لا حصن يحميك من الموت.. ولا حيلة تنجيك من الأجل
26 أكتوبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم د/ مدحت عــلي أحمد وِربي من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية.
كيف نهرب من الموت ؟!
الحمد لله الحي الذي لا يموت ، القيوم الذي لا ينام ، والصلاة والسلام سيد الأنام ، الداعي إلى دار السلام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان . هل يمكن لنا الهروب من الموت ؟
قال الله تعالي: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) ﴾ [ الملك : 2] .
وقال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185)﴾ [آل عمران: 185].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) ﴾ [لقمان: 34].
وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [النحل: 61].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 30].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: 16].
قال البغوي في هذه الآية : “﴿ قُلْ ﴾ لهم:﴿ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ﴾ الذي كُتب عليكم؛ لأن من حضر أجله مات أو قتل، ﴿ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي: لا تمتعون بعد الفرار إلا مدة آجالكم وهي قليل”[“تفسير البغوي” (6 / 333)].
نتعلم من الآيات الكريمة ؛ أنه لا هروب ولا مفر من الموت وأن الموت كأس كل الناس شاربه ،وأن الحذر من الموت لا يُنجي من الموت.
ومن الأمثال السائرة: “«لا موت إلّا بأجل»و”لكل حي أجل”«الأمثال المولدة» (ص103).
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ : وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ»!( البخاري/7/ 117).
الخليفة العباسي الواثق بالله لما حضرته الوفاة، جعل يردِّد هذَين البيتين:
الموت فيه جميع الناس مُشتركُ :لا سوقة منهم تبقى ولا مَلِكُ
ما ضرَّ أهلٌ قليل في تفاقرهم :وليس يُغني عن الأملاك ما ملَكوا
ثم أمر بالبسط فطُويت، وألصق خذه في الأرض وجعل يقول: يا مَن لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه[“الكشكول” (2 / 147)].
قال القرطبي: “وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سنٌّ معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم؛ وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعدًّا لذلك”[ التذكرة / ص: 124).].
ﺳﺄﻝ رجل بحارا : كيف تتحمل هذا العمل المرعب ﺃﻳﻦ ﻣﺎﺕ ﺃﺑﻮﻙ !؟ ﻗﺎﻝ : ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ ، ﻓﺴﺄﻟﻪ : و ﺃﻳﻦ ﻣﺎﺕ جدك !؟ ﻗﺎﻝ : ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ، ﻓﺼﺮﺥ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻣﺴﺘﻐﺮﺑﺎً : ﻭﺗﺮﻛﺐ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺑﻌﺪ ﻫﺬﺍ !؟؟
ﺇﺑﺘﺴﻢ ﺍﻟﺒﺤﺎﺭ ﻭﺭﺩ ﺑﺎﻟﺴﺆﺍﻝ ﻧﻔﺴﻪ : ﻭﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﻫﺬﺍ ﺃﻳﻦ ﻣﺎﺕ ﺃﺑﻮﻙ !؟ ﻗﺎﻝ : ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺍﺷﻪ في البيت . قال : وأين مات ﺟﺪﻙ !؟ ﻓﺄﺟﺎﺏ : ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺍﺷﻪ وعلي سريره وفي وسط أولاده ..
ﻓﺎﻟﺘﻔﺖ ﺍﻟﺒﺤﺎﺭ إليه قائلا :ﻭﺗﻨﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺮﺍﺵ ﺑﻌﺪ ﻫﺬﺍ!؟.
الموت:عاقبة كلِّ حيّ، وخِتام كلِّ شيّ، ونهاية كلِّ موجود ، يستوي فيه المالك والمملوك، فهو سنَّة الله في خَلقه، ولن تجد لسنَّة الله تبديلاً ، قال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (26) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (27) ﴾ [الرحمن: 26، 27]. فالكلُّ سيموت، غير ذي العزَّة والجبروت.
هل سمعتم عن المليونير الهارب من الموت : كان هناك مليونير.. دخل السجن وذلك ؛ تمهيداً لإعدامه لجريمة قتل قام بها كما قال تعالي:﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) ﴾ (البقرة :179).
ولأن السجين مليونيرا فقد قرر رشوة حارس السجن ليقوم بتهريبه من جزيرة السجن بأي طريقة وبأي ثمن .
فأخبره الحارس أن الحراسة مشددة جداً وأنه لا يغادر الجزيرة أحد إلا في حالة واحدة وهي الموت – توابت الموتي -ولكن الإغراء بالملايين جعل حارس السجن يبتدع طريقة غريبة لكن لا بأس بها للهرب.
