الرسوب في المعاملات  لماذا رسب المفلسون في الإختبار ؟

بقلم : د/ مدحت عــلي أحمد وِربي …. من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية.

والجواب:

بسبب المعاملات إنها خسارة كبيرة للمفلسين يوم القيامة ؛ حيث أنهم نجحوا في العبادات ولكنهم رسبوا في المعاملات ،فيؤخذ من حسناتهم وتعطى إلى كل من سبوه أو شتموه أو اغتبابوه أو.. أو.. ولا يقف الأمر عند هذا بل يؤخذ من سيئاتهم وتضاف إليك ، ثم يطرح في النار!!! يا لها من خسارة في ذلك الموقف العظيم! قال تعالي :”يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (6).

هؤلاء هم المفلسون الحقيقيون وإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال:أتدرون ما المفلس؟، الاستفهام هنا للاستعلام الذي يراد به الإخبار وهذا نص الحديث برواية الإمام مسلم .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (مسلم (8/ 1859 – (2581).

جواب الصحابة عن الملفس : قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ ؛ أي: إن المفلس يعني الفقير.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ” أي: يأتي بحسنات عظيم ؛ لدية ثروة من الحسنات كثيرة وكبيرة ، لكنها ضيعها بظلمه لغيره ؛ اعتدى على الناس بأنواع الاعتداء، والناس يريدون أخذَ حقِّهم، ما لا يأخذونه في الدنيا يأخذونه في الآخرة، فيُقتص لهم منه؛ فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، بالعدل والقصاص بالحق، فإنْ فنيتْ حسناته أُخِذ من سيئاتهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار.

الإفلاس كلَّ الإفلاس أن يُفلِس الإنسان من حسناته التي تَعِبَ عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها، ثم تؤخذ منه لفلان وفلان ؛ ولذا قال الله تعالي :”مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)( الأنعام :160) .

وتأمل لفظ ” جاء ” ولم يقل عمل لأن المفلس عمل ،ولكنه ضيعها ولم يحافظ عليها وفي هذا تحذيرٌ من العُدْوان على الخلق.

إذاً المُفلِس قد رسب بسبب (المعاملات)لا بسبب (العبادات)

فقد وصَفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المُفلس بأنه :- يأتي يوم القيامة بـ:” يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ” وكلها عبادات وبرغم هذا فإن المفلس قد نال درجة النجاح في إمتحان العبادات !!

لكنه قد رسب في “المعاملات”

وتأمل بقية الحديث: “وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا ..” تأمل جيدا يأتي وقد: شتم هذا (معاملات)وأكل مال هذا (معاملات) ،وضرب هذا (معاملات).

وفي ختام الحديث كانت النتيجة ؛ هي الرسوب “فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”

النتيجة النهائية: رسوب و طُرِحَ فِي النَّارِ ، و في المقابل تجد أن صاحب حسُنَ الخُلُق -معاملات- ؛ تجده قد بلغ درجة الصائم القائم -عبادات- بحُسن خُلُقِه ، كما جاء عَنْ أمنا عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ” إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ ” «مسند أحمد» (41/ 145 /24595 ).

الشعائرأوالعبادات لا تستقيم بدون حسن الخلق ، وتلك الشعائر إذا لم تُثمر أخلاقاً فاضلة فعلى المرء أن يراجع نفسه في عباداته ، وقد ربط القرآن الكريم والسنة بين العبادات والأخلاق غهما لا يفترقان .

أولا : الصلاة:

قال تعالي : ” اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) (العنكبوت :45).فإقامة الصلاة أثمرت خلق الأمر بالنمعروف والنهي عن المنكر .

ثانيا:الزكاة: قال تعالي:”خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)(التوبة :103). تطهرهم وتزكيهم بها أثمرت خلق :طهارة النفس وتزكيتها .

ثالثا : الصيام:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.» «صحيح البخاري» (3/ 26/1903)،فالعبرة ليست بالجوع والعطش بل بما ينتج من حسن الخُلُق!

رابعا: الحج:

قال الله تعالي :”الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197)(البقرة:197). فكل العبادات أثمرت خُلُقاً حسناً وسلوكاً قويما ..

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»«مسند الشهاب القضاعي» (2/ 192/1165).

