الحظر الاقتصادي في الإسلام قديمًا وحديثًا.. من حصار شِعب أبي طالب إلى حصار الشعوب في عالم المصالح والقوة

بقلم الشيخ حسين السمنودي 

لم يكن الاقتصاد يومًا مجرد أرقام تُكتب في دفاتر التجار، أو أموال تنتقل من يد إلى أخرى، أو أسواق تُفتح وأخرى تُغلق، بل كان ولا يزال أحد أهم مفاتيح القوة والسيطرة في حياة الأمم والشعوب. فمن يمتلك الغذاء والطاقة والدواء وطرق التجارة ومصادر الإنتاج، يمتلك أوراقًا مؤثرة في توجيه السياسات وصناعة القرارات، وربما يستطيع أن يفرض على غيره ما تعجز عنه الجيوش في ميادين القتال.

ومنذ فجر التاريخ، أدركت القوى المتصارعة أن إخضاع الشعوب لا يحتاج دائمًا إلى السيوف والرماح، فقد يكون التجويع أكثر قسوة من القتال، وقد يكون إغلاق الأسواق أشد تأثيرًا من حصار المدن، وقد يصبح منع وصول رغيف الخبز أو جرعة الدواء وسيلة للضغط على ملايين البشر، حتى يضطروا إلى دفع ثمن صراعات لم يختاروها، ولا يملكون القدرة على تغيير مساراتها.

وهنا تبرز قضية الحظر الاقتصادي في الإسلام، وهي قضية تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، لا باعتبارها مسألة تجارية أو سياسية عابرة، وإنما باعتبارها قضية تتصل بالعدل والرحمة وحقوق الإنسان، وبالحدود التي وضعها الإسلام للعلاقات الاقتصادية حتى لا تتحول الثروة إلى وسيلة للاستعباد، ولا تصبح التجارة أداة لإذلال الشعوب، ولا يتحول احتياج الإنسان إلى فرصة لابتزازه.

فكيف تعامل الإسلام مع الحصار الاقتصادي؟ وهل عرف المسلمون هذا الأسلوب في تاريخهم؟ وما الفرق بين المقاطعة الاقتصادية المشروعة والحصار الذي يستهدف تجويع الأبرياء؟ وهل يجوز أن تُحاصر الشعوب بسبب خلافات الحكام؟ وكيف ننظر إلى العقوبات الاقتصادية المعاصرة في ضوء المبادئ الإسلامية؟

عندما نعود إلى التاريخ الإسلامي، نجد أن واحدة من أقدم وأقسى صور الحصار الاقتصادي والاجتماعي التي تعرض لها المسلمون وقعت في مكة المكرمة، وتحديدًا في شِعب أبي طالب، عندما قررت قريش أن تستخدم سلاح الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية لإجبار النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب على التخلي عن حمايته والتراجع عن موقفهم.

لم يكن الأمر مجرد خلاف تجاري أو امتناع عابر عن البيع والشراء، بل كان حصارًا شاملًا استهدف جماعة بأكملها، وقطع عنها سبل التعامل مع المجتمع، ومنع البيع والشراء والزواج والمخالطة وفق ما تضمنته صحيفة المقاطعة التي فرضتها قريش.

واستمر الحصار نحو ثلاث سنوات، عانى خلالها المحصرون من الجوع والحرمان وشدة الظروف، حتى أصبح الحصول على الطعام معركة يومية، وبلغت المعاناة حدًا مؤلمًا، ولم يكن المستهدفون جميعًا من المسلمين، بل شمل الحصار بني هاشم وبني المطلب، وفيهم من لم يدخل الإسلام، وإنما جمعهم موقفهم من حماية النبي صلى الله عليه وسلم .

وهنا نتوقف أمام حقيقة تاريخية مهمة؛ فقد استخدمت قريش قوتها الاقتصادية والاجتماعية لمعاقبة جماعة كاملة بسبب موقفها، ظنًا منها أن الحرمان سيكسر الإرادة، وأن الجوع سيجبر الناس على التخلي عن مبادئهم.

لكن التاريخ أثبت أن القيم لا تُشترى، وأن الكرامة لا تُباع، وأن القوة الاقتصادية مهما بلغت لا تستطيع أن تمنح الظالم حقًا ليس له.

