أين نحن من خطبة الوداع؟
6 نوفمبر، 2026
مدرسة النبوة

بقلم: د. تاليا عراوي
كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات وعضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان .
الأمس، وبينما كنت أستمع إلى المذياع -نعم، ما زلت أفعل ذلك ابتغاء مساحة هادئة بعيداً عن صخب منصات التواصل الاجتماعي والفقاعات الرقمية- كان المذيع يتلو كلمات خطبة الوداع. وكما يحدث لي في كل مرة، أصغيت إليها وكأنني أسمعها للمرة الأولى. تترك هذه الكلمات في نفسي شيئاً أعجز عن وصفه.. مزيجاً نادراً من المهابة والسكينة، وحباً عميقاً ودافئاً للنبي صلى الله عليه وسلم يجرف وجداني. تجد هذه الخطبة دائماً طريقها إلى روحي وكأنها مغناطيس يجذبني نحوها، آخذةً إياي إلى ذاك المشعر العظيم، حتى يخيل إليّ أنني كنت هناك بالفعل، أقف بين تلك الجموع، أستمع إليه وهو يودعنا ويضع بين أيدينا أمانة العمر… ثم تتلو ذلك كله موجة ثقيلة من الخجل.
تساءلت بيني وبين نفسي: كيف انحرفنا عن هذه الأمانة؟ وكيف لم نَفِ بعهدنا لمَن وقف في العام العاشر الهجري على جبل عرفة، بين عشرات الآلاف من المسلمين، ليضع أعظم دستور إنساني صان فيه الدماء والأعراض والأموال، وأسقط الفوارق والعصبيات، وأعلن تمام الدين والدستور الأخلاقي للأمة؟
على الرغم من أن ما وصلنا عبر التاريخ يُعرف بخطبة الوداع، إلا أنها في عمقها وصية وميثاق أخلاقي استودعنا إياه الرسول الكريم لنرعاه ونحفظه. وكلمة “الوداع” بحد ذاتها تحمل غصة الفراق، لكن الأشد إيلاماً ليس رحيله صلى الله عليه وسلم، بل وداع الوصية ذاتها والتفريط في عهدها يوماً بعد يوم.
حين نتأمل ركائز هذه الخطبة الخالدة، لا نمر على مجرد كلمات تاريخية، بل نرى وثيقة حق أهدرناها. إن مقارنة وصايا المصطفى صلى الله عليه وسلم بسيرته العطرة وبواقعنا المعاصر تكشف حجم الفجوة المؤلمة التي صنعناها بأيدينا.
خطبة الوداع:
“الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا – ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه لا ربا. وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب. وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يواطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً – ألا هل بلغت….اللهم فاشهد.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مَالُ أَخِيه إلا عن طيب نفس منه – ألا هل بلغت اللهم فاشهد. فلا ترجعن بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت … اللهم فاشهد.
أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – ألا هل بلغت….اللهم فاشهد قالوا نعم – قال فليبلغ الشاهد الغائب. أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم.”
العهد النبوي في زحام المدنية:
حين نتأمل ركائز هذا الميثاق الخالد، ينتابنا الخجل من مرارة التقصير.. فنحن لا نمر على كلمات تاريخية عابرة، بل نرى وثيقة حق أهدرناها، وعهداً نبوياً نغدر به يوماً بعد يوم. وإن مقارنة هذه الوصايا بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبواقعنا المعاصر تكشف حجم الفجوة المؤلمة التي صنعناها بأيدينا.
افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خطبته بالتأكيد على تقوى الله وخوفه في كل حركة وسكون حين قال “أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته…”، ليرسي بذلك القاعدة الأخلاقية الصلبة للبشرية. ولقد تجسدت هذه التقوى في كل لحظة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعندما أتاه أعرابي يذكره بالتقوى وهو يوزع الغنائم لم يغضب، وكان يبيت الليالي طاوياً يخاف أن تكون في بيته تمرة من الصدقة. ولكن ينكسر القلب حين نرى كيف تراجعت هذه التقوى في واقعنا اليومي حيث غلبت المادية الجشعة، وأصبح التغاضي عن مراقبة الله سائدًا في المعاملات والوظائف، وصرنا نرى التفريط في أمانات المسؤولية يزداد كل يوم وكأن خشية الله غابت عن تفاصيل حياتنا المعاصرة. وتتجلى أبعاد هذا الانتهاك واقعياً في ظاهرة الرشوة والمحسوبية والمحاسبة الصورية داخل المؤسسات والشركات، والغش في الموازين ومواد البناء والسلع الغذائية، واختلاس الأموال العامة دون خوف من عقاب الله أو تأنيب من الضمير.
ثم يرتفع صوت النبوة صريحاً بجلال وهيبة: “أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا…”. وكان صلى الله عليه وسلم التطبيق الحي لهذه الحرمة، فحين فتح مكة واستسلم له أعداؤه الذين أهدروا دماء أصحابه وآذوه، قال لهم بعفو نبوي شامخ: “اذهبوا فأنتم الطلاقاء”، ولم يهرق قطرة دم واحدة للانتقام الشخصي. ويا لكثرة الخجل أمام هذا التوجيه المضيء.. فقد أصبحت دماء المسلمين والأبرياء اليوم هي الأرخص في الموازين، وتفشت الحروب والنزاعات المسلحة، وانتهكت الأعراض عبر منصات التجسس والابتزاز الرقمي، واستبيحت الأموال والممتلكات بلا أدنى رادع أخلاقي أو إيماني. ويشهد الواقع على هذا الانتهاك من خلال ما نراه في حروب الإبادة والتهجير القسري ضد المدنيين والأطفال كما يحدث في غزة ولبنان، وسورية واليمن والسودان وبلاد أخرى، وحوادث القتل العشوائي، والانتشار الواسع لظواهر الابتزاز الإلكتروني وهتك الخصوصية واختراق كاميرات الهواتف وتشويه السمعة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولم يعد هذا الانتهاك يقتصر على صور الجريمة التقليدية، بل امتد ليتشابك مع ثورة تكنولوجية بل أزمة أخلاقية، حيث نرى اليوم كيف تطورت أدوات التجسس والاعتداء لتصبح أكثر دهاءً وخفاءً؛ من الأقلام والعدسات الصغيرة ومحركات الذاكرة (USBs) والنظارات الذكية التي تُستغل لتسجيل الناس دون علمهم وهتك خصوصياتهم، إلى تقنيات التزييف العميق (Deepfakes) التي تمحو الحدود بين الحق والباطل وتدمر السمعة في لحظات، وصولاً إلى أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على تعديل ملامح الوجه ونبرة الصوت ونصوص الكلمات أثناء البث الحي والمباشر، محرفةً المقاصد ومزيفةً الواقع كلياً بلا حياء ولا رادع من ضمير.
ولم تقف الشريعة عند حماية الدماء، بل أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم قطيعة تامة مع اقتصاد الجاهلية القائم على الربا فقال: “وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون…”. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ فلساً من ربا ولا يحتكر سلعاً، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويرفض كل معاملة فيها غبن أو استغلال لحاجة المحتاجين. غير أننا في هذا العصر ارتمينا في أحضان الأنظمة المالية الربوية المركبة، وأصبح التعامل بالربا والقروض الفاحشة أمراً مطبعاً معه، مما أسفر عن استنزاف طاقات الشعوب وإغراق الأسر في ديون لا تنتهي. وتظهر الأمثلة الحية لهذه المخالفة في تغول نظام الفوائد البنكية المركبة، وإغراق بطاقات الائتمان والقروض الاستهلاكية للعائلات والشباب بالديون، وسيطرة المؤسسات المالية العالمية على مقدرات الدول النامية عبر القروض الربوية المكبّلة التي تسلب القرار السياسي والاقتصادي.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنهاء ثارات الجاهلية وعصبياتها المقيتة بقوله: “وإن دماء الجاهلية موضوعة…” لتنتقل البشرية إلى دولة القانون والعدالة. وفي سيرته الشريفة، أسقط النبي صلى الله عليه وسلم دم ثأر قريبه عامر بن ربيعة بن الحارث أولاً ليقطع دابر الثأر القبلي، وآخى بين الأوس والخزرج الذين اقتتلوا لعقود في حرب بعاث. إلا أننا نشاهد بكل أسى عودة النزاعات القبلية، والثارات العائلية، والتفاخر بالعصبيات الضيقة في العديد من مجتمعاتنا، حيث يُنسف الحق وتستباح العدالة لصالح الانتماءات الضيقة. ويتضح ذلك جلياً في جرائم الثأر القبلي المتوارثة والمستمرة في بعض صعيد مصر وأرياف بعض الدول العربية، والاشتباكات المسلحة بين العشائر على أبسط الخلافات العقارية، واستقواء الأفراد بعائلاتهم فوق سيادة القانون وحق الدولة والشرع.
