متي يكون الفقر جميلا ؟

بقلم : د / مدحت علي أحمد وربي .

هل يمكن للفقر أن يكون جميلا ؟

كيف يكون الفقر جميلا ، وقد إستعاذ الحبيب الكريم من الفقروالكفر معنا وهما قرينان !!!

كما جاء في الصحيح «اللَّهُمَّ إِنِّي ‌أَعُوذُ ‌بِكَ ‌مِنَ ‌الْكُفْرِ ‌وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»«الأدب المفرد » (ص244).

والجواب ؛ لا يكون الفقرجميلا إلا في حالة واحدة وهي : الافتقارإلى الله وحده ، وهو مقام عالٍ لا يصل إليه العبد إلا بعد مجاهدة كبيرة ، والطرق إلي ذلك كثيرة؛ منها الحب والعبودية، والدعاء، والاستعانة والإستغاثة والتوكل علي الله ،وعندها يظهر الافتقار، وإذا علِم العبد أنه لا غِنى له عن ربِّه تعالى، فيصبح مستغنيًا بربه عن غيره. والحقيقة الواضحة التي لا مراء فيها؛أننا كنا عدما والكون هو الكون، والناس هم الناس؛ وهكذا الحال سيكون بعد موتنا، فلا افتقرت الموجودات إلى وجودنا سابقاً، ولن يختل نظامها بموتنا لاحقنا .

وهذه الحقيقة نص عليها القرآن بقوله: ﴿ ‌هَلْ ‌أَتى ‌عَلَى ‌الْإِنْسانِ ‌حِينٌ ‌مِنَ ‌الدَّهْرِ ‌لَمْ ‌يَكُنْ ‌شَيْئاً ‌مَذْكُوراً (1) ﴾ [الانسان:1].

وقال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) ‌أَوَلا ‌يَذْكُرُ ‌الْإِنْسانُ ‌أَنَّا ‌خَلَقْناهُ ‌مِنْ ‌قَبْلُ ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌شَيْئاً (67) ﴾ [مريم:66،67]

وجاء في الحديث القدسي الصحيح، قال الله تعالى:«يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ‌ضَالٌّ ‌إِلَّا ‌مَنْ ‌هَدَيْتُهُ ‌فَاسْتَهْدُونِي ‌أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ» «مسلم» (8/ 17) .

الفقر الجميل إلي الله تعالي ؛ لذة الحياة، ومتعةَ الدنيا، وبركةَ العمر، وجمالَ العيش، وراحةَ النفس، وطمأنينةَ القلب، إنما تكون في شعورالإنسان بفقره إلى خالقه ومولاه، ودوام احتياجه إليه في كل حال وحين، ومتى ما غُرس- الفقر الجميل – في القلب فهو بداية الغنى، وحلول الرضا، وحصول التوفيق والهدى، ولا شك أنَّ جميع الخلق مفتقرون إلى الله في كل شؤونهم وفي جميع أحوالهم، وفي كل أوقاتهم،وفقرنا إلى الله فقرٌ عامٌّ تامٌّ من كل الوجوه، فنحن فقراء إليه في إيجادنا ابتداءاً، وفقراء إليه في إمدادنا بكل ما يُصلح أحوالنا، وفقراءُ إلى الله في هدايتنا وتوفيقنا وإرشادنا ، فجميع الناس فقراءُ إلى الله من كل وجه وبكل معنى، وقد نادى الله جميع الناس وأخبرهم بأنهم فقراء ؛ فقال تعالى:﴿ ‌يا ‌أَيُّهَا ‌النَّاسُ ‌أَنْتُمُ ‌الْفُقَراءُ ‌إِلَى ‌اللَّهِ ‌وَاللَّهُ ‌هُوَ ‌الْغَنِيُّ ‌الْحَمِيدُ (15) ﴾ [فاطر:15].

والآيات التي تثبت افتقارنا إلى الله عز وجل، فلنتأمل: ﴿ ‌وَرَبُّكَ ‌الْغَنِيُّ ‌ذُو ‌الرَّحْمَةِ ‌إِنْ ‌يَشَأْ ‌يُذْهِبْكُمْ ‌وَيَسْتَخْلِفْ ‌مِنْ ‌بَعْدِكُمْ ‌مَا ‌يَشاءُ ‌كَما ‌أَنْشَأَكُمْ ‌مِنْ ‌ذُرِّيَّةِ ‌قَوْمٍ ‌آخَرِينَ (133) ﴾ [الأنعام:133].

