التوحيد.. من حقيقة العقيدة إلى حقيقة السلوك


بقلم الشيخ : حسن حفنى
الباحث والكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

التوحيد الذي يغيّر الإنسان

تبدأ رحلة الإنسان مع التوحيد من كلمة: لا إله إلا الله. ومع امتداد السير، يكتشف الإنسان أن هذه الكلمة تحمل في داخله عملًا طويلًا؛ فهي تبدأ على اللسان، ثم تمضي إلى القلب، ثم تطلب أثرها في السلوك، حتى يصبح التوحيد معنى يُعاش، لا كلمة تُقال.

فالإنسان قد يعرف أن الله واحد، ثم يبقى قلبه موزعًا بين أشياء كثيرة؛ يخاف من الخلق أكثر مما يخاف من تقصيره، ويرجو ما في أيديهم، ويقيس قيمته بمكانته بينهم، ويضطرب إذا تبدلت الأحوال من حوله. هنا يظهر الفرق بين معرفة التوحيد وبن أن يعمل التوحيد في الإنسان.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[الذاريات: ٥٦]

فالعبودية هي ثمرة معرفة الله، ومنها يبدأ التحول الحقيقي في الإنسان.

لا إله إلا الله حين تدخل إلى الحياة

التوحيد لا يبقى في زاوية العقيدة منفصلًا عن تفاصيل الحياة؛ بل يعيد ترتيب نظرة الإنسان إلى كل ما يمر به.

عندما يأتيه الرزق، يعرف المنعم قبل النعمة.

وعندما يُغلق في وجهه باب، لا يجعل إغلاقه نهاية الطريق.

وعندما ينجح، لا يرى نجاحه ملكًا خالصًا لقدراته.

وعندما يفشل، لا يحكم على نفسه بالسقوط الكامل.

وعندما يحب، لا يجعل المحبوب معبودًا لقلبه.

وعندما يخاف، يبحث عن موضع الخوف في نفسه قبل أن يستسلم له.

وهكذا يبدأ التوحيد في نقل الإنسان من ردود الأفعال إلى مقام العبودية؛ فيصبح السؤال الأهم عند كل واقعة: ماذا يريد الله مني في هذا الموقف؟

وهذا السؤال يغير طريقة النظر إلى الحياة كلها.

التوحيد يحرر الإنسان من عبودية النتائج

يعمل الإنسان، ويخطط، ويجتهد، ثم يريد النتيجة كما رسمها.

لكن الحياة لا تسير دائمًا على الصورة التي يصنعها العقل.

قد يبذل الإنسان أعوامًا في طريق ثم يُفتح له باب آخر، وقد يظن أن التأخير خسارة ثم يرى بعد زمن أن ما تأخر كان يحمل له خيرًا لم يكن يراه.

قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]

هنا لا يدعو التوحيد الإنسان إلى ترك السعي، وإنما يعلّمه ألا يجعل النتيجة معبودًا خفيًا.

يبذل جهده، ويأخذ بالأسباب، ويستشير، ويخطط، ثم يرد الأمر إلى الله.

فتبقى عزيمته في العمل، ولا يتحول قلبه إلى أسير لما يريد أن يحدث.

في زمن القلق: معرفة حدود الإنسان

أحد أوجه أزمة الإنسان المعاصر أنه يريد معرفة ما سيحدث قبل أن يحدث.

يبحث عن الضمان الكامل، ويتابع الاحتمالات، ويعيد حساباته، ويستهلك قلبه في مستقبل لم يصل بعد.

وهنا تأتي حقيقة التوحيد لتضع حدًا واضحًا بين ما يدخل في مسؤولية الإنسان وما يخرج عنها.

عليك أن تعمل.

عليك أن تستعد.

عليك أن تتعلم.

عليك أن تحسن الاختيار.

أما الغيب، فله صاحبه.

قال الله تعالى: ” وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ” [الأنعام: ٥٩]

وحين يعرف الإنسان حدود قدرته، لا يصبح أقل طموحًا، بل أكثر اتزانًا؛ لأنه يوجه طاقته إلى ما يستطيع، ويترك ما لا يستطيع لمن يملك الأمر كله.

التوحيد يغيّر معنى القوة

يظن الإنسان أحيانًا أن القوة تعني ألا يحتاج إلى أحد.

ثم يكشف له الطريق أن أعظم قوة في العبودية أن يعرف فقره إلى الله.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]

الفقر إلى الله هنا لا يصنع إنسانًا مهزوزًا؛ بل يصنع إنسانًا لا يبيع كرامته للخلق.

يطلب منهم ما يستطيعون تقديمه، ويشكرهم على المعروف، لكنه يعلم أن قلوبهم وأسبابهم وأقدارهم كلها تحت ملك الله.

وبذلك يتحرر من مذلة التعلق.

أخطر ما يحتاج إلى التوحيد: النفس

قد يظن الإنسان أن أصعب ما في الطريق شهوة ظاهرة، بينما تكمن بعض أدق الآفات في صورة النفس عن نفسها.

قد يعمل الخير ثم يعجب بعمله.

وقد يتواضع ثم يفرح بأن الناس يرونه متواضعًا.

وقد يخدم الناس ثم ينتظر منهم اعترافًا بفضله.

وقد يطلب العلم ثم يصبح العلم وسيلة لإثبات تفوقه.

ولهذا كان أهل التربية رحمهم الله يعتنون بمحاسبة النفس؛ لأن النفس تستطيع أن تدخل إلى العمل الصالح من أبواب لا ينتبه إليها صاحبها.

قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: ٣٢]

فالتوحيد يعلّم الإنسان ألا يجعل نفسه المرجع النهائي في الحكم على نفسه.

