سلسلة في كتاب : الفيض السني في الصلاة على سيدنا النبي ﷺ للشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه

بقلم الشيخ : حسن حفني باحث
وكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

المقال الأول: قبل أن يبدأ الكتاب… كيف عرّف الشيخ فراج مهمته؟

ليست كل مقدمةٍ مقدمةً للكتاب وحده؛ فبعض المقدمات تكشف للقارئ طريقة صاحبها في النظر إلى العلم، ومقدار حضوره أمام ما يكتب، والحد الفاصل الذي أقامه بين ما ينقله وما ينسبه إلى نفسه. ومن هذه الزاوية تبدو مقدمة سيدي الشيخ فراج يعقوب في كتابه «إن الفيض السني في الصلاة على سيدنا النبي ﷺ» أوسع من كونها تمهيدًا لموضوع الكتاب؛ لأنها تضع منذ السطر الأول ميزانًا ينبغي أن نقرأ به الصفحات التي بعدها.

يفتتح الشيخ كلامه بالحمد لله على نعمة النبوة والاتباع، ثم يجعل الصلاة على النبي ﷺ في موضعها من العبادة، فيربطها بأمر الله سبحانه، وبمحبة من عظّم الله شأنه ورفع مكانته. ثم ينتقل من أصل المعنى إلى غرضه من التأليف، فيقول إنه أحب أن يذكر بعض بيان معاني الصلاة على النبي ﷺ وفضائلها ومواطنها، وأن يضم إلى ذلك شيئًا مما وجده في عبارات المحبين والعارفين، وما عبّروا به عن محبتهم لسيد الخلائق ﷺ.

وهنا تظهر أول دلالة تستحق الوقوف عندها: الشيخ لم يقدم كتابه باعتباره بابًا لإثبات فضل الصلاة على النبي ﷺ فحسب، وإنما وسّع دائرة النظر لتشمل المعنى والموطن والعبارة؛ فالصلاة عنده ليست لفظًا منفصلًا عن حال صاحبه، ولا نصًا مجردًا عن المقام الذي قيل فيه، ولذلك جمع في كتابه بين بيان المعاني، وذكر المواطن، ونقل الصيغ التي جرت على ألسنة أهل المحبة.

وهذا يفسر لنا شيئًا مهمًا في بناء «الفيض السني»: فالكتاب ليس مجموعة صلوات جُمعت في صفحات متجاورة، وإنما محاولة لجمع مادة واسعة تدور حول الصلاة على النبي ﷺ، ثم ترتيبها بحيث يجد القارئ أمامه أبوابًا متعددة للمحبة والصلاة والذكر.

لكن العبارة الأشد دلالة في المقدمة ربما جاءت بعد ذلك، عندما قال الشيخ:
«وليس لي من عمل يذكر في هذه الصفحات إلا الجمع والترتيب».

قد تبدو الجملة لأول وهلة عبارة تواضع عابرة، لكنها عند قراءة الكتاب كله تصبح مفتاحًا لفهم شخصية المؤلف وطبيعة صلته بالمادة التي بين يديه.

فالشيخ هنا لا يضع نفسه صاحبًا لكل ما في الكتاب، ولا يطلب من القارئ أن يخلط بين الصيغة التي نقلها وبين رأيه الشخصي، بل يحدد مهمته تحديدًا واضحًا: جمع المادة وترتيبها. وهذه العبارة تمنحنا معيارًا مهمًا عند قراءة الصفحات التالية؛ فما كان منقولًا ينبغي أن يبقى منسوبًا إلى صاحبه، وما كان من كلام الشيخ ينبغي أن يُقرأ في سياقه، وما كان من تجربة أو عبارة وجدانية لا ينبغي أن يُرفع إلى مرتبة الحديث النبوي لمجرد وروده في كتابه.

ثم تأتي الجملة التي تكمل هذا المعنى:

 «فإن يكن من خطأ وزلل فذلك مني وأما الصواب فمن فيض الكريم الوهاب».

وهنا لا يعود التواضع مجرد أسلوب أدبي، بل يتحول إلى أدب مع العلم؛ إذ يجعل الشيخ الخطأ من جهته، ولا يجعل الصواب ملكًا لنفسه.

