هل أصبحت ثوابت الإسلام ساحةً للتجارب الفكرية؟ قراءة في موجة التشكيك المعاصرة

بقلم الشيخ : مصطفى شلبي الأزهري

التشكيك في ثوابت الإسلام… بين حرية البحث وهدم اليقين

في كل مرحلة من مراحل تاريخ الأمة يخرج من يحاول إثارة الشبهات حول ثوابت الدين، تارةً باسم التجديد وتارةً باسم العقل وتارةً باسم البحث التاريخي، غير أن الفارق كبير بين البحث العلمي المنضبط، وبين تحويل النصوص القطعية إلى مادة للتشكيك والطعن وإثارة البلبلة.

وفي الآونة الأخيرة تكررت تصريحات من بعض الكُتّاب والإعلاميين من بينهم يوسف زيدان وإبراهيم عيسى، تناولت قضايا تمس عقيدة المسلمين وثوابتهم وهو أمر يستحق الوقوف عنده، ليس دفاعاً عن دينٍ يحتاج إلى من يدافع عنه وإنما دفاعاً عن عقول الناس من الشبهات التي تُطرح في وسائل الإعلام على أنها حقائق علمية وهي في حقيقتها آراء ظنية

كما أن تزامن بعض الحملات الإعلامية التي تنتقد كل ما يمت بصلة إلى الهوية الإسلامية، ومنها الهجوم على لقب “منتخب الساجدين”، يطرح تساؤلات مشروعة حول سبب هذا التركيز المتكرر على الرموز والشعائر الإسلامية،

ومن أخطر ما أُثير مؤخراً التشكيك في واقعة أصحاب الفيل وهي ليست مجرد رواية تاريخية لتكون محل قبول أو رفض وفق الأهواء، وإنما هي حقيقة قرآنية قصها الله سبحانه وأفرد لها سورة كاملة، فقال سبحانه:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.

فالمسلم لا يتعامل مع هذه الآيات بوصفها أسطورة أو رواية قابلة للتعديل، وإنما بوصفها وحيًا من عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.

إن البحث التاريخي له مجاله لكنه لا يملك أن ينقض خبراً قطعي الثبوت قطعي الدلالة قد جاء به القرآن الكريم. وإذا تعارضت فرضية تاريخية مع نص قرآني فإن الخلل في الفرضية لا في القرآن.

وليس هذا هو الملف الوحيد فقد اعتاد بعض الكُتّاب والإعلاميين إثارة قضايا تمس السنة النبوية أو الصحابة أو شعائر الإسلام و رموزه بصورة متكررة حتى أصبحنا نلحظ نمطا ثابتاً في اختيار الموضوعات التي تثير الجدل حول الدين أكثر من غيرها.

ولا يعني هذا مصادرة حرية الرأي، فالإسلام لم يمنع الحوار بل دعا إليه، قال تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

إن احترام حرية الفكر لا يعني أن يصبح القرآن الكريم محل تشكيك في كل مناسبة ولا أن تُقدَّم الآراء الشخصية على النصوص القطعية

لذا ننبه إلى خطورة هذا المسلك لأن التشكيك في الوقائع التي أثبتها القرآن الكريم ليس مجرد اختلاف فكري، بل هو مساس بما يؤمن به المسلمون من حقائق دينية قطعية.

لقد حفظ الله تعالى هذا الدين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وستظل محاولات التشكيك تذهب ويبقى القرآن غضًّا كما أنزل تتناقله الصدور قبل السطور، ويبقى واجب العلماء والدعاة والمثقفين أن يردوا على الشبهات بالحجة والبرهان، وأن يبيّنوا للناس الفرق بين البحث العلمي الرصين، وبين الخطاب الذي يثير الشكوك في الثوابت دون دليل قطعي.

ونسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يحفظ أمتنا من الفتن والشبهات، وأن يرزقنا البصيرة في دينه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.