتها عنده. وكانت فاطمة رضي الله عنها مثالًا في العبادة والصبر والعفة، وكانت حياتها امتدادًا لبيت النبوة في أخلاقه وعبادته وتواضعه.

٣ـ الحسن والحسين رضي الله عنهما

أما الحسن والحسين رضي الله عنهما فقد كانا موضع محبة رسول الله صلى الله على حضرته.

وقد قال النبي صلى الله على حضرته فيهما:
«الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».

كما قال صلى الله على حضرته عن الحسن رضي الله عنه:
«إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».

فكان الحسن رضي الله عنه نموذجًا عظيمًا في الحكمة وحقن الدماء، وأصبح موقفه شاهدًا على أن محبة آل البيت ليست مجرد كلمات تقال، وإنما أخلاق ومواقف تحفظ وحدة الأمة وتصون دماء المسلمين.

وقد ثبت عنه صلى الله على حضرته أنه قال في الحسين رضي الله عنه:
«حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا».

وهذه المحبة النبوية للحسين رضي الله عنه تعلمنا أن حب آل البيت ليس قضية تاريخية تنتهي بانتهاء عصرهم، بل هو خلق إيماني ينتقل أثره إلى الأجيال.

محبة آل البيت ليست غلوًّا

ومن المهم أن نفهم محبة آل البيت في إطارها الشرعي الصحيح؛ فالإسلام دين المحبة والاعتدال.

نحب آل بيت النبي صلى الله على حضرته، ونوقرهم، ونعرف فضلهم، وندعو لهم، ونذكر محاسنهم، لكننا لا نرفع أحدًا منهم فوق منزلته التي جعلها الله له. فالمحبة الصادقة لا تحتاج إلى غلو، كما أن التوقير لا يحتاج إلى تجاوز حدود الشرع.

وقد كان منهج أهل السنة قائمًا على محبة آل بيت النبي صلى الله على حضرته ومحبة أصحاب النبي صلى الله على حضرته جميعًا، من غير أن تكون محبة فريق سببًا في بغض فريق آخر.
المحبة الحقيقية اتباعٌ واقتداء

لكن السؤال الأهم:
كيف تتحول محبة آل البيت من مشاعر إلى سلوك؟

إن أعظم دليل على صدق المحبة هو الاقتداء.

فمن أحب آل بيت النبي صلى الله على حضرته فليتعلم من أخلاقهم، ومن أحب عليًّا رضي الله عنه فليتعلم من شجاعته وعدله وزهده وعلمه، ومن أحب فاطمة رضي الله عنها فليتعلم من عفتها وعبادتها وصبرها، ومن أحب الحسن رضي الله عنه فليتعلم من حلمه وإيثاره لوحدة المسلمين، ومن أحب الحسين رضي الله عنه فليتعلم من ثباته وحرصه على الحق.

وهكذا تصبح المحبة مدرسةً للأخلاق، لا مجرد شعار.

محبة آل البيت ووحدة الأمة

وفي زمن كثرت فيه أسباب الفرقة والخصومة، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة المعنى الصحيح للمحبة.

فمحبة آل بيت النبي صلى الله على حضرته يمكن أن تكون بابًا من أبواب اجتماع القلوب، إذا فهمناها بعيدًا عن التعصب والصراع. فالرسول صلى الله على حضرته واحد، والقرآن واحد، والقبلة واحدة، ومحبة آل البيت ومحبة الصحابة من المعاني التي يمكن أن تجتمع عليها قلوب المسلمين.

والمحبة التي تثمر سبًّا أو كراهية أو اعتداءً ليست هي المحبة التي علّمنا إياها رسول الله صلى الله على حضرته. أما المحبة التي تحمل صاحبها على الصلاة على النبي صلى الله على حضرته، وتعظيم سنته، ومعرفة فضل آله، وحفظ اللسان عن أعراض المسلمين، والتحلي بالرحمة والعدل؛ فهي محبة تصنع إنسانًا صالحًا وقلبًا سليمًا.

خاتمة
إن آل بيت النبي صلى الله على حضرته أمانة في أعناق الأمة، ومحبتهم من المعاني الجليلة التي ينبغي أن تُورث للأجيال بالعلم والأدب والاعتدال.

نحبهم لأن رسول الله صلى الله على حضرته أحبهم، ونوقرهم لأن لهم من رسول الله صلى الله على حضرته قربًا وفضلاً، ونذكرهم بما يليق بمقامهم، دون غلو أو جفاء.

وما أجمل أن تكون محبة آل البيت طريقًا إلى محبة رسول الله صلى الله على حضرته، ومحبة رسول الله صلى الله على حضرته طريقًا إلى طاعة الله تعالى.

فالمحبة الحقيقية ليست كلمةً على اللسان فحسب، وإنما هي تعظيمٌ واتباع، وأدبٌ وأخلاق، ورحمةٌ ووحدة، ووفاءٌ لآل بيت سيدنا رسول الله صلى الله على حضرته.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين، وصحبه أجمعين، وارزقنا محبتهم وأدبنا معهم، واحشرنا تحت لواء نبيك صلى الله على حضرته.