ومن هذه الواقعة نستطيع أن نفهم أن الإسلام لم يكن غريبًا عن قضية الحصار الاقتصادي، بل إن التجربة النبوية نفسها عرفت قسوة هذا السلاح، وعرفت كيف يمكن أن يتحول المال والتجارة والطعام إلى أدوات للضغط والإكراه.

لكن اللافت أن الإسلام لم يجعل المعاناة التي تعرض لها المسلمون مبررًا للانتقام من الأبرياء، ولم يؤسس علاقاته الاقتصادية على قاعدة المعاملة بالمثل في الظلم، وإنما وضع ميزانًا أخلاقيًا يحكم التعامل مع الصديق والخصم، والقوي والضعيف، والغني والفقير.

فالإسلام لم يأتِ ليحرر الإنسان من ظلم السيف ثم يتركه أسيرًا لظلم المال، ولم يأتِ ليمنح الأغنياء سلطة مطلقة على الفقراء، وإنما جاء بمنظومة متكاملة تجعل المال وسيلة للإعمار، وتربط التجارة بالأمانة، وتربط القوة بالمسؤولية، وتربط الحقوق بالعدل.

قال الله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾، وهي آية عظيمة ترسم مبدأ مهمًا في توزيع الثروة ومنع احتكارها داخل دائرة ضيقة من أصحاب النفوذ والمال.

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾، ليؤسس بذلك قاعدة تحمي المعاملات من الاستغلال والغش والاعتداء.

ولم يترك الإسلام الأسواق بلا ضوابط، ولم يجعل حرية التجارة تصريحًا مفتوحًا للإضرار بالناس، فقد حرم الاحتكار الضار، والغش، والربا، والتدليس، وكل صور أكل أموال الناس بالباطل.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة عظيمة في الفقه الإسلامي، تؤكد أن الإنسان لا يجوز له أن يتخذ من ماله أو سلطته أو موقعه وسيلة لإلحاق الضرر بالآخرين.

وفي هذا السياق، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من احتكر فهو خاطئ» رواه مسلم.

فالاحتكار الذي يضر بالناس ويحبس عنهم السلع الضرورية طلبًا لرفع الأسعار واستغلال حاجاتهم، ليس مجرد تصرف تجاري عادي، بل اعتداء على مصلحة المجتمع وحقوق أفراده.

ولذلك فإن الحصار الاقتصادي لا يأتي دائمًا من الخارج، فقد يمارسه بعض أصحاب النفوذ داخل المجتمع الواحد، عندما يحتكرون الغذاء أو الوقود أو الدواء، أو يتحكمون في الأسواق ويستغلون الأزمات لزيادة ثرواتهم على حساب معاناة الآخرين.

وتخيل مجتمعًا يمر بأزمة غذائية، بينما يمتلك بعض التجار مخازن مليئة بالقمح والدقيق، لكنهم يمتنعون عن البيع حتى ترتفع الأسعار إلى مستويات يعجز عنها الفقراء. وتخيل مريضًا لا يجد دواءه، بينما تُحجب الأدوية أو تُرفع أسعارها بصورة لا تتناسب مع تكلفتها الحقيقية.

أليست هذه صورًا من صور الحصار الاقتصادي داخل المجتمع نفسه؟

إن الإسلام لا يحارب التجارة ولا يمنع الربح الحلال، ولكنه يرفض أن تتحول حاجة الناس إلى وسيلة للابتزاز، وأن يصبح الجوع فرصة للثراء، وأن يتحول احتياج المرضى إلى تجارة بلا ضمير .

ووإذا انتقلنا إلى العهد النبوي في المدينة المنورة، نجد واقعة أخرى تستحق التأمل، وهي قصة ثمامة بن أثال الحنفي، الذي أسلم بعد أسره، ثم توجه إلى مكة وأعلن أنه لن تصل إلى قريش حبة قمح من اليمامة حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكانت اليمامة من المناطق المهمة في إمداد مكة بالحبوب، ولذلك تأثرت قريش بهذا القرار، واشتكى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما أصابهم من شدة.

فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى ثمامة أن يترك لهم الإمداد وألا يقطع عنهم الطعام، كما ورد في الروايات الصحيحة.

وهذه الواقعة تحمل معنى مهمًا؛ فمع وجود الخصومة والعداء، لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم استمرار معاناة الناس هدفًا في ذاته، ولم يتعامل مع الغذاء باعتباره وسيلة لإهلاك مجتمع كامل.

