دعاة ووعاظ مصر.. سلاطين المنابر وحملة مشاعل النور في الأرض

بقلم الشيخ : حسين السمنودي

دعاة ووعاظ مصر.. سلاطين المنابر وحملة مشاعل النور في الأرض
حين نتحدث عن مصر، فإننا لا نتحدث فقط عن وطن صنع حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، وإنما نتحدث أيضًا عن أرض احتضنت العلم والعلماء، واحتضنت الأزهر الشريف الذي أصبح على امتداد قرون طويلة واحدًا من أبرز منارات العلم الإسلامي في العالم، وعن وطن ظل يحمل رسالة دينية وحضارية تتجاوز حدوده الجغرافية، لتصل إلى شعوب وأجيال في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وفي قلب هذه الرسالة يقف الدعاة والوعاظ والواعظات من أبناء الأزهر ووزارة الأوقاف، أولئك الذين يحملون مسؤولية عظيمة تتمثل في إيصال الكلمة الطيبة، ونشر صحيح الدين، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ قيم الرحمة والتسامح والاعتدال، ومواجهة الأفكار المتطرفة والمنحرفة، والمساهمة في بناء إنسان يعرف دينه وحقوقه وواجباته، ويدرك أن الإسلام لم يكن يومًا دين صراع أو كراهية، وإنما دين علم ورحمة وأخلاق وعمارة للأرض.

وحين نصف هؤلاء بأنهم “سلاطين الدعوة إلى الله”، فإن المقصود ليس سلطان القوة أو النفوذ، وإنما سلطان الكلمة التي تدخل القلوب، وسلطان العلم الذي يهزم الجهل، وسلطان الحكمة التي تستطيع أن تجمع ولا تفرق، وأن تصلح ولا تفسد، وأن تبني جسورًا بين الإنسان ودينه ومجتمعه ووطنه.

فالداعية الحقيقي لا يحتاج إلى سلطة دنيوية حتى يكون مؤثرًا، لأن كلمته الصادقة إذا خرجت من علم راسخ وقلب مخلص يمكن أن تغير حياة إنسان، وتعيد شابًا إلى الطريق الصحيح، وتصلح أسرة، وتزرع في طفل قيمة، وتمنح إنسانًا محبطًا جرعة من الأمل، وتواجه فكرة متطرفة قبل أن تتحول إلى سلوك يهدد المجتمع.

وهنا تظهر عظمة الرسالة التي يحملها رجال ونساء الدعوة في مصر، لأنهم لا يعملون في مساحة واحدة، ولا يخاطبون فئة محددة، وإنما يتعاملون مع مجتمع كامل بكل طبقاته وفئاته وأعماره وثقافاته واحتياجاته.

فالإمام الذي يقف على منبر مسجد في قرية صغيرة، والواعظ الذي ينتقل بين المساجد والندوات، والواعظة التي تجلس مع النساء والفتيات لتجيب عن أسئلتهن الدينية والاجتماعية، والعالم الأزهري الذي يشرح قضية معقدة بلغة يفهمها الناس، جميعهم يؤدون أدوارًا مختلفة داخل منظومة واحدة هدفها في النهاية صناعة الوعي وبناء الإنسان.

ولا يمكن أن نتحدث عن هذه المنظومة دون أن نقف أمام الأزهر الشريف، ذلك الصرح الذي ارتبط اسمه بالعلم والفقه واللغة والفكر الإسلامي، والذي استقبل على مدار تاريخه طلاب علم من مختلف البلدان، وأصبح من أبرز الجسور التي تربط مصر بالعالم الإسلامي.

فالأزهر لم يكن مجرد مؤسسة تعليمية، وإنما كان وما زال مدرسة علمية وفكرية لها حضور واسع، وقد خرج علماء ودارسين حملوا ما تعلموه إلى بلادهم، فنقلوا معهم اللغة العربية، وعلوم الدين، ومناهج التفكير، وتراثًا علميًا امتد أثره إلى مناطق مختلفة من العالم.

ومن هنا فإن دور الأزهر لا ينحصر في تخريج العلماء، وإنما يمتد إلى تشكيل خطاب ديني يقوم على العلم والتأصيل وفهم الواقع، وعلى التعامل مع النصوص بروح علمية بعيدة عن التشدد أو التساهل الذي يفرغ الدين من مضمونه.

وفي الجانب الآخر، تؤدي وزارة الأوقاف دورًا مهمًا في تنظيم العمل الدعوي داخل المساجد، ودعم الأئمة والواعظين والواعظات، وتقديم برامج دعوية وتثقيفية تستهدف مختلف فئات المجتمع، بحيث يظل المسجد حاضرًا في حياة الناس باعتباره مكانًا للعبادة، ومجالًا للعلم، ومساحة للتوجيه والإرشاد، ومنبرًا للقيم والأخلاق.