يعرف ما عنده من خير، ويحمد الله عليه، ويرى ما عنده من نقص، فيجاهد إصلاحه، ويبقى مفتقرًا إلى فضل الله.

عندما يتحول النجاح إلى عبادة للنفس

النجاح من أشد المواطن حاجة إلى التزكية.

فالإنسان قد يحتمل الفشل لأنه يطلب الوصول، لكنه بعد الوصول قد تبدأ مشكلة جديدة: أن ينسب ما وصل إليه إلى نفسه وحدها.

يقول: أنا صنعت، وأنا تعبت، وأنا عرفت الطريق.

وتغيب عنه النعم التي سبقت جهده: العقل الذي يفكر، والصحة التي تعينه، والفرصة التي وجدها، والأشخاص الذين ساعدوه، والظروف التي تهيأت له.

قال الله تعالى: ” وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ” [النحل: ٥٣]

وحين يرى الإنسان فضل الله قبل أن يرى جهده، يتحول النجاح من سبب للعجب إلى باب للشكر.

وهنا يصبح التفوق أكثر أمانًا على القلب.

وحين يأتي الفقد

في الفقد تتكشف حقيقة التوحيد بصورة أخرى.

فالإنسان يتعلق بما يحب، ثم تأتي الحياة فتذكره بأن كل ما حوله قابل للتغير.

وهنا لا يطلب منه التوحيد أن يتحول إلى حجر لا يحزن؛ فالحزن من طبيعة الإنسان، والدمع لا يناقض الرضا.

لكن التربية تعلّمه ألا يتحول الألم إلى اعتراض على الله، وألا يقوده الفقد إلى اليأس.

قال الله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧]

فالعبد يحزن، لكنه يعرف إلى من يعود.

وهذه المعرفة تمنح الألم معنى العبودية، بدل أن يترك الإنسان الألم بلا جهة.

التوحيد يغيّر علاقتك بالناس

من عرف أن الفضل لله، خفَّ احتياجه إلى أن يصغر الآخرون حتى يكبر هو.

ومن عرف أن القلوب بيد الله، لم يجعل الخلاف سببًا للظلم.

ومن عرف أن الناس عباد لله، حفظ لهم حقوقهم حتى عند الخصومة.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: ٨]

وهنا تظهر التزكية في صورتها العملية: أن يبقى الإنسان عادلًا عندما يكون الهوى قادرًا على دفعه إلى الظلم.

فالأخلاق في الطريق الصوفي ليست زينة حول التوحيد؛ إنها من ثمراته حين يستقر في القلب.

من المعرفة إلى الحال

وهنا تتضح المسافة بين أن يعرف الإنسان التوحيد وأن يتغير به.

المعرفة تقول له إن الله هو الرازق.

أما التوحيد الحي فيمنعه من إذلال نفسه لأجل الرزق.

المعرفة تقول إن الله هو المدبر.

أما التوحيد الحي فيمنعه من الاستسلام للهلع أمام المستقبل.

المعرفة تقول إن النعم من الله.

أما التوحيد الحي فيمنعه من العجب بها.

المعرفة تقول إن الإنسان عبد لله.

أما التوحيد الحي فيجعله أكثر أدبًا مع ربه، وأعدل مع خلقه، وأصدق مع نفسه.

وهنا تدخل التربية الصوفية إلى جوهر المسألة؛ فالمقصود أن تنتقل الحقيقة من الذهن إلى القلب، ومن القلب إلى العمل، حتى يصبح أثرها ظاهرًا في الإنسان دون حاجة إلى إعلان.

التوحيد وبناء الإنسان

بناء الإنسان يبدأ من بناء الجهة التي يتوجه إليها قلبه.

فإذا استقام التعلق، استقامت أشياء كثيرة بعده.

يصبح الطموح حركةً في الأرض لا عبادةً للنجاح.

ويصبح المال وسيلةً لا سيدًا.

ويصبح العلم أمانةً لا تاجًا.

وتصبح المكانة مسؤوليةً لا امتيازًا.

ويصبح الخوف باعثًا على اللجوء إلى الله لا سببًا للانهيار.

ويصبح الفقد بابًا للصبر، والنعمة بابًا للشكر، والقدرة بابًا للإحسان.

وهكذا يعمل التوحيد في بناء الإنسان من الداخل، فيغير طريقة رؤيته للأشياء قبل أن يغير الأشياء نفسها.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]

فالهداية تبلغ القلب، والقلب إذا استقام تغيرت به طريقة الإنسان في النظر والاختيار والمعاملة.

التوحيد الذي يغيّر الإنسان

في نهاية الطريق، لا تكون قيمة التوحيد في كثرة الكلام عنه، وإنما في الإنسان الذي يخرج منه.

إنسان يعرف فقره فلا يتكبر.

ويعرف قدره فلا يذل نفسه.

ويعرف فضل الله فلا يعجب بعمله.

ويعرف مسؤوليته فلا يتواكل.

ويعرف حدود قدرته فلا يستهلك قلبه في مطاردة المستحيل.

ويعرف قدر الخلق فلا يظلمهم.

ويعرف ربه، فيبقى قلبه محتاجًا إليه في كل خطوة.

وهنا تتحول لا إله إلا الله من كلمة تُقال إلى معنى يعيد ترتيب الحياة كلها.

فالتوحيد الذي يغيّر الإنسان لا يعزله عن الدنيا، بل يعلمه كيف يعيش فيها دون أن تستولي عليه؛ يعمل فيها بيده، ويعمرها بسعيه، ويعامل أهلها بالحق والرحمة، بينما يبقى قلبه على عهده الأول:

لله العبودية، ومنه العون، وإليه المصير .