(1)العفة والعفاف
21 أكتوبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم / الدكتور : ابوبكر الجندى
امام بوزارة الاوقاف
هناك أفعالٌ لا يقبلها الإنسان من الناس على نفسه أو على أهل بيته بالفطرة، فلا يفعلها مع الآخرين أو أهليهم بالعقل أيضاً، والامتناع عن إضرار الغير اسمه العفة.
والعفة هي: ضبط النفس وقمعها عن الشهوات واللذات المحرمة، والكف عما لا يحل شرعاً أو عُرفاً، ومن ذلك: حفظ الفرج واللسان والبطن.
ولقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعادلة العقلية، حتى يمنع العقلُ الإنسانَ عما يشتهيه القلب من الحرام والممنوع، فحينما سأل شاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في الزنا، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة والإقناع ومخاطبة العقل والفطرة، وقال: “أتحبه لأُمِّك؟” قال: لا، قال: “ولا الناس يحبونه لأُمَّهاتهم”، قال: “أفتحبه لابنتك؟” قال: لا والله يا رسول الله، قال: “ولا الناس يحبونه لبناتهم”، قال: “أفتحبه لأختك؟” قال: لا، قال: “ولا الناس يحبونه لأخواتهم”، قال: “أفتحبه لعمتك لخالتك؟” قال لا، قال: “ولا الناس يحبونه لعماتهم ولا لخالاتهم”، وكان يكفي قوله صلى الله عليه وسلم: “أتحبه لأمك؟”، لكنه عَدَّدَ مَحَارِمه زيادة في إقناعه.
وفي قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فتوسل أحدهم ببر الوالدين، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني، وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
فالعفة والطهارة رصيد للإنسان ينجيه من المهالك الدنيوية، وكذلك من مهالك يوم القيامة حينما تدنوا الشمس من الرؤوس ويغرق كثير من الناس في عرقهم، لكن أهل العفة في ظل عرش الرحمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال النبي صَلى الله عليه وسلم: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، … ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله”، ومن هؤلاء الأنقياء نبي الله يوسف عليه السلام الذي راودته امرأة العزيز {عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ}[يوسف: 23]، فمراقبة الله هي التي تمنع الشريف من الوقوع في الرذيلة.
كذلك العفة والطهارة مكسب كبير ومغنم عظيم كما قال النبي صَلى الله عليه وسلم: “من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة”، بل أهل العفة والعفاف {هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[المؤمنون: 10، 11].
ومن أهم أسباب العفة الزواج، كما حثَّ النبي صَلى الله عليه وسلم شباب أمته على المبادرة إليه وعدم التأخير، فقال: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج…”، ومن لم يقدر فعليه الصيم فهو له وجاء وحماية، كما قال الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[النور: 33]، وقد وعد الله على لسان نبيه صَلى الله عليه وسلم من تزوج يريد العفاف بالمعونة: “ثلاثة حقٌ على الله عونهم: الناكح الذي يريد العفاف”.