وهنا يجب أن ندرك أن المسجد في المجتمع المصري ليس مجرد جدران تقام فيها الصلوات، وإنما مؤسسة اجتماعية وروحية لها تأثير كبير في الناس، ولذلك فإن الإمام الذي يتعامل مع رسالته باعتبارها أمانة يمكنه أن يقدم للمجتمع أكثر بكثير من مجرد خطبة أسبوعية.

إنه يستطيع أن يواجه الشائعات، ويشرح للناس خطورة العنف، ويحذر من المخدرات، ويدعو إلى بر الوالدين، ويحذر من الغش والرشوة والاحتكار، ويشجع الشباب على العمل والعلم، ويؤكد قيمة الأسرة، ويحارب التنمر والكراهية، ويزرع في النفوس معنى الرحمة والتعاون والتكافل.

ومن هنا فإن الدعوة ليست مجرد حديث عن الأحكام، وإنما هي مشروع متكامل لبناء الإنسان.

فالإنسان الذي يتعلم أن الأمانة عبادة، وأن إتقان العمل مسؤولية، وأن احترام الآخرين خلق، وأن الحفاظ على المال العام واجب، وأن مساعدة المحتاج قيمة، وأن الوطن مسؤولية، هو إنسان يشارك بصورة مباشرة في بناء مجتمعه.

والواعظ أو الداعية الذي يستطيع أن يحول هذه المعاني من كلمات إلى سلوك، يكون قد أدى رسالة تتجاوز حدود المنبر إلى الحياة اليومية.

ولا يمكن أن نغفل الدور المتزايد للواعظات والداعيات، لأن المرأة تمثل نصف المجتمع، ولأن هناك قضايا دينية وأسرية وتربوية تحتاج إلى خطاب خاص تستطيع الواعظة أن تقدمه بصورة أكثر قربًا من النساء والفتيات.

فالواعظة يمكنها أن تتحدث عن تربية الأبناء، والعلاقات الأسرية، وقضايا المرأة، والمسؤولية الاجتماعية، والوعي الديني، وتقدم النصيحة في أجواء تسمح بالخصوصية والراحة في طرح الأسئلة والمشكلات.

كما أن وجود الواعظات في المساجد والندوات والفعاليات الدعوية يؤكد أن الرسالة الدينية مسؤولية يشترك فيها الجميع، وأن بناء الوعي المجتمعي لا يمكن أن يعتمد على صوت واحد أو فئة واحدة.

وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من حياة الناس، أصبحت مسؤولية الداعية أكبر من أي وقت مضى.

فالشاب اليوم يستطيع خلال دقائق أن يشاهد عشرات المقاطع الدينية، وأن يسمع آراء متناقضة، وأن يتلقى فتاوى من أشخاص مجهولين، وأن يقرأ معلومات لا يعرف مدى صحتها.

وهنا يأتي دور العالم والداعية والواعظ المؤهل الذي يستطيع أن يصل إلى الناس عبر الوسائل الحديثة، وأن يقدم المعلومة الصحيحة بلغة واضحة، وأن يناقش أسئلة الشباب، وأن يرد على الشبهات دون تهويل، وأن يواجه الفكر المتطرف بالعلم والمنطق.

لقد أصبحت معركة الوعي جزءًا أساسيًا من العمل الدعوي، لأن الجهل لم يعد يعيش خلف الأبواب المغلقة، وإنما يستطيع أن يصل إلى ملايين الأشخاص من خلال شاشة صغيرة.

ولهذا فإن الداعية في عصرنا يحتاج إلى العلم، لكنه يحتاج أيضًا إلى فهم المجتمع، ومعرفة لغة العصر، والقدرة على التواصل مع الأجيال الجديدة، دون أن يفقد ثوابته أو يتحول الخطاب الديني إلى مجرد محتوى سريع بلا عمق.

والحقيقة أن من أهم ما يميز الرسالة الدعوية المصرية أنها لا تتوقف عند المدن الكبرى، بل تصل إلى القرى والنجوع والمناطق البعيدة، حيث يقف أئمة ووعاظ في مساجد قد لا يعرفها أحد خارج محيطها، لكنهم يعرفون أهلها وأحوالها ومشكلاتها.

هناك الإمام الذي يعرف أبناء القرية واحدًا واحدًا، ويعرف الأسرة التي تمر بأزمة، والشاب الذي يحتاج إلى كلمة، والرجل الذي يحتاج إلى نصيحة، والمرأة التي تبحث عن إجابة لسؤال ديني أو أسري.

وهذه الأعمال ربما لا تجد طريقها إلى صفحات الأخبار، لكنها تمثل جزءًا حقيقيًا من العمل الدعوي اليومي، لأن بناء المجتمع لا يتم دائمًا أمام الكاميرات، وإنما يتم أحيانًا بكلمة صادقة بين إنسان وإنسان.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوة في مواجهة التطرف والغلو، فالمواجهة الحقيقية لا تكون فقط برفض الأفكار المنحرفة، وإنما بتقديم البديل العلمي الصحيح، وفتح أبواب الحوار أمام الشباب، وتصحيح المفاهيم التي يتم استغلالها بصورة خاطئة، وإظهار حقيقة الإسلام باعتباره دينًا يحفظ النفس والعقل والمال والعرض والكرامة الإنسانية.

