مخموم القلب.. سيد الناس

بقلم: أ .د سعد عبد المعطي
أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية

في زمنٍ ضجّت فيه القلوب بالصراخ الصامت، وازدحمت الصدور بضغائن التنافس، وامتلأت بعض القلوب بالأحقاد والأمراض يظلّ السؤال الخالد الذي يتردد على شفاه السائلين: من هو أفضل الناس؟ ومَن الذي يتربع على عرش الخيرية عند الله عز وجل؟

لقد حسم النبي ﷺ الجواب بيقينٍ يريح الأرواح، حين سُئل هذا السؤال فأجاب بواحدة من جوامع كلمه؛ ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله ﷺ: أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: «كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ»، قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مخمومُ القلبِ؟ قال: «هو التَّقيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيهِ ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ» صحيح ابن ماجه، [3416]

ففي هذا النص النبوي الشريف صياغة لأعظم وثيقة في بناء الإنسان السوي، وتأسيس لمنهج التميز والتحلي بأجَلّ الصفات، وأعظم الأخلاق وهي بلا شك من أعظم أسباب دخول الجنة.

كنس الخطايا وطهارة الباطن

إن كلمة “مخموم” في لغة العرب مشتقة من “خَمَمْتُ البيت” أي كنسته ونظفته. ومن هنا، فإن مخموم القلب هو ذلك الإنسان الذي لا يملّ من كنس باطنه وتطهيره، وتنظيفه، وتزكية نفسه لتظل نفسه مطمئنةً، وقلبه نظيفاً خالياً من سيئ الأخلاق وموجبات الآثام.

إن هذا التجرد الصادق يُثمر “القلب السليم”، وهو أعظم ما يأتي به العبد يوم القيامة قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].

ولم يتركنا النبي ﷺ نتلمس هذا الطهر، وهذا النقاء في دروب الظنون والأوهام، بل فسر طهارة الباطن بأدق الأوصاف، ورسم لنا ملامح هذه الشخصية العظيمة في أركان راقية وصفات سامية:

1- التَّقيُّ النَّقيُّ

هو الذي يخاف الله في سرِّه وعلانيته، ويراقبه في كلِّ أقواله أعمالِه، ويحرص على صفاء باطنه أكثر من حرصه على نظافة ظاهره مما يجعله مستحقاً لمعية الله وتوفيقه وهدايته، ورعايته قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].

إنه القلب الطاهر النقي الذي صفا فصار كمرآة مجلوّة لا يعلق بها كدر الدنيا من أكدار الدنيا.

2- لا إثمَ فيهِ ولا بَغْيَ

قلبٌ طاهرٌ نقىٌ نظيف محفوظ من الله محروس بعناية الله، بريء من العِصيان، ونزّه نفسه عن الظلم والطغيان، والتطاول على حقوق العباد؛ لأن البغي عاقبته وخيمة في الدنيا وأليمةٌ في الآخرة، كما حذر الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 23].

3- لا غِلَّ ولا حَسَدَ

سليم الصدر تجاه إخوانه، لا يجد في نفسه غيظاً على مسلم، ولا يتمنى زوال نعمة عن أحد، بل يتمثل دعاء المؤمنين الأطهار الأبرار الذين يرجون مغفرة الغفار كما خلّده القرآن: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].

وقد حذر النبي ﷺ من هذه الأمراض من الحسد والحقد والغل والكبر الذي أفسد طهارة الباطن؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخلُ الجنةَ مَن كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبرٍ» صحيح مسلم، [91].

ترجمان القلب الصادق

ولا تتحقق قيمة هذا البناء الإنساني الفريد إلا بوجود صدوق اللسان؛ فاللسان هو الغرّاف الذي يغرف من قِدْر القلب، فإذا كان القلب مخموماً تقياً، نَضَح اللسان بالصدق والخير، وابتعد عن الفحش والخديعة والزور، وقد أمر الله المؤمنين بلزوم هذا المنهج القويم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

فصلاح اللسان علامةٌ طرديةٌ على صلاح الباطن كله، كما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» [مسند أحمد، [13048].

طريقك إلى السيادة والجنة

إن السيادة الحقيقية والخيرية المطلقة ليست بكثرة المظاهر الخداعة، ولا بعلو المناصب الفزاعة، بل بـ سلامة القلب وصِدق اللِّسان. هؤلاء العظماء، الذين يمشون على الأرض هوناً، وتبيت صدورهم نقيّة، لا يبيتون على ضغينة وحقد، ولا يستيقظون على مكر وخديعة أصحاب القلوب السليمة.

إن الاهتمام بالقلب هو أصل الدين؛ لأن الله تعالى ينظر إلى هذا الباطن ويحاسب عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم» صحيح مسلم، [2564].

فطوبى لمن فتش في زوايا قلبه، وحمل مكنسة التقوى ليطهر باطنه، وطوبى لمن لزم الصدق حتى كُتب عند الله صديقاً. إنهم باختصار: أفضل الناس.