دفاع عن سيد البشر سيدنا محمد ﷺ

بقلم أ.د طلعت عبد الله أبو حلوة وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر

دفاع عن سيد البشر سيدنا محمد ﷺ

إن ديننا الإسلامي الحنيف يرفض الإساءة بأي صورة من صورها، أو أي أسلوب من أساليبها، ويحذر منها أشد التحذير، ورتب عليها العقوبة الزاجرة الرادعة جزاء وفاقًا، ودعا إلى التعايش السلمي القائم على الاحترام والمحبة، ونبذ العنف والكراهية، وذم العنصرية والانحراف والتطرف.

وإن مقام النبي محمد -ﷺ- هو المقام الكريم الذي لا يدانيه مقام، ومنزلته هي المنزلة العليا التي لا يبلغها عظيم من عظماء البشر، فهو منحة الله -تبارك وتعالى- للبشرية، ورحمته للعالمين، ربَّاه الله فأحسن تربيته، وأدبه فأحسن تأديبه، فكان كالينبوع الزاخر المتدفق بكل عظيم الفضائل التي حلّاه ربه بها؛ لينشر شذاها بين الناس، وقد كان واقع سيرته النبوية أعظم شهادة على عظيم أخلاقه، وكريم شمائله ﷺ، وكفاه شرفًا وفضلًا أن زكاه الله -سبحانه وتعالى- في أكثر من موضع من كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حيث قال -عز وجل-: في تزكية عقله ومنطقه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، وفي تزكية أخلاقه: ﴿وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

وإن الإساءة إلى شخصه الكريم -ﷺ- تصريحًا أو تلميحًا ليست أمرًا جديدًا أو مبتدعًا، وإنما هي أمر قديم منذ بداية البعثة النبوية، وذلك الأمر إما أن يكون جهلًا وسفاهة، أو حسدًا وحقدًا، إذ إنه من المعلوم حقًّا والمقرر صدقًا أن من جهل شيئًا أو عجز عن مجاراته عابه وعاداه، وتلك سنة في النفس البشرية غير السوية، وما نراه اليوم مما يقوم به أي جاهل حاقد، أو عدو حاسد، ليس إلا تكرارًا وترديدًا لفعل من سبقوه من أئمة الجهل والضلال، وكل ما هنالك أن هؤلاء الجُهّال، وأولئك الضُّلّال يُظْهِرون هذه الإساءة ويجترونها في ثوب جديد، وشكل قشيب، ومظهر عصري حديث ظنًّا منهم أن ذلك قد ينطلي على علماء هذه الأمة والمنصفين من غيرها، لكن هيهات هيهات !!!

وقد قام بعض الجهلاء قديمًا وحديثًا باختلاق ونسج بعض الأكاذيب والافتراءات والاختلاقات المسيئة لسيدنا محمد -ﷺ- معلم الناس الخير، وصاحب الخلق العظيم، والهادي البشير، والسراج المنير؛ وذلك لتشويه صورته المشرقة، والتقليل من قدره الرفيع، والنيل من عظمته، لكن هذه المحاولات البائسة الفاشلة تفضح حال أصحابها، وتكشف سوء مكنون صدورهم، وتُفْصِح عن مرض قلوبهم، وتعرب عن خُبْث نفوسهم، ولا تنال أو تنقص من عظمة النبي -ﷺ- شيئًا، وقد كفى الله -عز وجل- رسوله -ﷺ- أولئك الجَهَلة الحَسَدة الحَقَدة فقال-جل شأنه-: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.

وإن مَثَل هؤلاء الجهلاء السفهاء بأكاذيبهم المختلقة المفضوحة وافتراءاتهم البائسة الفاشلة كمَثَل مَن يريد أن يُطْفِئ ضياء الشمس، أو يحجب نور البدر، أو يوقف مجرى البحر، وإن الناظر بعين التأمل والتدبر ليجد أن كلًّا من المعايب والنقائص التي ينشدها هؤلاء الجهال المتطرفون من وراء هذه الأكاذيب وتلك التَّخَرُّصات هي في الأصل موجودة في أشخاص أولئك الضُّلّال الشذاذ، ولكن أرادوا أن يتخلصوا منها، ويلصقوها بغيرهم، ويَتَبَرَّأوا منها، ويرموا بها سواهم حقدًا وحسدًا، وكأن هؤلاء وأمثالهم قد قيل فيهم هذا المثل العربي: “رَمَتْني بِدائِها وانْسَلّتْ”، وعَناهم الشريف الرضي بقوله:

رَمَوني بِالعُيوبِ مُلَفَّقاتٍ وَقَد عَلِموا بِأَنّي لا أُعابُ

ولَمّا لَم يُـــلاقـــوا فيَّ عَـيباً كَسوني مِن عُيوبِهِمُ وعابوا

وقد كانت عيون علماء هذه الأمة يَقْظى ترقب ما يدور من أحداث، وترصد كل ما يُشْعِر بأي إساءة لرسول الإسلام لكشفها وتفنيدها وبيان زيفها والرد عليها، فقد كشفوا هذه الأغاليط المسيئة وتلك الألفاظ البذيئة، وأكدوا رفضهم القاطع للعنصرية وخطاب الكراهية الذي قد يستغله البعض؛ ليوغل صدور الناس ضد المسلمين؛ الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى التطرف والعنف، ورأوا أن السبيل الأمثل لمواجهة ذلك هو تفعيل القوانين للحَدّ من تكرارها، وخوفًا من تسببها في الإضرار باستقرار المجتمع وأمن أفراده، وحفاظًا على لُحْمة النسيج الوطني، والسلام العالمي والمجتمعي.