وهنا يظهر الفرق بين الضغط الاقتصادي الذي يستهدف تحقيق غرض مشروع، وبين تحويل الطعام إلى سلاح يستهدف حياة الأبرياء.

فالنبي صلى الله عليه وسلم  الذي تعرض أصحابه للحصار والجوع في مكة، لم يجعل معاناتهم مبررًا لتجويع الآخرين، بل ظلت الرحمة والعدل حاضرين حتى في أوقات الخصومة.

وهذا هو جوهر الأخلاق الإسلامية؛ أن تملك القدرة على الرد، لكنك لا تتجاوز حدود الحق، وأن تكون قادرًا على الضغط، لكنك لا تجعل الأبرياء ضحايا لقرارك.

ومن هنا نصل إلى قضية المقاطعة الاقتصادية، التي أصبحت في عصرنا الحديث من أكثر الوسائل التي تستخدمها الشعوب للتعبير عن مواقفها السياسية والإنسانية.

فالمقاطعة في أصلها قد تكون تصرفًا فرديًا أو جماعيًا، يمتنع فيه الناس عن شراء سلعة أو التعامل مع شركة أو مؤسسة، تعبيرًا عن رفضهم لسلوك معين أو احتجاجًا على موقف يرونه مخالفًا للعدل والإنسانية.

وهذه الصورة تختلف عن الحصار الشامل الذي تفرضه دولة على مجتمع بأكمله وتحرم سكانه من مقومات الحياة.

فمن حق الإنسان أن يختار ما يشتريه، ومن حق المجتمع أن يعبر عن موقفه من خلال خياراته الاقتصادية، ما دامت المقاطعة قائمة على أسباب واضحة، ومعلومات صحيحة، ووسائل مشروعة، ولا تتضمن ظلمًا أو اعتداءً على الأبرياء.

بل إن المقاطعة قد تصبح وسيلة سلمية مؤثرة عندما تكون منظمة وواعية، وتستند إلى معلومات موثقة، وتستهدف تغيير سلوك اقتصادي أو تجاري غير مشروع.

لكن ينبغي ألا تتحول إلى اتهامات عشوائية، أو أحكام جماعية على أشخاص بسبب جنسياتهم أو أديانهم، أو وسيلة للإضرار بعمال لا علاقة لهم بالقرارات التي يجري الاحتجاج عليها.

فالقرآن الكريم وضع قاعدة عظيمة لا ينبغي أن تغيب عن أي مسلم، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

وهذه الآية تفتح الباب أمام المسؤولية الأخلاقية في المعاملات الاقتصادية، فليس كل تعامل تجاري مباحًا إذا كان في حقيقته إعانة مباشرة على ظلم أو عدوان.

لكن في المقابل، لا يجوز أن نخلط بين رفض العدوان ورفض التعامل مع كل إنسان ينتمي إلى مجتمع أو دولة معينة، فالإسلام لا يقر الظلم الجماعي، ولا يجعل الاختلاف في الدين أو الجنسية سببًا لإهدار الحقوق.

قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

إنها قاعدة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ فلا يجوز أن يدفعنا الغضب إلى ظلم إنسان بريء، ولا أن تجعلنا الخصومة نتخلى عن العدل، ولا أن نبرر الاعتداء لأن الطرف الآخر سبق أن اعتدى علينا.

أما في العصر الحديث، فقد أصبح الحظر الاقتصادي أكثر تعقيدًا واتساعًا، ولم يعد يقتصر على إغلاق الأسواق أو منع القوافل التجارية، بل امتد إلى تجميد الأرصدة، ووقف التحويلات المصرفية، ومنع الاستثمارات، وحظر التصدير والاستيراد، وفرض قيود على التكنولوجيا والطاقة والنقل والتأمين.

وأصبحت بعض الدول تستخدم نفوذها في المؤسسات المالية والأسواق العالمية لفرض عقوبات على دول أخرى، وقد تمتد آثار هذه العقوبات إلى قطاعات واسعة من المجتمع.

فقد يتوقف مصنع عن الإنتاج، ويفقد آلاف العمال وظائفهم، وتتراجع قيمة العملة، وترتفع أسعار السلع، وتتأثر حركة الاستيراد والتصدير، ويجد المزارع صعوبة في الحصول على مستلزمات الإنتاج، ويصبح المريض أمام خيارات محدودة للحصول على العلاج.

وهنا يجب أن نفرق بين العقوبات الموجهة إلى أشخاص أو مؤسسات مسؤولة عن أفعال محددة، وبين العقوبات الواسعة التي تمتد آثارها إلى حياة ملايين المدنيين.

فقد تكون هناك تدابير اقتصادية مشروعة تستهدف منع تمويل عدوان أو ردع انتهاكات، لكن ذلك لا يمنح أي جهة حق حرمان الشعوب من الغذاء والدواء والمياه وضرورات الحياة.

كما أن مجرد إعلان أن العقوبات تستهدف حكومة لا يعني بالضرورة أن آثارها لن تصيب المواطنين، فالعبرة ليست بالعنوان الذي يُطلق على القرار، وإنما بحقيقته ونتائجه ومدى تناسبه مع الغاية المعلنة.

ولعل ما يحدث في فلسطين، وخاصة في قطاع غزة، يقدم صورة مؤلمة لما يمكن أن يفعله الحصار عندما تصبح احتياجات الإنسان الأساسية جزءًا من معركة سياسية وعسكرية.

هناك أطفال يحتاجون إلى الغذاء، ومرضى ينتظرون الدواء، وأسر تبحث عن مياه صالحة للشرب، ومستشفيات تحتاج إلى الوقود والمستلزمات الطبية، ومجتمع بأكمله يحاول التمسك بالحياة وسط ظروف بالغة القسوة.

وهنا لا نتحدث عن خلاف تجاري أو منافسة اقتصادية، بل عن حياة البشر وحقهم في البقاء.

والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن أن نتحدث عن الحضارة والتقدم والحقوق الإنسانية، بينما يصبح وصول رغيف الخبز إلى طفل قضية تفاوض، وتتحول جرعة الدواء إلى ورقة ضغط، ويجد المريض نفسه ضحية لصراع لا يملك فيه قرارًا؟

إن القرآن الكريم يضع أمامنا صورة إنسانية عظيمة عندما يقول سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.

تأملوا كلمة «أسيرًا»؛ فالقرآن يمدح إطعام الأسير، وهو إنسان أصبح تحت سلطة غيره، ولا يملك حرية التصرف في حياته، ومع ذلك جعل إطعامه من أعمال البر والإحسان.

فإذا كان الإسلام يحث على إطعام الأسير، فكيف يمكن تبرير حرمان المدنيين من الطعام والدواء، أو استخدام احتياجاتهم الأساسية وسيلة لإجبارهم على الاستسلام؟

إن نصرة المظلوم لا تكون بالكلمات وحدها، وإنما بالإغاثة، وإيصال المساعدات، ودعم المؤسسات الإنسانية، ومساندة الحقوق المشروعة، والعمل على وقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

والعالم الذي يريد أن يحافظ على إنسانيته لا بد أن يدرك أن حماية المدنيين ليست منحة تمنحها الدول القوية متى شاءت، بل حق أصيل لا يجوز الانتقاص منه.

ومن الناحية الجغرافية، فإن الحصار الاقتصادي ارتبط دائمًا بالسيطرة على المواقع الاستراتيجية وطرق التجارة ومصادر الموارد.

ففي الماضي كانت السيطرة على الموانئ والآبار وطرق القوافل كافية لإضعاف المدن والقبائل، أما اليوم فقد أصبحت الممرات البحرية والمطارات وخطوط الطاقة والمصارف وشبكات الاتصالات وسلاسل الإمداد عناصر أساسية في قوة الدول وضعفها.

وأصبحت دولة بعيدة عن ساحة الحرب تتأثر بقرار اقتصادي يصدر في عاصمة أخرى، وقد تتعرض أسواقها للاضطراب بسبب توقف شحنة غذاء أو ارتفاع أسعار الطاقة أو تعطل خطوط النقل.

ومن هنا تظهر أهمية أن تمتلك الدول أمنًا اقتصاديًا حقيقيًا، قائمًا على تنوع مصادر الغذاء والدواء والطاقة، وتطوير الزراعة والصناعة، وحماية الأسواق من الاحتكار والفساد، وعدم الاعتماد الكامل على مصدر واحد أو سوق واحدة.