وهذه الروح مهمة جدًا في قراءة كتاب من هذا النوع؛ لأن الكتاب يضم الحديث والآية والصيغة والدعاء والقول المنقول والعبارة التي جرت على ألسنة أهل المحبة، وهذه المواد ليست في مرتبة واحدة من جهة المصدر والقوة والدلالة. ولذلك فإن القارئ المتأني لا يتعامل معها كلها بطريقة واحدة، ولا يجعل اجتماعها في كتاب واحد دليلًا على اتحاد درجتها.

واللافت أيضًا أن الشيخ لم يجعل غايته محصورة في عرض المعلومات، بل ختم غرضه بالدعاء أن ينفع كتابه «كل محب صادق ومغرم عاشق لسيد الخلائق»، ثم سمّى مجموعته: «إن الفيض السني في الصلاة على سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم»، وختم العبارة بقوله: «فكل من يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ينال الفيض السني».

وهنا تتضح العلاقة بين اسم الكتاب ومقصده؛ فالفيض في تصور الشيخ ليس عنوانًا زخرفيًا اختاره للكتاب، وإنما هو المعنى الذي أراد أن يظل حاضرًا فوق كل صفحة: أن الصلاة على النبي ﷺ ليست مجرد مادة للقراءة، وإنما عبادة يتوجه بها العبد إلى الله، وتنبني حولها معاني المحبة والتعظيم والاقتداء.

ومن أجمل ما تكشفه المقدمة أن الشيخ جمع بين أمرين قد يبدوان متباعدين: التواضع أمام المادة، والمحبة في اختيارها. فهو لا يدعي لنفسه إنشاء كل ما جمع، لكنه في الوقت نفسه لا يجمع جمعًا باردًا خاليًا من المقصد؛ بل يصرح أن الذي دفعه إلى الكتاب هو المحبة، وأن الذي يرجوه منه هو النفع.

وهذا يفسر عنوانًا آخر داخل المقدمة نفسها: «الفقير»؛ فقد ختم باسمه:

الفقير.. فراج محمود محمد يعقوب.

ليست هذه الكلمة هامشًا بجوار الاسم؛ فهي جزء من الطريقة التي قدم بها الرجل نفسه إلى القارئ: صاحب مادة واسعة، لكنه لا يدخل إليها من باب الامتلاك، وإنما من باب الفقر إلى الله، والمحبة لرسوله ﷺ، وخدمة ما رآه نافعًا للمحبين.

ومن هنا تصبح المقدمة وثيقة أساسية لفهم الكتاب قبل الدخول في أبوابه؛ لأنها أخبرتنا منذ البداية لماذا كُتب، وكيف أراد صاحبه أن يُقرأ، وما الذي نسبه إلى نفسه وما الذي أبقاه لأصحابه.

ولذلك فإن قراءة «الفيض السني» لا يصح أن تبدأ من كثرة الصلوات والصيغ التي ستأتي في صفحاته، بل من هذه العتبة الصغيرة التي وضعها الشيخ في أول الكتاب؛ ففيها يسلّمك مفتاحًا مهمًا: اقرأ المادة، واعرف صاحبها، وفرّق بين المنقول والمختار، ثم انظر ماذا أراد الجامع أن يضعه أمامك.

وهذه هي النقطة التي سنحتاج إليها ونحن نمضي في بقية الكتاب؛ لأن «الفيض السني» لا يعرض مادة واحدة المصدر ولا من جنس واحد، وإنما يضم طبقات متعددة من النصوص والمعاني، وكل طبقة منها تحتاج إلى أن تُقرأ بميزانها، لا بميزان غيرها.

وهنا يبدأ السؤال الذي ستكشف عنه الصفحات التالية:

إذا كان الشيخ فراج قد قال إن عمله هو الجمع والترتيب، فكيف جمع؟ وماذا اختار؟ وكيف رتّب؟ وما الذي يكشفه ترتيب الكتاب نفسه عن نظرته إلى الصلاة على سيدنا النبي ﷺ؟

ومن هذا السؤال تبدأ قراءتنا للكتاب.