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: “إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبِّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ أَحَبِّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ”» «صحيح الكتب التسعة وزوائده» (ص999).«7195 – 3671).

قصة حقيقية واقعية يقول صاحبها : نجحت فى العلوم و سقطت فى – في اختبارالقلة- كنت شابا أحلم دائماً بمستقبل باهر مشرق أجمع فيه بين المال و الجاه والسلطة والعلم .

وقد وجد الطريق فى العلم فأقبلت عليه بهمة؛حتى وصل قمة الهرم العلمى بحصولي على الإجازة العالمية ( الدكتوراه ) فى العلوم الشرعية وفي تخصص و فرع دقيق منها وهو الفقه المقارن .

وفي يوم قرأت إعلاناً فى إحدى الصحف المحلية أن إحدى الدول الخليجية تطلب أساتذة فى الفقه المقارن تنطبق شروطها علي تماما و كأنها تعنيه هو .

يقول الأستاذ الدكتور :فخرجت في أبهى حلة و انطلقت مسرعاً إلى السفارة متفائلاً ومبتهجاً ؛وهناك فى السفارة ادخلوني على اللجنة العلمية ؛ لاختيار اللائقين من المتقدمين للوظائف المطلوبة الذين وقد استقبلوني بحفاوة شديدة و رحبوا بي أبلغ ترحيب ،فقدمت لهم أوراق ترشحي والسيرة الذاتية والعلمية.

فانبهروا بها وجعلتهم يعظمون من شأني و بدأوا معي الأسئلة الشفهية والمناقشات العلمية وكانت إجاباتي موفقة بفضل الله ودقيقة وبليغة و بارعة ؛ فزادتهم إنبهارا بعلمي وفقهي وفهمي وذكائي وفطنتي، وقد حصلت على الدرجة النهائية فى جميع الفروع (القرآن ووالتفسيرو علوم القرآن والحديث وعلوم الحديث والفقه وأصوله )

و بدأ فى تلقي التهنئة بالنجاح والقبول من أعضاء اللجنة بإجماع اللجنة العلمية وجميع الحضور.

غير أني أحسست بالعطش الشديد بعد هذه المناقشات الحامية فطلبت الماء ، فأشار لي أحد أعضاء اللجنة إلى (قلة ماء) فانطلقت نحوها فشربت منها ثم عدت إلى رئيس اللجنة أسأله : متى سيكون السفر إن شاء الله؟

وكانت المفاجأة ، وأجابه الشيخ : لا سفر لك .

اندهش الأستاذ الدكتورالفقيه قائلا : وكيف ذلك ؟! ألم تخبرني منذ قليل أنني نحجت و قبلت؟!

فقال : بلى ؛ لكنك قد نجحت فى الاختبار النظري الشفهي لكنك رسبت فى الامتحان العملي .

فتعجب الأستاذ الدكتور الفقيه و زادت دهشته و قال : لكنى لم أمتحن عملياً !

فأجابه رئيس اللجنة : بل امتحنت عملياً و رسبت .

الأستاذ الدكتور الفقيه : متى ؟! وكيف ؟!

قال رئيس اللجنة:عندما تقدمت لتشرب الماء نظرت إليك فرأيتك تناولت -القلة- بشمالك ،و لم تسم الله تعالي قبل الشرب، ولم تجلس لتشرب كما في السنة ، ولم تشرب ثلاثاً ، و لم تحمد الله بعدها ،فعلمت أنك لا تعمل بعلمك و أنك من الذين يقولون ما لا يفعلون .

والنتيجة النهاية :هي الإفلاس العملي ، فلا حاجة لنا بك ومعلوماتك لأننا نريد لأبنائنا قدوة يقتدون به فى عمله قبل أن يأخذوا عنه علمه.

فكان إذا سئل الأستاذ الدكتور الفقيه عن نتيجته المقابلة تلك قال : نجحت فى جميع العلوم الشرعية و سقطت فى -القلة- وأصبحت مفلسا من العمل برغم كثرة العلوم والمعلومات!

فكم منا يعلم الكثيروالكثير من العلوم و لا يعمل به !! وكم من مصلي وصائم وحاج ومزكي ولكنه مفلس فاحذروا من الفلس والمفلسين .

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال ، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء.

اللهم صلِّ على نبينا محمدٍٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم .