الشيخ دليلٌ ومربٍّ، والله هو الهادي والمعين
21 أغسطس، 2026
منهج الصوفية

بقلم الشيخ حسن حفني باحث وكاتب
في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان
ألفية التوحيد في علم التصوف الإسلامي :
قد يسأل المريد في أول الطريق: إذا كان الله سبحانه وتعالى هو الهادي والمعين، وإذا كان العبد يستطيع أن يدعو ربه في كل وقت، فلماذا يحتاج إلى شيخ يعلّمه ويرشده؟ وهل طلب التربية من إنسان ينافي كمال التوحيد والتوكل؟
هذا السؤال يبدو في ظاهره اعتراضًا على الصحبة، لكنه في حقيقته يحتاج أولًا إلى التمييز بين من يملك الهداية، ومن يدل عليها؛ وبين من يُعبد، ومن يُنتفع بعلمه؛ وبين السبب، ومَن خلق السبب وأجرى أثره.
فالخلط بين هذه المراتب هو الذي يجعل بعض الناس يرون في وجود المربي منافسةً للتوحيد، بينما يرى آخرون في الشيخ ما لا يجوز أن يُنسب إلا إلى الله.
والحق بين الغلو والإنكار.
قال الله تعالى:
﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾
[النحل: 43]
والآية في سياقها تتحدث عن سؤال أهل الذكر عن الرسل، وليست نصًّا خاصًّا في مشيخة التصوف، ولا يصح أن نحملها ما لا تحتمل. لكن فيها أصلًا ظاهرًا: أن من جهل أمرًا يرجع فيه إلى من عُرف بالعلم به.
وهذا الأصل لا يحتاج إلى تكلف؛ فالإنسان لا يستغني عن أهل الاختصاص في شيء من شؤون حياته. فإذا مرض سأل الطبيب، وإذا جهل حكمًا سأل العالم، وإذا أراد تعلم علمٍ رجع إلى أهله. ولم يقل أحد إن سؤال الطبيب ينافي التوكل، أو إن سؤال العالم ينافي الاعتماد على الله؛ لأن الأخذ بالسبب شيء، واعتقاد استقلال السبب شيء آخر.
وهنا تبدأ المسألة الصوفية من موضعها الصحيح.
فالإنسان قد يقرأ في تزكية النفس، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يقرأ نفسه.
قد يظن أنه مخلص، وفي نفسه طلب خفي للثناء. وقد يظن أنه متواضع، وهو في الحقيقة ضعيف عن مواجهة الحق. وقد يظن أنه متوكل، وهو تارك للأسباب. وقد يشتغل بإصلاح الناس لأنه لم يتعلم بعد كيف يقف أمام عيوب نفسه.
ولهذا كانت التربية أعمق من مجرد نقل المعلومات؛ لأنها تتعامل مع إنسانٍ قد يكون أعلم الناس بالكلام وأبعدهم عن حقيقة ما يقول.
ومن هنا تأتي قيمة المربي.
ليس لأنه يملك سر الهداية، ولا لأنه واسطة بين العبد وربه، ولا لأنه يملك للناس نفعًا أو ضرًّا استقلالًا؛ وإنما لأنه يعلم ويجرب وينبه ويصحح، وقد يرى من آفات النفس ما لا يراه صاحبها، فيضع يده على موضع الخلل ويعين السالك على مجاهدته.
وهنا يجب أن يدخل التوحيد قبل أن يدخل اسم الشيخ.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾
[القصص: 56]
فالهداية التي يملكها الله سبحانه وتعالى هي هداية التوفيق والإيصال، وهي من خصائص ربوبيته، لا يملكها نبي ولا ولي استقلالًا.
أما التعليم والدلالة والإرشاد فهي أبواب أخرى جعل الله لها أسبابًا.
ولهذا لا تناقض بين أن نقول:
الله هو الهادي، والشيخ دليل.
فالدليل لا يصنع الطريق، وإنما يكشف معالمه للسائر.
والطبيب لا يخلق الشفاء، لكنه يعرف أسباب العلاج.
والمعلم لا يخلق العلم في قلب الطالب، لكنه يفتح له أبوابه.
والشيخ لا يخلق الهداية في قلب المريد، لكنه يعينه على السير في أسبابها.
وهنا يكمن الفرق الذي ينبغي ألا يضيع:
من جعل الشيخ فاعلًا مستقلًا فقد أخطأ في التوحيد، ومن أنكر وظيفة الشيخ لمجرد أن الله هو الهادي فقد خلط بين الهداية والدلالة.