وقال تعالى: ﴿ ‌أَلَمْ ‌تَرَ ‌أَنَّ ‌اللَّهَ ‌خَلَقَ ‌السَّماواتِ ‌وَالْأَرْضَ ‌بِالْحَقِّ ‌إِنْ ‌يَشَأْ ‌يُذْهِبْكُمْ ‌وَيَأْتِ ‌بِخَلْقٍ ‌جَدِيدٍ (19) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) ﴾ [إبراهيم:19]..

وقال تعالى:﴿ ‌يُرِيدُ ‌اللَّهُ ‌أَنْ ‌يُخَفِّفَ ‌عَنْكُمْ ‌وَخُلِقَ ‌الْإِنْسانُ ‌ضَعِيفاً (28) ﴾ [النساء:29] ، فالضعف والافتقار جبلةٌ في أصل الإنسان ، وحقيقة الافتقار إلى الله تعالى أن يُجرِّد العبد قلبه من كل حظوظه وأهوائه، ويُقبِل بكليته على ربه جل وعلا متذللاً بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، معلقاً قلبه بمحبته وطاعته..

والإنسانُ مهما ملكَ فهو فقير، ومهما تعاظمَ فهو ضئيل، ومهما تطاولَ فهو هزيل، ومهما طال عمرهُ فهو قصير، ومهما قويت حيلته فهو كليل، ومهما أوتي من العلم فهو قليل.

يقول الامام الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ َقَالَ: مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ مَحْتُومُ الْأَجَلِ، ‌مَكْتُومُ ‌الْأَمَلِ، مَسْتُورُ الْعِلَلِ. يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ وَيَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ. أَسِيرُ جُوعِهِ، صَرِيعُ شِبَعِهِ تُؤْذِيهِ الْبَقَّةُ، وَتُنْتِنُهُ الْعَرَقَةُ وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ. لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا، وَلَا نَفْعًا وَلَا مَوْتًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا.فَانْظُرْ إلَى لُطْفِ الله بِنَا وغناه عنا . «أدب الدنيا والدين» (ص91). فمن لم يتشْرب قلبه حقيقة الفقر الجميل إلي ربنا الجليل، ويشعرُ بشدة الحاجةِ وعظيمِ الفاقةِ لخالقه ومولاه، فلن يعرف للعبوديةٍ معنى، ولن يجد للسعادةٍ طعماً، وهو عن البصيرة أعمى. فمتى أقرَّ الإنسان بضعفه وفقره ، كان من الموفقين، ولئن أعلن فقرهُ واحتياجه لخالقه الغني الحميد من كل وجه، فسيكفيه الله ويهديه، وبغنيه ويرشده، ويحميه ويرزقه ويكفيه.. ﴿ ‌أَلَيْسَ ‌اللَّهُ ‌بِكافٍ ‌عَبْدَهُ ‌وَيُخَوِّفُونَكَ ‌بِالَّذِينَ ‌مِنْ ‌دُونِهِ ‌وَمَنْ ‌يُضْلِلِ ‌اللَّهُ ‌فَما ‌لَهُ ‌مِنْ ‌هادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (37) ﴾ [الزمر:36]..

وقال في الحديث القدسي :«يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»«مسلم» (8/ 17).

ألا ما أجمل فقرنا إلى ربنا في كل شيء فـــ هدايتنا وصلاح قلوبنا، واستقامة أحوالنا، وزكاء أعمالنا، وصلاح أبنائنا، وسلامة أبداننا، واستتباب أمنا، واستدامة أرزاقنا ، وما أفقرنا إلى عفو ربنا ورحمته؛ لنعتق من النار، ويكتب لنا الرضوان، وسكنى الجنان..

فما أجمل الفقرلله تعالى، ولا يليق بالمؤمن إلا الفقر، و الانكسار لله تعالي ولا غني لنا عن ربنا ، ومعلومٌ أن الفقر وصفٌ ذاتيٌّ لكل مخلوق، وصفٌ لازم لنا جميعاً ، كما أن الغنى وصفٌ ذاتي للخالق جل جلاله.

فلابد أن نظهر فقرَنا وانكسارَنا بين يديه سبحانه وتعالى كما قال تعالى في قصة موسى عليه الصلاة والسلام: { فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ‌فَقالَ ‌رَبِّ ‌إِنِّي ‌لِما ‌أَنْزَلْتَ ‌إِلَيَّ ‌مِنْ ‌خَيْرٍ ‌فَقِيرٌ (24) } [القصص:24]. والطاعات مدد وأرزاق، وحينما تدخل على الملك وأنت فقير يعطيك، وإذا دخلت عليه وأنت مستعلٍ طردك ؛ فلا بد أن ندخل علي ربنا بفقرنا وضعفنا وحاجتنا .