فكل شاب يتم إنقاذه من فكر متطرف، وكل إنسان يتعلم أن الاختلاف لا يعني العداء، وكل أسرة تتعلم أن الحوار أفضل من العنف، وكل إنسان يدرك أن الدين أخلاق قبل أن يكون شعارات، هو إضافة حقيقية إلى رصيد المجتمع.

ومن هنا فإن الداعية لا يعمل منفردًا، بل يعمل داخل منظومة وطنية ومجتمعية واسعة، تتكامل فيها جهود المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية والأسرة.

ومصر، بحكم تاريخها ومكانتها، تحمل مسؤولية إضافية في هذا المجال، لأن العالم الإسلامي ينظر إليها باعتبارها واحدة من المراكز التاريخية الكبرى للعلم والثقافة والدعوة.

وما يخرج من القاهرة لا يبقى دائمًا داخل القاهرة، وما يتعلمه الطالب في الأزهر قد يحمله معه عندما يعود إلى بلده، وما يتعلمه الدارس في المؤسسات المصرية قد يتحول إلى رسالة يحملها إلى مجتمعه، ولذلك فإن التأثير المصري في المجال الديني لا يقاس فقط بعدد المساجد أو الدروس، وإنما يقاس أيضًا بالأثر الذي يصل إلى خارج الحدود.

وهنا تتجلى إحدى صور القوة الناعمة المصرية؛ قوة العلم والثقافة والدين، وقوة العالم الذي يسافر ليعلم، والداعية الذي يتحدث فينصت إليه الناس، والواعظة التي تقدم المعرفة والنصيحة، والأستاذ الذي يخرج أجيالًا من الطلاب.

إنها قوة لا تحتاج إلى ضجيج، ولا تفرض نفسها بالقوة، وإنما تنتشر بالعلم والكلمة والقدوة.

ومصر التي عرفت الأزهر، وعرفت مدارس العلم، وعرفت العلماء الذين حملوا الرسالة عبر الأجيال، تستطيع أن تواصل هذا الدور في عالم شديد التغير، بشرط أن تظل الدعوة مرتبطة بالعلم، وأن يظل الداعية قريبًا من الناس، وأن يظل الخطاب الديني قادرًا على فهم قضايا العصر، وأن تستمر المؤسسات الدينية في تطوير أدواتها مع الحفاظ على أصولها وثوابتها.

إن حمل مشاعل النور على الأرض ليس تعبيرًا أدبيًا فقط، وإنما هو وصف لمسؤولية حقيقية؛ فالنور هنا هو العلم، وهو الرحمة، وهو الأخلاق، وهو العقل، وهو الوسطية، وهو القدرة على أن تجعل الإنسان أقرب إلى الخير وأبعد عن الكراهية والعنف والجهل.

ولذلك فإن كل إمام مخلص، وكل واعظ أمين، وكل واعظة تحمل العلم والرحمة، وكل عالم يشرح للناس دينهم بعقل وحكمة، إنما يشارك في حمل هذا المشعل.

قد لا يعرف الناس أسماءهم جميعًا، وقد لا تظهر صورهم في وسائل الإعلام، وقد يعمل بعضهم في مساجد صغيرة وقرى بعيدة، لكن أثر الكلمة الصادقة لا يحتاج دائمًا إلى شهرة، لأن الإنسان الذي تغيرت حياته بسبب نصيحة صادقة يصبح شاهدًا على قيمة تلك الرسالة.

وهكذا تظل مصر، بأزهرها وعلمائها ودعاتها ووعاظها وواعظاتها، جزءًا أصيلًا من حركة العلم والدعوة في العالم الإسلامي، تحمل مشاعل النور من جيل إلى جيل، وتؤكد أن قوة الكلمة حين تجتمع مع العلم والأخلاق والرحمة تستطيع أن تعبر الحدود، وأن تصل إلى القلوب، وأن تبني الإنسان قبل أن تبني المكان.

فالدعوة إلى الله ليست مجرد وظيفة، والمنبر ليس مجرد مكان، والعمامة ليست مجرد مظهر، والكلمة الدينية ليست كلمات عابرة؛ إنها أمانة ومسؤولية ورسالة.

وحين يجتمع العلم مع الحكمة، والرحمة مع الحزم، والوسطية مع الثبات، والصدق مع حسن الخلق، يصبح الداعية بحق حاملًا لمشعل من مشاعل النور، ويصبح المسجد مدرسة للإنسان قبل أن يكون مكانًا للصلاة.

وهؤلاء هم سلاطين الدعوة إلى الله، سلطانهم العلم، وسلاحهم الكلمة الطيبة، وطريقهم الحكمة والموعظة الحسنة، وغايتهم أن يبقى الإنسان قريبًا من ربه، محبًا لوطنه، نافعًا لمجتمعه، رحيمًا بالناس، قادرًا على أن يحمل هو الآخر مشعل النور إلى من حوله.