حين يكون الإمساك إحسانًا فقه الصدقة، وحفظ حق المحتاج

بقلم : د. ميرنا يونس

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد …
فهل يجب على المتصدق التحري أولًا بأن المتصدق عليه فقيرًا أو يستحق الصدقة؟
وهل تجزئ إعطاء الصدقة لمتسولين يحترفون الشحاذة؟

إن أصل التَّسَوُّل في اللغة: استرخاء البطن، ويُطلَق التسَوُّل ويراد به: طلب الصدقة مِن الناس، وهو ما يُسمَّى بالشحاذة…

وتظهر أهمية التحري ولو بالظن
في بعض الأشخاص والأماكن التي أصبح التسول فيها حرفة يتكسب منها أصحابها، بل مهنة تُمتهن ويُساق إليها الأطفال لتعلمها من صغرهم،
ولا شك أن التحري هذا من باب ردعهم، وعدم تحريضهم على المزيد من السؤال والشحاذة، فلا يعطى لئلا يعان على أكل أموال الناس بغير حق، قال الله ﷻ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ}

وأما إذا لم يُعلم فقره من غناه، وصدقه من كذبه، فيكون الحال أولًا: بالنسبة للسائل(المتصدق عليه):
يكون الأصل فيه أن سؤال الناس من غير حاجة أو ضرورة داعية مذمومٌ في الشرع؛ فليست خطورة الصدقة فيمن يعطيها، أكثر منها فيمن يمد يده إليها بغير حق؛
وقد شدد النبي ﷺ في التحذير ممن يسأل المال وهو يعلم أنه غير مستحق له، لما في ذلك من أكل المال بالباطل…
ولا يختلف الأمر إن كان السؤال من أموال الناس بالتسول، أو من المال العام الذي جعلته الدولة عونًا للمحتاجين _ وهي من أهم المسائل في الباب _
فالصدقة أمانة، ومن طلبها بغير استحقاق لم يأخذ مالا فحسب، بل حمل وزر التعدي على حق من جعله الله أولى بها؛ لأنه يتضمن المذلة والمهانة للمسلم، وهو مما يُنَزِّهُه عنهما الشرع الشريف…
وقد قال النبي ﷺ (ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ)
وكذلك قوله ﷺ (لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ)

وبالغ الدلالة فيه كذلك قوله ﷺ (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ).

وثانيًا: حال المعطي (المُتصدق):
فصدقة التطوع بابها واسع، تختلف عن الصدقة الواجبة (الزكاة) فهي للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وابن السبيل وفي سبيل الله، فهي ثمان أصناف عدهم الله ﷻ، وجب التحري فيهم؛ ولا يجوز الخروج عنهم بخلاف صدقة التطوع؛ فإن أعطى السائلَ ظانه فقيراً، فله الأجر _ إن شاء الله _ على صدقته؛ لما ورد عن النبي ﷺ في قوله لمن أخذ صدقة والده (لَكَ مَا نَوَيتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذتَ يَا مَعنُ)…

وفي ذلك يقول الإمام النووي في المجموع: “تَحِلُّ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِلْأَغْنِيَاءِ بِلَا خِلَافٍ، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ وَيُثَابُ دَافِعُهَا عَلَيْهَا، وَلَكِنَّ الْمُحْتَاجَ أَفْضَلُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْغَنِيِّ التَّنَزُّهُ عَنْهَا، وَيُكْرَهُ التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا… ” اهـ.

ويقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: “فيه أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قُبلت صدقته ولو لم تقع في موقعها وقال العيني: هذا في صدقة التطوع، فالله يجزيه على نيّته…”

وعليه،،
ـ فالأمر إليك؛ إن أعطيت فلك أجر الصدقة بإذن الله، وإن أمسكت فلا حرج عليك،
والأولى أن تتحرى موضعها، وتلتمس بها من غلب على ظنك حاجته واستحقاقه.
ـ أما من غلب على ظنك أنه قد تمرس بسؤال الناس واتخذه حرفة، فالأولى ألا تعطيه؛ حتى لا تكون يدك عونًا له على الإثم، ولا سببًا في أن يستمرئ المسألة ويتمادى فيها، ويكفي رده بكلمة طيبة، قال الله ﷻ: “……وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”
فالصدقة باب من أبواب الخير، وحسنها أن تبلغ مستحقها، وأن تكون إعانة على العفاف لا تشجيعًا على السؤال.

واغننا اللهم بحلالك عن حرامك، وأبعد عنا الحرام وأهله، وبارك لنا فيما رزقتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.