وأخبرالمليونير بها وهي كالتالي:
أن الشيء الوحيد الذي يخرج من جزيرة السجن بلا حراسة هي توابيت الموتى الذين تم إعدامهم ؛ ليتم دفنها بالمقابر، والتوابيت تنقل يومياً في العاشرة صباحاً في حالة وجود موتى .
والحل الوحيد هو أن تلقي بنفسك في أحد التوابيت مع الميت الذي بالداخل، وحين تصل المقابر، ويتم دفن التابوت. سأكون في إجازة هذا اليوم إجازة طارئة ، وآتيك بعد نصف ساعة لإخراجك ،وبعدها تعطيني ما اتفقنا عليه من الأموال .
وبعدها تختفي أنت، وسيظل اختفاؤك لغزاً ؛ المهم تكون هربت من الأعدام والموت ، فما رأيك..؟
فكر المليونير وأيقن أن الخطة عبارة عن مجازفة مجنونة ؛ لكنها تظل أفضل من الإعدام ! فوافق علي الخطة واتفقا على الموعد المحدد وأن يتسلل لدار التوابيت ويرمي نفسه بأول تابوت ، كان محظوظاً وحدثت حالة وفاة..! وتوجه المليونير لتوابيت الموتي، ووجد تابوتين من حسن حظة..
في البداية أصابه الهلع من فكرة الرقود فوق ميت لمدة ساعة تقريباً ولكن حب الحياة والبقاء غريزة ؛ لذلك فتح التابوت ورمى نفسه مغمضاً عينيه حتى لا يصاب بالرعب ونام مع الميت ،وأغلق التابوت بإحكام وانتظر حتى سمع صوت الحراس يهمون بنقل التوابيت لسطح السفينة ، وبعد قليل بدأ يشم رائحة البحر وهو في التابوت وأحس بحركة السفينة فوق الماء ؛ حتى وصلوا فعلاً إلي اليابسة والمقابر، ثم شعر بحركة التابوت وتعليق أحد الحراس عن ثقل هذا الميت الغريب ! شعر بتوتر وخوف قليل ، ثم تلاشى هذا التوتر عندما سمع حارساً آخر يطلق هيا بنا ننصرف ، فارتاح قليلاً ،وبدأ يشعر بنزول التابوت. وصوت الرمال تتبعثرعلى غطائه وانصرف الحراس .
المليونير الآن وحيد مدفون على عمق ٣ أمتار مع جثة رجل ميت غريب وظلام حالك في القبر والتنفس أصبح صعباً ويزداد صعوبة مع مرور كل لحظة تمرعليه .
المليونيريقول لنفسه تحملي قليلا ، وهو لا يثق بالحارس ولكنه يثق بحب الحارس للملايين التي وعده بها .
بدأ التنفس يتسارع ويضيق ويضيق والحرارة خانقة ؛ مضت عشرة دقائق تقريباً وما بقي إلا القليل وبعدها سيتنفس الحرية ويرى النور مرة أخرى وبعد لحظات قليلة بدأ يختنق من قلة الأوكسجين .
وبدأ في السب ويقول : أين ذلك الغبي لم يأت بعد وسمع صوتاً بعيداً جداً فقال : لا بد أنه الحارس ؛ لكن الصوت تلاشى وبدأ يشعر بنوبة من الهستيريا تجتاحه .
فأخرج الولاعة ليتأكد من الساعة ؛ لقد مرأكثر من ٤٥ دقيقة..!!!
فأصيب الرجل الهلع والخوف ، وقبل أن يطفىء الولاعة خطر له أن يرى وجه الميت.
التفت برعب وقرب الولاعة لوجه الميت وكانت المفاجأة الكبيرة؛ الميت هو الحارس نفسه..!!!!
والحارس هو الشخص الوحيد الذي يعلم أنهُ هنا في تابوت تحت ثلاثة أمتار ، فمات المليونير وقد هرب من الموت ليموت بهذه الطريقة ..
والعبرة أحبتي : أن الموت قَضاء نافِذ، وحُكم شامل، وأمر لازم، لا تمنع منه حَصانة ولا ينفع معه هروب كما قال العزيز الوهَّاب:﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78].
إذا فالإنسان لا يدري بأي أرض يموت! هل يموت بأرضه، أو بأرض بعيدة عنها، أو قريبة منها، أو يموت في البحر، أو يموت في الجو؟ لا يدري، ولا يعلم ذلك إلا الله.