المربي لا يعيش عن المريد
المريد لا يحتاج إلى شيخ يقوم بالعبادة عنه، وإنما يحتاج إلى من يعينه على أن يقوم بعبادته على بصيرة.
فالشيخ لا يصلي بدل المريد، ولا يتوب عنه، ولا يجاهد نفسه عنه، ولا يحمل عنه تكليفه.
إنما يعلمه كيف يصلي بقلبه، وكيف يتوب بصدق، وكيف يراقب نفسه، وكيف يميز بين وارد الحق ونزغات النفس.
وهذه هي التربية التي تستحق اسمها: أن تنقل الإنسان من الاعتماد على الأشخاص إلى حسن القيام بالعبودية.
فإن خرج المريد من صحبة شيخه أكثر تعلقًا بشخصه وأقل قيامًا بأمر الله، فقد فاته مقصد التربية.
أما إذا خرج أكثر علمًا، وأشد استقامة، وأصدق مع الله، وأرحم بالخلق، وأعرف بعيوب نفسه؛ فقد أثمرت الصحبة ثمرتها.
ابن عطاء الله السكندري رحمه الله يضع الميزان
ولهذا جاءت حكمة الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله دقيقةً في وصف الصحبة الصالحة:
> «لا تَصْحَبْ مَنْ لا يُنْهِضُكَ حالُهُ، وَلا يَدُلُّكَ عَلَى اللهِ مَقالُهُ.»
لم يقل: اصحب من يكثر أتباعه.
ولم يقل: اصحب من تُروى عنه العجائب.
ولم يجعل الشهرة ميزانًا.
بل جعل المعيار أمرين: حالٌ ينهضك، ومقالٌ يدلك على الله.
وهذا هو جوهر التربية.
فالحال الصالح يوقظ الهمة، والكلمة الصادقة تفتح بصيرة القلب. لكن كلاهما يجب أن يقود إلى الله، لا إلى تعظيم الشخص لذاته.
ولهذا فإن أعظم علامة في المربي أن تكون صحبته مُذَكِّرة بالله لا صارفَةً عنه، ومُعينةً على الطاعة لا بديلًا عنها، وموقظةً للقلب لا مستعبدةً له.
كيف نعرف المربي الصادق؟
لا يُعرف المربي بكثرة ما يُقال عنه، بل بما يظهر من أثره.
العلم أولًا، لأن الجهل لا يصنع تربية.
والاستقامة ثانيًا، لأن من لم يضبط نفسه لا يحسن قيادة غيره.
والاتباع ثالثًا، لأن الطريق إلى الله لا يُبنى على مخالفة هدي سيدنا محمد ﷺ.
والخلق رابعًا، لأن القلوب لا تُربّى بالغلظة والاستعلاء.
ثم تأتي الثمرة: ماذا يصنع هذا الرجل فيمن يصحبه؟
إن كان يربيهم على الصلاة، والصدق، والأمانة، والتواضع، ومحاسبة النفس، وتعظيم الكتاب والسنة، ورحمة الخلق؛ فهذه آثار تُنظر.
أما إن كان يصنع أتباعًا لشخصه، ويجعل الولاء له فوق الحق، ويطلب تعطيل العقول، ويهوّن شأن الشريعة، فهنا لم تعد المسألة تربيةً، وإنما خرجت عن حدها.
الصحبة لا تعني إلغاء العقل
ومن الخطأ أن يُتصور المريد وكأنه مطالب بتعطيل عقله حتى يكون صادقًا في صحبته.
الإسلام لم يطلب من الإنسان أن يلغي بصيرته، والتصوف الصحيح لا يحتاج إلى ذلك.
فالشيخ يُحترم، ويُنتفع بعلمه، ويُؤخذ عنه ما وافق الحق، لكن لا يُجعل كلامه فوق الكتاب والسنة.
فالمحبة لا تعني العصمة، والأدب لا يعني إبطال العقل، والتسليم في التربية لا يعني التسليم في العقيدة.
وكلما صحّ الشيخ، كان أشد حرصًا على أن يرد المريد إلى الدليل، لا أن يجعل نفسه دليلًا مستقلًا.