وحين حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مدخل الشيطان الذي يأس من أن يُعبد كصنَم ولكنه رضي بالتحريش والتساهل في صغائر الأعمال، كان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الحذر من محقرات الذنوب، مشبهاً إياها بقوم نزلوا بطن وادٍ فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم. ولكن حسرتنا اليوم كبيرة ونحن نرى كيف يتم التسويق للمنكرات والترويج للرذيلة والترخيص للشرور عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى غدت المعاصي أمراً معتاداً يمارس جهاراً تحت عناوين الحداثة والحرية. ومن أبرز الأمثلة الواقعية على ذلك انتشار منصات وصناع المحتوى الذين يروجون للمحتوى الهابط والإباحي، والترويج اليومي لثقافة الفجور والخيانة والعلاقات المحرمة عبر الدراما والسينما، والتطبيع المتزايد مع المشروبات الكحولية والقمار الإلكتروني وألعاب المراهنات بين الشباب.
لم يسلم تشريع الزمان ومواسم العبادة من التحذير النبوي الشديد حين شرح الرسول صلى الله عليه وسلم خطورة التلاعب بحدود الله وأوقاته قائلًا: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر… ﴾. ولقد كان صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على الوقوف عند حدود الله ومواقيته دون تقديم أو تأخير، ممتثلاً لأمر ربه في تنظيم العبادات والشعائر.
وفي أيامنا هذه، نرى نسيئاً معاصراً يمارس بتعطيل الأحكام التشريعية والسنن الثابتة، وتأويل النصوص وإفراغها من مضامينها للحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية عابرة، مسخرين الدين لمآرب العصر. ويتجلى ذلك في محاولات بعض الجهات تعطيل أحكام فرعية أو شرعية ثابتة مثل فرض الصيام أو الزكاة تحت حجج التحديث الاقتصادي، وتحريف الفتاوى الشرعية لتناسب رغبات السلطة أو السوق. بل ويصل هذا العبث المعاصر أحياناً إلى حد الاستخفاف بمواقيت الصلاة والأذان، فترى النداء الإلهي الذي يضبط إيقاع الروح يُخضع لضغوط الاحتفالات الصاخبة، أو تُؤجل الشعائر وتُعطل حرمة أوقاتها تملقاً لواقع استهلاكي لا يعرف للزمان الإلهي حرمة ولا تقدير.
ومع استشراء هذه الفجوة بين الهدى النبوي والواقع المعاش، نُؤْثِر عدم الاستغراق في السجالات الفقهية والتأويلية المعاصرة المتعلقة ببعض التفاصيل وذلك نظراً لسعة لغة العرب ولما تزخر به المفردات من دلالات واشتقاقات متعددة – كما في لفظة الضَّرْب التي ترد في اللسان العربي بمعانٍ جمة، منها: المفارقة، والإعراض، والترك، والتنقل في الأرض، وغيرها من الوجوه اللغوية والتفسيرية المعتبرة.