فإذا كنا أنا وأنت لا ندري بأي أرض نموت ، ولا يُمكننا الهروب من الموت ولا مما نموت ولا كيف نموت ، فإذا كنا كذلك، فلنقصر الأمل، ولنستعد للموت في كل لحظة ولا تقل: أنا شاب وسوف أبقى زمانًا طويلاً؛ فكم من شاب مات في شبابه، وكم من شيخ عمِّر! ولا تقل: إني صحيح البدن والموت بعيد؛ فكم من إنسان مات بغتة! .
قال العلماء: ينبغي لكل عاقل أن يكون شديدَ الخوف من عذاب ربه، وأن يُكثرمن ذكرَ الموت في جميع أحواله، وأن يكون أجلُه بين عينيه، فيقصر أمله، ويبادر إلى التوبة، ويتحلل من مظالم الناس خوفًا من فجأة الموت؛ فإن اللَّه -تعالى- لم يجعل للموت وقتًا معينًا، ولا علامةً معلومة، حتى يَأْمَنَ من هجومه قبلها، فكم من صحيح فَجَأَه الموت، ومريضٍ طالَ مرضُه، ثم عوفي، وأنشد في ذلك:
تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلًا فَمَا تَدْرِي : إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى الْفَجْرِ
فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ :وَكَمْ مِنْ عَلِيلٍ عَاشَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ
إذا كيف يطمئن عاقل إلى الدنيا، والموت قادم لا محالة ، وهو أمر مشاهَد لا ينكره مؤمن ولا كافر، قال اللَّه -تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
قال الحافظ الذهبي: حدث في عام 634هـ “سنة أربع وثلاثين وستمائة: قصد جماعة عيادة مريض ببغداد، فطلعوا وجلسوا عنده على مشرفة، فانخسفَت بهم، فماتوا جميعًا سوى المريض، وكانوا سبعة”[“تاريخ الإسلام” (46 / 17)].
ذكرت أحد الجرائد :
أن شابًّا في دمشق حجز ليسافر، وأخبر والدته أن موعد إقلاع الطائرة في الساعة كذا وكذا، وعليها أن توقظه إذا دنا الوقت، ونام هذا الشاب، وسمعت أمه الأحوال الجوية في أجهزة الإعلام، وأن الرياح هوجاء وأن الجو غائم، وأن هناك عواصف رمليةً، فأشفقت على ولدها ووحيدها وبخلَت بابنها وخافت عليه من الموت، فما أيقظته أملاً منها أن تفوته الرحلة؛ لأن الجو لا يساعد على السفر، وخافت من الوضع الطارئ، فلما تأكدت من أن الرحلة قد فاتت، وقد أقلعت الطائرة بركابها، أتت إلى ابنها توقظه فوجدته ميتًا في فراشه. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) ﴾[الجمعة: 8].
فرَّ من الموت وفي الموت وقع ،وقد قالت العامة: “للناجي في البحر طريق” ، وإذا حضر الأجل فأي شيء يقتل الإنسان .
وذكر فضيلة الشيخ علي الطنطاوي في بعض دروسه: أنه كان بأرض الشام رجل له سيارة لوري، فركب معه رجل في ظهر السيارة، وكان في ظهر السيارة نعشٌ مهيَّأ للأموات، وعلى هذا النعش شراع لوقت الحاجة، فأمطرت السماء وسال الماء فقام هذا الراكب فدخل في النعش وتغطَّى بالشراع، وركب معه راكب آخر فصعد في ظهر الشاحنة بجانب النعش، ولا يعلم أن في النعش أحدًا، واستمر نزول الغيث، وهذا الرجل الراكب الثاني يظنُّ أنه وحده في ظهر السيارة، وفجأةً خرج هذا الرجل من النعش، فأخذ هذا الراكب الثاني الهلع والجزع والخوف، وظن أن هذا الميت قد عاد للحياة حيًّا، فنسي نفسه وأخذه الخوف والهلع وسقط من السيارة، فوقع على أم رأسه فمات ، وهكذا كتب الله أن يكون أجل هذا بهذه الطريقة، وأن يكون الموت بهذه الوسيلة.
قال لقمان لابنه: “يا بني، أمرٌ لا تدري متى يلقاك، استعدَّ له قبل أنْ يفجاك” ، وكان أبو حازم يقول:انْظُرْ كُلَّ عَمَلٍ كَرِهْتَ الْمَوْتَ لأَجْلِهِ فَاتْرُكْهُ وَلا يَضُرُّكَ مَتَى مِتَّ.