أخطر ما في الطريق أن يتوقف السالك عند الدليل
قد يبدأ الأمر صحيحًا: مريد يبحث عمن يعلمه، ثم يجد شيخًا يعينه، ثم تتحول الصحبة شيئًا فشيئًا إلى تعلق بالشخص.
وهنا تبدأ المشكلة.
فبدل أن يقول المريد: دلني على الله، يصبح همه: ماذا قال الشيخ؟
وبدل أن يسأل: هل هذا حق؟ يصبح سؤاله: هل هذا من قول شيخي؟
وبدل أن تكون محبته للشيخ طريقًا إلى الأدب مع الله، تصبح محبته معيارًا للحق والباطل.
وهذا هو الموضع الذي يجب أن يتوقف فيه السالك؛ لأن الشيخ مهما علا مقامه عبدٌ لله، وليس ربًّا للمريد.
ومن أجمل ما يمكن أن يسأل به المريد نفسه:
هل زادتني صحبة الشيخ قربًا من الله، أم زادتني تعلقًا بالشيخ؟
هذا السؤال وحده قد يكشف الكثير.
مقام الشيخ ومقام الرب
الله سبحانه وتعالى هو الرب والمعبود والمالك والهادي.
وسيدنا محمد ﷺ هو رسول الله ونبيه وأسوتنا ومعلّمنا.
والشيخ المربي عبد من عباد الله، يُنتفع بعلمه وخبرته، ويُحترم لصلاحه، ويُقتدى به فيما وافق الشرع.
والمريد عبد لله، لا يسقط عنه التكليف، ولا تنتقل عبوديته إلى غير الله.
فإذا عرفت القلوب هذه المراتب، استقامت المحبة، واستقامت الصحبة، واستقام التوحيد.
أما إذا اختلطت المراتب، بدأ الغلو من حيث لا يشعر صاحبه.
إلى المريد الذي يبحث عن شيخ
لا تبحث عن شيخٍ يجعلك أسيرًا لشخصه، بل عن مربٍّ يعينك على تحرير نفسك من سلطان هواها.
لا تجعل كثرة الأتباع دليلًا، ولا الشهرة برهانًا، ولا الحكايات ميزانًا.
انظر إلى علمه، واستقامته، وأدبه، واتباعه، وأثره فيمن حوله.
فإن كانت صحبته تجعلك أكثر محافظة على الفرائض، وأصدق في التوبة، وأرحم بالخلق، وأشد تعظيمًا لسيدنا محمد ﷺ، وأعرف بعيوب نفسك؛ فهذه ثمرة تربية ينبغي أن تُقدّر.
أما إن جعلتك الصحبة أكثر تعصبًا للشخص وأقل إنصافًا للحق، فراجع قلبك قبل أن تراجع غيرك.
ولا تستحِ أن تقول: لا أعلم.
فربما كانت كلمة «لا أعلم» أول خطوة في طريق العلم، وربما كان اعترافك بحاجتك إلى من يعلم هو بداية خروجك من غرور النفس.
لكن اسأل أهل المعرفة، ولا تجعل أحدًا فوق الحق.
واصحب الصالحين، ولا تجعل الصالحين أربابًا.
وأحب الشيخ، ولا تنسَ أن الشيخ نفسه عبدٌ فقير إلى الله.
الخلاصة
إن القول بأن الله هو الهادي لا يستلزم إلغاء المعلّم، كما أن وجود المعلّم لا يعني أن الهداية انتقلت إليه.
الله سبحانه هو الذي يهدي، وقد يجري التعليم على يد معلّم، والتزكية على يد مربٍّ، والنصح على لسان صالح.
فالسبب لا يناقض التوحيد، وإنما الذي يناقض التوحيد أن يُعتقد في السبب استقلالٌ عن الله.
ولهذا فالمسألة ليست: شيخ أم الله؟
فهذه قسمة فاسدة من أصلها.
بل المسألة:
الله هو الغاية والمرجع، والشيخ سبب في التعليم والتربية، والمريد هو الذي يسير ويجاهد ويعمل.
فإن صحّت الصحبة، لم تحجب المريد عن الله، بل أعانته على أن يرى عجزه، ويعرف ربه، ويصدق في عبوديته.
وإن استقامت التربية، لم تجعل من الشيخ غايةً تُطلب لذاتها، وإنما جعلته دليلًا يعين السالك على بلوغ غايته.
وهنا تستقر الحقيقة في عبارة واحدة:
الشيخ دليلٌ ومربٍّ، والله هو الهادي والمعين.
والله أعلم.