إن الدولة التي لا تستطيع توفير احتياجات شعبها الأساسية تكون أكثر عرضة للضغوط، مهما امتلكت من ثروات طبيعية أو إمكانات بشرية.

والأمة التي تريد أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي لا بد أن تمتلك قدرًا كافيًا من الاستقلال الاقتصادي، وأن تنتج ما تستطيع إنتاجه، وأن تتعاون مع غيرها في المجالات التي تحقق مصالح شعوبها.

وهنا تظهر أهمية التعاون العربي والإسلامي، ليس باعتباره مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات، وإنما باعتباره ضرورة اقتصادية واستراتيجية.

فالدول العربية والإسلامية تمتلك موارد زراعية وصناعية ومعدنية وطاقية وبشرية متنوعة، ويمكن للتكامل الاقتصادي بينها أن يفتح آفاقًا واسعة للتجارة والاستثمار والإنتاج المشترك، وأن يقلل من الاعتماد على الأسواق الخارجية في بعض الاحتياجات الأساسية.

كما أن التضامن الحقيقي لا يظهر في أوقات الرخاء فقط، وإنما تظهر قيمته عندما تتعرض إحدى الدول أو الشعوب لأزمة، فتجد من يساندها بالغذاء والدواء والتجارة والاستثمار والمواقف الإنسانية.

ومن أخطر ما يكشفه الحصار الاقتصادي أنه قد يضرب الفقراء والطبقات المتوسطة قبل غيرهم؛ فالغني يستطيع في أحيان كثيرة البحث عن البدائل، وامتلاك السلع بأسعار مرتفعة، وحماية جزء من ثروته، أما محدود الدخل فلا يملك رفاهية الانتظار.

فهو أول من يشعر بارتفاع أسعار الخبز والوقود والمواصلات والدواء، وأول من يتأثر بتوقف المصانع وتسريح العمال، وأول من يضطر إلى التخلي عن بعض احتياجات أسرته الأساسية.

ولهذا فإن العدالة الاقتصادية في الإسلام لا تنفصل عن حماية الفقراء والمحتاجين، وقد فرض الإسلام الزكاة، وحث على الصدقة، وأوجب النفقة في مواضعها، وأكد التكافل الاجتماعي، حتى لا يُترك الضعيف وحده في مواجهة قسوة الحياة.

إن المال في الإسلام ليس مجرد ملكية يتصرف فيها صاحبها دون أي مسؤولية، بل أمانة واستخلاف، وحقوق يجب أن تؤدى، ومسؤولية أمام الله والمجتمع.

ولذلك فإن بناء اقتصاد قوي لا يعني فقط زيادة الثروات والأرباح، بل يعني أيضًا تحقيق التوازن بين مصالح الأفراد وحقوق المجتمع، ومنع الاحتكار، وحماية المستهلك، وتوفير فرص العمل، وصيانة كرامة الإنسان.

وإذا أردنا أن نضع خلاصة الموقف الإسلامي من الحظر الاقتصادي، فعلينا أن ندرك أن الشريعة لا تحكم على جميع صور المقاطعة والعقوبات بحكم واحد، وإنما تنظر إلى الهدف والوسيلة والنتائج والعهود والحقوق المترتبة عليها.

فقد تكون المقاطعة وسيلة مشروعة للاحتجاج على الظلم، وقد يكون منع التعامل مع جهة معينة إجراءً لحماية مصلحة عامة، وقد تكون العقوبات الموجهة وسيلة لردع عدوان أو منع تمويل اعتداء.

لكن قد يتحول الحظر إلى ظلم عندما يستهدف الأبرياء، أو يحرم الشعوب من ضروريات الحياة، أو يتجاوز حدود المصلحة المشروعة، أو يستخدم الجوع والمرض وسيلة لإخضاع الإنسان وإذلاله.

والحكم على كل واقعة بعينها يحتاج إلى معرفة تفاصيلها، وأدلتها، والعهود المرتبطة بها، وتقدير المصالح والمفاسد، والاستعانة بأهل العلم والاختصاص.

فليس كل حظر ظلمًا، وليس كل مقاطعة عدلًا، وإنما الميزان هو العدل الذي لا يتغير بتغير المصالح والقوى والتحالفات.

