أبو الفضل العباس بن الإمام على حامل اللواء الذي خلدته المواقف
23 يونيو، 2026
بستان الصحابة وآل البيت

بقلم: أ . سيدة حسن
في تاريخ الإسلام رجالٌ عاشوا أعمارًا قصيرة، لكن الله كتب لهم من الخلود ما لم تكتبه القرون لغيرهم، ومن هؤلاء أبو الفضل العباس، قمر بني هاشم، الذي بقي اسمه حيًا لأن حياته كانت ترجمةً للوفاء والإيثار والشجاعة.
هو أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمه فاطمة بنت حزام الكلابية، المشهورة بلقب أم البنين. وُلِد في المدينة المنورة سنة 26 للهجرة، وكان أكبر أبناء أم البنين الأربعة.
نشأ العباس في بيتٍ لم يكن كغيره من البيوت؛ بيتٍ اجتمع فيه العلم، والإيمان، والفروسية، ومكارم الأخلاق. وكانت أمه أم البنين امرأةً صالحةً عرفت كيف تزرع في قلوب أبنائها المحبة قبل البطولة، فعلمتهم تعظيم الحسن والحسين، حتى نشأ العباس وإخوته يخاطبونهما بقولهم: «يا سيدي»، ورأوا أن شرفهم في خدمتهما والوقوف إلى جوارهما.
كبر العباس قويَّ البنية، جميل الطلعة، حسن الخلق، حتى لقبه الناس بقمر بني هاشم. غير أن أجمل ما فيه لم يكن حسن وجهه، بل نقاء قلبه، وهدوء نفسه، ووفاؤه الذي لازمه منذ صغره حتى آخر لحظة من حياته.
وكان شديد التعلق بأخويه الحسن والحسين، ولا سيما الإمام الحسين، فلم يكن يرى نفسه إلا سندًا له، وحاملًا لرايته، وعونًا له في الشدائد. كما كانت علاقته بالسيدة زينب رضي الله عنها علاقة أخٍ كريم بأخته، يحيطها بالرعاية والاحترام، حتى اشتهر في الوجدان الإسلامي بلقب كفيل زينب، لما عُرف عنه من شهامةٍ وحرصٍ على حمايتها.
وتزوج أبو الفضل العباس من لبابة بنت عبيد الله بن العباس ورزقه الله أبناءً، أشهرهم الفضل الذي اشتهر بكنيته نسبةً إليه، وعبيد الله الذي امتد منه نسله.
ولما عزم الإمام الحسين على الخروج من المدينة، لم يتردد العباس في مرافقته، فقد أدرك أن طريق الحق ليس دائمًا طريقًا سهلًا، واختار أن يكون إلى جوار أخيه في كل خطوة، حتى إذا نزل الركب بأرض كربلاء حمل رايته، وكان حمل اللواء يومئذٍ تكليفًا لا تشريفًا، فلا يحمله إلا أوثق الرجال قلبًا، وأشدهم بأسًا.
وجاء يوم عاشوراء، وقد اشتد العطش على الأطفال والنساء بعد أن مُنعوا من ماء الفرات أيامًا. فلم يطق العباس أن يسمع أنين الصغار، فاستأذن الإمام الحسين أن يذهب ليأتي لهم بالماء.
وشق طريقه بين الصفوف حتى بلغ الفرات، وغرف الماء بيده، لكنه ما إن تذكر عطش الحسين وأهل بيته حتى رد الماء إلى النهر، وآثر أن يحمل الماء إليهم قبل أن يروي ظمأه. كان يستطيع أن يشرب لكنه اختار أن ينتصر لوفائه قبل أن ينتصر لعطشه.
ملأ القربة، وأخذ طريق العودة إلى الخيام، غير أن القوم أحاطوا به من كل جانب، يريدون أن يمنعوا وصول الماء إلى الأطفال. فقطعت يمينه، فحمل اللواء بيساره، ثم قطعت يساره، فضم القربة إلى صدره، وكأن آخر ما بقي له من قوة قد جعله لحماية الماء لا لحماية نفسه.
وظل يقاتل حتى أثخنته الجراح، وأصيبت القربة، وسال ماؤها على رمال كربلاء، ثم خرَّ أبو الفضل العباس شهيدًا بعد أن سطر بدمه واحدةً من أنقى صفحات الوفاء في تاريخ الإسلام.
وأسرع الإمام الحسين إلى أخيه، وجلس عنده، وقد فقد في تلك اللحظة أخًا وصاحبًا، وحامل رايته فقال كلمته التي بقيت خالدة في ذاكرة التاريخ: «الآن انكسر ظهري، وقلت حيلتي، وشمت بي عدوي.»
استشهد أبو الفضل العباس يوم عاشوراء سنة 61 للهجرة، وكان عمره نحو أربع وثلاثين سنة، لكن الأعمار لا تُقاس بطولها، وإنما بما تتركه من أثر.
ورحل قمر بني هاشم عن الدنيا، لكن رايته لم تسقط، وما زال اسم أبي الفضل العباس بعد قرون طويلة، يُذكر كلما ذُكر الوفاء والإيثار، وحفظ العهد.