حين يأتى موت الفجأة ماذا يبقى للإنسان

بقلم  : د/ مدحت عــلي أحمد وِربي
من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية.

الموت:هوالحقيقة التي لا يستطيع أن ينكرها أحد؛المؤمن والكافروالصالح والفاجر، والموت يأتي فجأة، ولا يدري أحد من الناس متى وأين وكيف سينتهي أجله الذي كتبه الله تعالى.

قال الله سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34].

وأخبر الله تعالى أنه لن يبقى إلا ذاته العظيمة الجليلة، التي لا يلحقها الفناء أبدًا؛ قال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (26) ‌وَيَبْقى ‌وَجْهُ ‌رَبِّكَ ‌ذُو ‌الْجَلالِ ‌وَالْإِكْرامِ (27) ﴾ [الرحمن: 26، 27].

وإن من أسوأ ما قد يتعرض له الإنسان في حياته الدنيا، أن يأتيه أجَل الموت فجأةً، وعلى حين غفلة، وكان الإنسان بعيدًا عن الله تعالى، ومقصرًا في طاعات ربه جل جلاله، وموت الفجأة؛ دليل على غضب الله تعالى على هذا العبد؛ فقد أخرج الإمام أحمد عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي ‌مَوْتِ ‌الْفَجْأَةِ:” ‌أَخْذَةُ ‌أَسَفٍ “(أحمد/24/ 254 /15497) .

ومعنى ((أخذة أسف)): أي أخذ غضب، فموت الفجأة علامة على سوء خاتمة العبد؛ لأن الله تعالى قد أماته فجأة، وبدون سابق إنذار،وسيلقى هذا العبد ربه، وهو لم يتُب إلى الله تعالى من ذنوب كسبها في أيام دهره الخالية، وربما جاءه موت الفجأة، وهو مُصرٌّعلى كثير من الذنوب والمعاصي، وهو مقصِّر في كثير من العبادات والطاعات، كل هذه الأحوال توجِب غضب الله على هذا العبد الذي طال أمله في دنياه، ولم يُعد العُدة .

ولذا ينبغي على كل مسلم -مسلمة -أن يحرص على كتابة وصيته؛ وذلك بأن يوصيَ أهله وأقاربه بتقوى الله عز وجل، والحرص على طاعته، وذلك بأداء جميع العبادات على وجهها الصحيح، وعليه كذلك أن يكتبَ ما له وما عليه من الديون.
روى الشيخان عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:«عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌مَا ‌حَقُّ ‌امْرِئٍ ‌مُسْلِمٍ ‌لَهُ ‌شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ.» «البخاري» (4/ 2/2738 )(مسلم / 1627).

ذلك حتي لا يندم ويطلب التأجيل وأني له ذلك ، قال الله تعالى:﴿ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)لَعَلِّي ‌أَعْمَلُ ‌صالِحاً ‌فِيما ‌تَرَكْتُ ‌كَلَاّ ‌إِنَّها ‌كَلِمَةٌ ‌هُوَ ‌قائِلُها ‌وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾ [المؤمنون: 99، 100].

وقد علمنا يقينا أن الله تعلي كتب آجال الخلائق وأعمارهم، فلن تموت نفس حتى تستوفي أجلها الذي حدده الله لها؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145].

وإذا جاء أجَل الموت فلا يستطيع أحدٌ أن يزيد من عمره دقيقة واحدة، كما أنه لا يمكنه أن ينقص من أجله وعمره شيئًا؛ قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34].

والغالب علي الناس الفرارمن الموت وأني لنا الفرار ،قال جل شأنه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8].

وما أجمل ما أخرج البخاري عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ)؛ (البخاري/8/ 89/6416).

وما أروع ما أخرج الحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ” اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، ‌وَحَيَاتَكَ ‌قَبْلَ ‌مَوْتِكَ “»))؛ (صحيح الجامع/1077).

قال الإمام ابن الجوزي واعظا لنا في كتابه “التبصرة” يخاطبنا جميعا فيقول:”كأنَّك بالعمر قد انقرض، وهَجم عليك المرض، وفات كلُّ مراد وغرض، وإذا بالتلف قد عَرض أخَّاذا ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: 22].

شخَص فيك البصرُ وسكَن الصَّوْت، ولم يمكنك التَّداركُ للفوْت، ونزل بك مَلك الموت؛ فخرجت الروَّح وحاذى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: 22].

بلغت الروحُ إلى التَّراقِي، ولم تعرف مَن الساقي، ولم تدرِ عند الرحيل ما تُلاقي، عِياذًا بالله عياذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: 22]،ثم درجوك إلى الكفن، وحملوك إلى بيت العفَن، على العيب القبيح والأفَن، وصرت في القبر جُذاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: 22].

يا مُطلقًا نفسه فيما يشتَهِي ويريد، اذكُر موقفك بين يدي المُبدئ المعيد، وخَفْ قُبح ما جرَى فالله يرى والرقيب شهيد؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

كم من ظالمٍ تعدَّى وجار! فما راعى الأهل ولا الجار، بينا هو يعقد عقد الإصرار، حلَّ به الموت، فحلَّ من ملابسه الأزرار؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
تقطَّعت بنا جميعُ الأسباب، وهجَرَنا القرناء والأحباب ، وصار فراشنا التراب، وربما فتح لنا في اللحد باب النار؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].

أيها الغافلون، أين أحبابُكم الذين سلفوا؟ أين أقرانكم الذين رحَلوا وانصرَفُوا؟ نَدِمُوا على التفريط، يا ليتهم عرفوا هول مقام يشيبُ منه الوليد؛ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].

يا مَن جسَدُه حيٌّ وقلبه ميت، ستُعايِنُ عند الحسرات ما لا تريد؛ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].

أين مَن بنَى وشاد؟ واستطال وتأمَّر على العباد؟ ألم يسمعوا الإنذار بالموت والتهديد: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19]؟ “التبصرة” (2/ 275). بتصرف .

قال الإمام علي بن أبي طالب:
يا مَن بِدُنياهُ اِشتَغَل : وَغَرَّهُ طولُ الأَمَل

المَوتُ يَأتي بَغتَةً : والقبرُ صندوقُ العَمَل . «الحكم والأمثال » (3/ 423).
وهذا دعاء للنجاة من موت الفجأة أخرجه أبو داود عن أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ ابْنَ عَفَّانَ،عن عُثْمَانَ ابْنَ عَفَّانَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ، فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ‌لَمْ ‌تُصِبْهُ ‌فَجْأَةُ ‌بَلَاءٍ، ‌حَتَّى ‌يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ»، وَقَالَ: فَأَصَابَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، الْفَالِجُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: «مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا»(أبي داود/4/ 323 /5088).

وقال يزيد الرقاشي : يا من القبر مسكنه، وبين يدي الله موقفه، والنار غدًا مورده، ماذا قدمت لنفسك؟ ماذا أعددتَ لمصرعك؟ ماذا أعددت لوقوفك بين يدي ربك؟”.

إن موت الفجأة جرسُ إنذار لنا جميعًا؛ لعلَّنا أن نستيقظ من غفلتنا، وأن نتنبه من رَقْدتنا؛ ومن أصدق من الله القائل: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1].

أسأل الله أن يحسن خاتمتنا، وأن يتولى أمرنا، وأن يقِيَنا وإياكم الحوادث المفاجئة، والمصائب المروعة، إنه أرحم الراحمين .