وكفايتنا في هذا المقام تسليط الضوء على النموذج النبوي التطبيقي الذي يُعدّ البيان العملي الأسمى والشارح لروح الشريعة ومقاصدها. فقد أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم موقفا حازماً وحاسماً بقوله: لا تضربوا إماء الله، رادعاً كل صورة من صور الامتهان أو الأذى.
وكانت حياته عليه الصلاة والسلام تجسيداً مشهوداً لمعنى السَّكَن والمودة ومن أروع الصور الدالة على رقة التعبير والرفق الإنساني بالمرأة، ما رُوي أنه كان عليه الصلاة والسلام في سفر ومعه أزواجه، وكان حاديه أَنجَشَةُ يحدو بالإبل بصوتٍ حسنٍ وجميل، فتسرع الجمال في سيرها لنشاطها وطربها بصوته، فخاف النبي صلى الله عليه وسلم على النساء من شدة الاهتزاز والسرعة على ظهر الإبل، فناداه برفق ورحمة قائلاً: رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رَفْقًا بِالْقَوَارِيرِ، مشبهاً النساء بالأواني الزجاجية الرقيقة (القوارير) في سرعة تأثرهن ورقة قلوبهن، داعياً إلى حمايتهن من أدنى مشقة أو اهتزاز.
ولم يُؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضرب امرأة قط ولا أذاها بكلمة، ليبقى هداه حجة ساطعة بأن أي ممارسة تُلحق الأذى والتعذيب أو تُسقط الحقوق الشرعية والميراثية عن المرأة، إنما هي خروج صريح عن الشريعة ونقض لأمانة الاستوصاء بالنساء.
ثم جاء تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على التماسك الاجتماعي قائلًا: “إنما المؤمنون إخوة وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مَالُ أَخِيهِ إلا عن طيب نفس منه…”. وقد ضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في حماية مال الغير والأمانة. فحين هاجر إلى المدينة ترك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليرد الودائع والأمانات إلى قريش الذين كانوا يناصبونه العداء ويطلبون دمه. ولكن الواقع اليوم ينطق بتفكك أواصر هذه الأخوة، حيث استشرى الاحتيال المالي، والرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، والغش التجاري، وأصبح الناس يتربصون بأموال بعضهم البعض بلا حياء ولا إيمان. ونرى هذه الانتهاكات اليومية في جرائم الاحتيال المالي الهرمي والاستثماري الوهمي، والاستيلاء على الأراضي والعقارات بالوثائق المزورة، والاستهانة بأموال الأيتام وأكلها، واستغلال حاجة الناس والاحتکار وتشفير الأسعار في أوقات الأزمات والحروب.
وإذا كان التعدي على المال والذمم قد فتح ثغرة في جدار الأخوة الفردية، فإن التمادي في التفرق قد أفضى بالأمة إلى هاوية أعمق وخصومة أخطر وفي تحذير يمس وحدة الأمة، حذر الرسول صلى الله عليه وسلم قائلًا: “فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه…”. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسارع فوراً لإطفاء أي فتنة يرفع فيها المسلم السلاح بوجه أخيه، كما فعل حين تداعوا بيوم “بعاث” وكادوا يقتتلون، فخرج إليهم ينادي: “أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟”. وتتضاعف مرارة الحسرة ونحن نرى الأمة قد تفرقت شيعاً وأحزاباً، يقتل المسلم أخاه المسلم في نزاعات طائفية وسياسية لا تنتهي، في خرق صارخ للدستور الخالد الذي تركه لنا الهادي البشير. ويتجسد هذا الموقف المؤلم في الحروب الأهلية والنزاعات الإقليمية التي تضرب دولاً مثل اليمن وسوريا والسودان، والاقتتال بين الفصائل والأحزاب التي ترفع شعارات إسلامية، والتحريض المذهبي والطائفي المستمر على القنوات الفضائية والمنصات الرقمية لتبديع وتكفير وتخوين المسلمين لبعضهم البعض.
