اختلاف السياسة لا يُسقط أخوّة الدين

بقلم : أ . سيدة حسن 

ما أكثر كلامنا عن أعداء الأمة، وما أقل حديثنا عن جراحها التي نصنعها بأيدينا.

كل يوم تتسع الفجوة بين دول وشعوب تجمعها القبلة واللغة والتاريخ، وتتحول الخلافات السياسية إلى خصومات، ثم تتسلل إليها لغة المذاهب والطوائف، فيصبح الخلاف على المصالح كأنه خلاف على الدين.

وهنا يأتي السؤال الأصعب:
هل كل هذه الصراعات دينية حقًا، أم أن السياسة والمصالح والنفوذ تلعب دورًا أكبر مما نظن؟

الإسلام لم يطلب منا أن نتفق في السياسة، لكنه وضع للخصومة أخلاقًا، وللقوة مسؤولية، وللحكم أمانة. فالاختلاف لا يبيح الظلم، والخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية بين الشعوب.

قال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

فحتى حين نختلف، لا يسقط العدل.

والمؤلم أن يدفع الإنسان العادي ثمن صراعات لا يملك قرارها، وأن تتحول الشعوب إلى وقود لخلافات تتجاوز مصالحها وحاجاتها.

وقد دفعت أمتنا عبر تاريخها ثمن الفتن غاليًا؛ ولم تكن الفتنة يومًا مجرد خلاف في الرأي، بل كانت حين تتحول الخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى صراع، والصراع إلى تمزيق للنسيج الذي يجمع الناس.

والأخطر أن ننشغل ببعضنا إلى الحد الذي نفقد معه القدرة على رؤية الصورة الأكبر. فليس كل من نختلف معه عدوًا، وليس كل خلاف سياسي مبررًا للكراهية، لكن العدو الحقيقي لا يحتاج أكثر من أمةٍ مشغولة بنفسها حتى يزداد نفوذه وتضعف قدرتها على حماية مصالحها.

لذلك لا يكفي أن نسأل: من المخطئ؟
بل علينا أن نسأل أيضًا: من المستفيد من استمرار الفرقة؟ ومن يدفع ثمنها؟

فالسياسة حين تنفصل عن الأخلاق قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تترك وراءها جراحًا في الشعوب.

وحين تكثر الفتن وتختلط المصالح بالرايات، يصبح حفظ القلب من الكراهية، والعقل من التضليل، والوطن من صراعات الآخرين، مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الدفاع عنه.

قد تختلف الدول، لكن لا ينبغي أن تتحول الشعوب إلى أعداء.
وقد تختلف المذاهب والمواقف، لكن لا ينبغي أن تضيع البوصلة.

ففي النهاية، ليست قوة الأمة في أن تتشابه، بل في أن تعرف كيف تختلف دون أن تهدم ما يجمعها.

فلا تجعلوا اختلاف السياسة يفسد أخوّة الدين، ولا تسمحوا للفتنة أن تجعل المسلم يرى أخاه عدوًا قبل أن يسأل: إلى أين يقودنا هذا العداء؟