قال الإمام ابن القيم رحمه الله : «فحقيقة الفقرأن لا تكون لنفسك، ‌ولا ‌يكون ‌لها ‌منك ‌شيءٌ؛ حتي تكون كلُّك لله ، وهذا الفقرلا تُنافيه الأملاك، فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع مُلْكهم، كإبراهيم الخليل عليه السلام كان أبا الضِّيفان، وكانت له الأموال والمواشي. وكذلك كان سليمان وداود، وكذلك كان نبيُّنا – صلى الله عليه وسلم -، كما قال تعالى: { ‌وَوَجَدَكَ ‌عائِلاً ‌فَأَغْنى(8)}[الضحى: 8]. فكانوا أغنياء في فقرهم، فقراء في غناهم. فالفقر الحقيقيُّ الجميل:يكون بدوام الافتقار إلى الله تعالى في كلِّ حالٍ، وأن يشهد العبد ــ في كلِّ ذرّةٍ من ذرّاته الظّاهرة والباطنة ــ فقره التامّ إلى الله تعالى من كلِّ حال »«مدارج السالكين» (3/ 234).

الفقرالجميل إلى الله تعالى : أن يُجرِّد العبد منا قلبه من كل حظوظ النفس وأهوائها، ويُقبل بكليته إلى ربه عز وجل متذللاً بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، متعلقاً قلبه بمحبته وطاعته.

فنحن جميعا فقراء إلى الله، والله غني عنا وعن أعمالنا، وكل ما تعمل من عمل إنما هو لنفع أنفسنا.

كان شيخ الإِسلام ابن تيمية يفتخر بفقره لربه، وبأنه عريق النسب في الفقر إلى الله، فيقول رحمه الله تعالي :

‌أَنَا ‌الْفَقِيرُ ‌إِلَى ‌رَبِّ ‌الْبَرِيَّاتِ : أَنَا الْمُسَيْكِينُ فِي مَجْمُوعِ حَالَاتِي

أَنَا الظَّلُومُ لِنَفْسِي وَهِيَ ظَالِمَتِي : وَالْخَيْرُ إِنْ يَأْتِنَا مِنْ عِنْدِهِ يَأْتِي

لَا أَسْتَطِيعُ لِنَفْسِي جَلْبَ مَنْفَعَةٍ : وَلَا عَنِ النَّفْسِ لِي دَفْعُ الْمَضَرَّاتِ

وَلَيْسَ لِي دُونَهُ مَوْلًى يُدَبِّرُنِي : وَلَا شَفِيعٌ إِذَا حَاطَتْ خَطِيئَاتِي

وَالْفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتِ لَازِمٍ أَبَدًا : كَمَا الْغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي

وَهَذِهِ الْحَالُ حَالُ الْخَلْقِ أَجْمَعِهِمْ : وَكُلُّهُمْ عِنْدَهُ عَبْدٌ لَهُ آتِي

فَمَنْ بَغَى مَطْلَبًا مِنْ غَيْرِ خَالِقِهِ : فَهُوَ الْجَهُولُ الظَّلُومُ الْمُشْرِكُ الْعَاتِي . «مدارج السالكين» (2/ 200).

وهذا أنموذج لتطبيق الفقر الجميل :« حج الخليفة “سليمان بن عبد الملك”ذات مرة ، وبينما هو يطوف بالبيت رأي”سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب”وحذاؤه المقطعة في يده وعليه ملابس لا تساوي ثلاثة دراهم وكان معه الوزراء والأمراء، فلما رأى سالماً توقف واقترب منه ليُقَبِّل يده لأنه عالم من علماء الأمة، فسحبها، فقال له سليمان: يا ‌سالم! ‌ألَكَ ‌إليَّ ‌حاجة؟

قال سالم: يا سليمان! أما تستحي من الله؟ أتعرض عليَّ المسائل في بيت الله؟ فتركه سليمان وأخذ يراقبه ولما رأه خارجًا من الحرم لحقه، وقال له: يا سـالـم أبيت أن تعرض علي حاجتك في الحرم فاسألني الآن وأنت خارجه ، قال: ألَكَ إليَّ حاجة؟

قال سـالـم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال سليمان : بل من حوائج الدنيا، أما الآخرة فلا يملكها إلا الله، قال سـالـم : والله الذي لا إله إلا هو، ما سألت حوائج الدنيا من الذي يملكها وهو الله، فكيف أسألها منك؟.«دروس القرني» (275/ 9) .

اللهم اجعلنا ‌أفقر ‌خلقك ‌إليك ‌وأغناهم ‌بك ، اللهم أعنا علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا من الذاكرين الشاكرين الصابرين وجميع المسلمين والمسلمات .