إن التاريخ لا يكرر نفسه بالصورة ذاتها، لكنه كثيرًا ما يعيد تقديم المآسي بأسماء جديدة وأدوات أكثر تطورًا.

فبالأمس كانت قريش تحاصر بني هاشم في شِعب أبي طالب، وتمنع عنهم البيع والشراء، وتظن أن الجوع سيكسر إرادتهم، واليوم أصبح الحصار يُمارس بأدوات مالية ومصرفية وتجارية وتكنولوجية أكثر تعقيدًا، وقد يجد شعب بأكمله نفسه محاصرًا بين قرارات تصدر من عواصم بعيدة، ومصالح تتصارع فوق أرضه، بينما لا يملك أطفاله سوى انتظار رغيف الخبز وجرعة الدواء.

لكن هناك حقيقة يجب ألا تغيب عن ضمير الإنسانية: ما ذنب الطفل في خلافات الحكام؟ وما ذنب المريض في صراعات الدول؟ وما ذنب العامل الذي يفقد مصدر رزقه بسبب قرار لم يشارك في صنعه؟ وهل يجوز أن تصبح حياة الإنسان مجرد ورقة تفاوض على طاولة المصالح؟

إن الإسلام جاء ليضع حدًا لمنطق القوة المطلقة ، وليؤكد أن امتلاك المال لا يمنح صاحبه حق الظلم، وأن امتلاك الأسواق لا يمنح الدولة حق التحكم في أرزاق الشعوب، وأن التفوق الاقتصادي أو العسكري لا يجعل صاحبه فوق الحساب الأخلاقي والإنساني.

ولعل أعظم ما نتعلمه من حصار شِعب أبي طالب أن الجوع لا يثبت بطلان الموقف، وأن الحرمان لا يصنع الحق، وأن امتلاك القوة لا يعني امتلاك الحقيقة.

إننا بحاجة إلى عالم يدرك أن الاقتصاد وُجد لخدمة الإنسان، وليس لإذلاله، وأن التجارة ينبغي أن تكون جسرًا للتعارف والتعاون، لا وسيلة لقطع الأرزاق، وأن الثروة الحقيقية ليست فيما تمتلكه الدول من أموال واحتياطيات فحسب، بل فيما توفره لشعوبها من أمن وكرامة وعدالة.

ونحن كمسلمين، إذا أردنا أن نستعيد مكانتنا، فعلينا أن نبدأ ببناء الإنسان، وإقامة العدل، وإنتاج غذائنا ودوائنا، وحماية أسواقنا من الفساد والاحتكار، وتوسيع دوائر التعاون بين شعوبنا، وأن نجعل من الاقتصاد أداة للبناء لا للهدم، وللتكافل لا للاستغلال، وللاستقلال لا للتبعية.

فلا ينبغي أن نكون ممن يرفعون رايات العدالة ثم يمارسون الظلم، أو ممن يتحدثون عن الرحمة بينما يغلقون أبوابها في وجه المحتاج، أو ممن يطالبون العالم باحترام حقوقهم ثم يتجاهلون حقوق الآخرين.

إن الحصار الذي يستهدف منع العدوان قضية، والحصار الذي يجوع طفلًا ويحرم مريضًا من الدواء ويهدم حياة شعب قضية أخرى تمامًا، وبين الاثنين يقف ميزان الإسلام، لا يميل مع قوة الغني، ولا يتغير أمام نفوذ الحاكم، ولا يسقط تحت ضغط المصالح.

وقد يستطيع القوي أن يحاصر أرضًا، وأن يغلق سوقًا، وأن يمنع تجارة، وأن يجمد أموالًا، لكنه لن يستطيع أن يجعل الظلم عدلًا، ولا أن يجعل الجوع حقًا، ولا أن يمنح القسوة اسم الحكمة.

ولتبقَ كلمات الله سبحانه وتعالى دستورًا يحكم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، مهما اختلف الدين أو اللون أو اللغة أو الموقع:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

فالاقتصاد بلا أخلاق قد يتحول إلى سلاح، والقوة بلا عدل قد تتحول إلى طغيان، والثروة بلا رحمة قد تصبح بابًا من أبواب الاستعباد. أما الحضارة الحقيقية فهي التي تستطيع أن تكون قوية دون أن تكون ظالمة، وغنية دون أن تكون جشعة، ومنتصرة دون أن تفقد إنسانيتها.