وحين نصطدم بالواقع الإنساني المتجرد من التقوى، ندرك كم نحتاج إلى استحضار المبدأ الأزلي للمساواة الذي أرساه النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف ليعلن: “أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد… وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى”. ولقد تجسد هذا المبدأ العملي حين رفع صلى الله عليه وسلم شأن بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، ليضعهم في صدارة صحابته وأهله، محطماً بذلك كبرياء سادات قريش وعنصريتهم.
إلا أن الواقع المعاصر يعكس مفارقة واسعة مقارنة بهذا الإرث النبوي، حيث تتبدى في البنى الاجتماعية والتشريعية أنماط من التراتبية والتمييز القائم على العرق، أو اللون، أو المنبت الاجتماعي. وتتجسد هذه الفجوة في ممارسات مؤسسية وعملية؛ أبرزها ظروف العمالة الوافدة وتحديات حماية حقوقها الأساسية، فضلا عن التمييز المنهجي تجاه المكونات المهمشة. كما تظهر في التعامل مع أزمة اللاجئين والمهجرين قسراً، حيث تُختزل قضاياهم الإنسانية أحياناً في أبعاد ديموغرافية أو إدارية بحتة، بعيداً عن المبدأ القاضي بأن التفاضل محصور بالتقوى لا بالانتماءات العصبية.
ولا يقتصر هذا النمط على الإطارات الهيكلية الكبرى، بل يمتد ليتغلغل في مفاصل الحياة المهنية والاجتماعية؛ حيث تُدار مناصب النفوذ، وتُحسم مواقع القرار وفرص العمل وفق شبكات المحسوبية، والمصالح الضيقة، والتفاخر بالانتماءات والأصول، في تراجع واضح عن المعيار الأخلاقي الجامع الذي أقام النبي صلى الله عليه وسلم عليه بنيان أمته، متجاوزين مقياس الاستحقاق والتقوى إلى تراتبيات بيروقراطية واجتماعية مستحدثة.
اختتم النبي صلى الله عليه وسلم الوصايا بتحديد أحكام الميراث والأنساب ومنع الجنف والظلم فيها حين قال: “إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث…”. وكان صلى الله عليه وسلم يرفض أن يفرّق في العطية بين أولاده أو يفضل أحداً على أحد كما في حديث النعمان بن بشير. بينما يشهد واقعنا المعاصر تكرار الانتهاكات من خلال سلب حقوق الضعفاء والنساء في التركات، والتلاعب بالوصايا للإضرار بالورثة الشرعيين، واختلاط الأنساب أو الطعن فيها. ونشاهد ذلك عملياً في العادات القبلية والمجتمعية التي تحرم النساء نهائياً من ورثة الأراضي والعقارات وحصرها في الذكور، وكتابة الآباء لممتلكاتهم كعقود بيع وشراء صورية لأحد الأبناء لإحرام الباقين، وتفشي إدعاء الأنساب والتزوير في شجرات العائلات لأهداف اجتماعية أو مادية.
