23 أكتوبر، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال السادس والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
من التعليم إلى النفوذ السياسي:
لم يكن الهدف النهائي للأديرة والمدارس التبشيرية مجرد نشر ثقافة مختلفة أو تعليم لغة أجنبية أو حتى جذب بعض الأفراد إلى العقيدة المسيحية كما قد يتبادر إلى الأذهان. ذلك كان مجرد السطح المعلن، أما العمق فكان أبعد من ذلك بكثير: صناعة طبقة كاملة من النخب، سياسية وثقافية واقتصادية، تدين بالولاء للغرب، وتكون جسرًا يربط مصالحه بالمجتمعات الشرقية، حتى يصبح الاستعمار جزءًا من البنية الداخلية لهذه البلاد، لا قوة خارجية فحسب.
لقد بدأ الأمر ببساطة: طفل صغير يدخل مدرسة تبشيرية ليتعلم القراءة والكتابة، يواجه مدرسين أجانب يلقنونه منذ الصغر أن التقدم مرتبط بأوروبا، وأن الانتماء للعالم الحديث يعني الانتماء لقيم الغرب. هذا الطفل، بعد عشرين عامًا، يصبح طبيبًا أو قاضيًا أو ضابطًا أو صحفيًا أو وزيرًا. وعندما يتسلم موقعه في الدولة، فإنه يتصرف كما تعلم: يُعلي من شأن الغرب، يُقلد نموذجه بلا وعي، ويحتقر هويته الأصلية التي صُوّرت له في المدرسة على أنها تخلف وظلامية. وهكذا تتحول المدرسة إلى مصنع زمني بعيد المدى: تُغرس البذور اليوم لتقطف الثمار بعد جيل كامل.
وحين ننظر إلى تاريخ القرن العشرين في بلادنا، نجد أن كثيرًا من الذين قادوا الوزارات الأولى بعد الاستعمار، أو جلسوا على مقاعد البرلمانات، أو ترأسوا الصحف الكبرى، أو أسسوا الجمعيات الثقافية، كانوا خريجي تلك المدارس التبشيرية أو الجامعات التي أنشأتها البعثات. لقد صُنعوا هناك بوعي شديد ليكونوا وكلاء داخليين، لا يحتاج الغرب أن يفرض عليهم قراراته بالقوة، لأنهم في الأصل متطوعون لتنفيذ أجندته، معتقدون أنها السبيل الوحيد إلى “النهضة”.
إن النفوذ السياسي لم يأتِ فجأة، بل بُني عبر قنوات محكمة. أولها التعليم، وثانيها شبكات البعثات التي تابعت هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم، وقدمت لهم المنح والدعم، وربطتهم بالجامعات الغربية. وهكذا تكوّنت شبكة واسعة من النخب، تتحرك في كل بلد، لكنها مرتبطة بخيط غير مرئي بمراكز القرار في باريس ولندن وروما. لقد كانت هذه الشبكات بمثابة أحزاب ظل تتحرك باسم الوطنية، لكن قراراتها تصب دائمًا في مصلحة المستعمر.
ولأن النفوذ لا يكتمل إلا بالإعلام، فقد اهتمت المدارس التبشيرية بتخريج كتاب وصحفيين يملكون القلم واللسان. هؤلاء كانوا أخطر من السياسيين أحيانًا، لأنهم صنعوا الخطاب الثقافي الذي أقنع الجماهير أن الغرب نموذج يُحتذى، وأن الإصلاح يعني التغريب، وأن الانتماء للأمة فكرة قديمة يجب تجاوزها. لقد صنعوا جدارًا نفسيًا بين الأجيال الجديدة وتراثها، حتى صار كثير من المثقفين أبناء جلدتنا لكنهم يفكرون بعقل أوروبي صرف.
وهكذا نرى أن الحركات التبشيرية لم تكتفِ بزرع مدارسها وأديرتها، بل بنت من خلالها جيوش ظل فكرية وسياسية، تتحكم في مفاصل الحكم والإدارة. وحين خرج الاستعمار العسكري من الباب، دخل الاستعمار الثقافي والفكري من النافذة، عبر هؤلاء الوكلاء الذين حكموا بلادهم باسم الوطنية، بينما كانوا يرسخون التبعية للغرب.
إن أخطر ما في هذه العملية أن النخب الموالية للغرب لم تكن دائمًا خائنة بوعي، بل كانت مقتنعة فعلًا أن ما تفعله هو الصواب. فقد بُرمجت منذ طفولتها على أن لا خلاص إلا بالغرب، وأن كل ما هو محلي بدائي متخلف. وهنا يكمن سر قوة جيوش الظل: أنها لا تفرض نفسها بالقوة، بل تصنع وكلاءً يظنون أنهم يعملون بحرية بينما هم في الحقيقة أدوات لتنفيذ خطة مرسومة.
وبهذا يكتمل مشهد الفصل الثالث: الأديرة كانت مراكز تجسس روحي، والمدارس كانت مصانع عقول متغربة، ومنهما خرجت نخب سياسية وثقافية واقتصادية شكّلت الطابور الخامس الحديث، الذي حمى مصالح الغرب حتى بعد زوال الاحتلال المباشر. لقد انتقل الاختراق من الحقل الديني إلى الحقل التعليمي، ومن التعليم إلى النفوذ السياسي، حتى صار الاستعمار ذاته مؤسسة داخلية لا يُرى جنديها ولا تُرفع راياتها، لكنها تحكم وتقرر.