إن المقاربة التأملية بين ميثاق الوداع وإشكاليات الحداثة المتأخرة تكشف عن أزمة بنيوية تجاوزت إطار الخطر الفردي لتصيب النسق الأخلاقي والمؤسسي للإنسان المعاصر في صميم بنيته. فحين تتآكل الأنساق الضامنة للعدالة، وتُختزل الروابط الإنسانية في معادلات النفعية التقنية، وتتراجع أخلاقيات الرعاية والمسؤولية، تغدو العودة إلى “الوصية النبوية” ضرورة وجودية ومعرفية، لا مجرد استدعاء تاريخي عابر. فهذا الميثاق الخالد يتجاوز مفهوم المدونة التشريعية الضيقة ليمثل نموذجاً إبستيمولوجياً وأخلاقياً متكاملاً؛ يعيد الاعتبار لكرامة الإنسان، ويفكك تراتبيات الإقصاء والاستغلال، ويطرح الإجابة الجوهرية عن مأزق المعاصرة: كيف تتصالح التقنية مع منظومة القيم، وكيف يستعيد الوجود الإنساني معناه الأصيل في مواجهة اغترابه الحديث؟
لماذا سقطنا في فخ الانتهاك؟
إن التصدع البنيوي في واقعنا المعاصر لا ينفصل عن أزمة أنطولوجية ومعرفية أعمق تعرضت لها الأمة حيث تفاعلت عوامل مركبة أعادت تشكيل الوعي والبوصلة الأخلاقية. وتنبع هذه الأزمة من تداعيات الهزيمة النفسية والتبعية الحضارية التي أفضت إلى استبدال المنسق القيمي الشامل للوصية النبوية بأنظمة مادية وافدة هيمن فيها منطق المنفعة المجردة والربح السريع ليغدو هو المحرك الأكسيولوجي للفعل الإنساني والاجتماعي. يضاف إلى ذلك الانفصام البنيوي الخطير بين الإيمان والأخلاق إذ جرى اختزال الدين في أبعاده الشعائرية والشكلية البحتة في حين أُفرغت المعاملات اليومية والمنظومة المؤسسية من روح التقوى الحية ومراقبة الله مما أنتج قطيعة بين الانتماء العقدي والسلوك الميداني. وتتكامل هذه الحلقات مع طغيان النزعة الفردانية المفرطة وثقافة الاستهلاك التي تضخها آليات الإعلام المعاصر وهو ما أدى إلى تفكيك روابط التضامن العضوي وتقويض مفهوم الجسد الواحد لتذوب الروابط الإنسانية الكبرى في أتون الأنانيات المشتتة.
ولا يتأتى هذا التجاوز عبر الارتداد الحنيني إلى الماضي، بل ينبثق من استعادة واعية لمقصدية الميثاق المحمدي المتمثل في قوله – صلى الله عليه وسلم – :تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنة نبيه…. وينبع هذا النهج من يقظة الوعي الفردي وتحمل المسؤولية الأخلاقية المباشرة حيث يشرع الكائن في إسقاط إحداثيات خطبة الوداع على مجريات وجوده اليومي ومجاله الحيوي بدءاً من منظومة علاقاته المباشرة وصولاً إلى ممارساته الاقتصادية والمهنية في رفض صارم لآليات الاستغلال والربا والعنصرية. ولا يقتصر مسار التجاوز على دائرة الوعي الفردي بل يستوجب إعادة هندسة جذرية للخطابين الديني والتربوي لتتحول المعرفة من أطرها التجريدية إلى فقه حي يعلي من شأن المعاملات ويحرس حرمة الدماء والأعراض والأموال ويفكك عرى العصبية والتراتبيات الطبقية. إن هذا التأسيس يقتضي بالضرورة بناء صروح مؤسسية عادلة تضمن صون الكرامة الإنسانية وتحمي الحقوق لتغدو العودة إلى الميثاق النبوي استعادة ضرورية للبوصلة الأخلاقية والوجودية التي من دونها تظل الأمة رهينة للتشتت والضياع في مهب التيه المعاصر.
إن الإرث الوارد في ميثاق الوداع لا يمثل مجرد نصوص تاريخية طوية في سجلات الماضي، بل يغدو اليوم مرآةً حادة تكشف عمق المأزق الحضاري الذي نكابده جراء مفارقتنا لمرتكزاته الأصيلة. إن مشاعر الأسى واليقظة النقدية التي تختلج في الوجدان حيال هذا التراجع لا ينبغي أن تُختزل في عاطفة عابرة أو استغراق عاطفي، بل هي نداء وجودي صارخ يستنهض الوعي للعودة الجذرية إلى تلك المبادئ الكلية التي أضاءت أفق التاريخ وأسست لنموذج إنساني فريد.
هكذا تصبح العودة إلى روح الوصية استعادةً حية للبوصلة الأخلاقية والوجودية؛ لكي يبرأ الإنسان المعاصر من اغترابه، ويستعيد المجتمع مقاصده في العدل والكرامة والرعاية، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.