ما الفرق بين الحب الأعمق والأحمق ؟

د / مدحت علي أحمد وربي
من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية

انتبهوا لأنفسكم جيدا !!! وتأملوا معي هذه الآيات الكريمة :

1- قال اللهُ تَعَالى:{قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ‌فَمَنْ ‌أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ‌‌(104)(الأنعام :104) .

2️- قال اللهُ تَعَالى: (‌مَنْ ‌عَمِلَ ‌صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَاّمٍ لِلْعَبِيدِ (46)(فصلت :46) .

3- قال اللهُ تَعَالى: (‌وَمَنْ ‌شَكَرَ ‌فَإِنَّما ‌يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)(النمل :40) .

4️- قال اللهُ تَعَالى: (‌وَمَنْ ‌تَزَكَّى ‌فَإِنَّما ‌يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (18)(فاطر:18).

5- قال اللهُ تَعَالى: ( ‌وَمَنْ ‌جاهَدَ ‌فَإِنَّما ‌يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6)) .

6- قال اللهُ تَعَالى:(أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ‌فَمَنِ ‌اهْتَدى ‌فَإِنَّما ‌يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)(يونس:108) .

7️- قال اللهُ تَعَالى:(‌وَمَنْ ‌يَبْخَلْ ‌فَإِنَّما ‌يَبْخَلُ ‌عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38)(محمد:38) .

8- قال اللهُ تَعَالى:(إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ‌فَمَنْ ‌نَكَثَ ‌فَإِنَّما ‌يَنْكُثُ ‌عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)(الفتح :10) .

9- قال اللهُ تَعَالى:(‌وَمَنْ ‌يَكْسِبْ ‌إِثْماً ‌فَإِنَّما ‌يَكْسِبُهُ ‌عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112)(النساء:111،112).

10- قال اللهُ تَعَالى:(‌وَاتَّقُوا ‌يَوْماً ‌تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)(البقرة :281).

مِن التدبرفي الآياتِ السّابِقة نَتَعَرّف على المسؤُولية الفَردِية، وتَحَمُّل نَتَائِجها (فلنفسه ) مكررة في الآيات ؛ ليتضح لنا أن نَجَاتُكَ يَوْم القِيامَة ونجاتي ؛ مَشرُوعك ومشروعي الشَخصِي وجاء ذلك فِي أوْضَحِ صُورة ، وأقوَى عبارة (فلنقسه) .

ولن تُعذرولن أعذر بِتقصِير النّاس أوانْحِراف المشاهِير والمَغمُورِين

أوخُذلان الأقرَبين والأبعَدِين.

الحبيب اللبيب :

دُنيَاك إختِبارٌ لكَ أنت وحْدَكَ، فاْعمَل لِنفسِك واجتَهد لِنجاتِها ؛ولو استَطَاب كلّ النّاس التقصِير والقُعُود وعدم الاجتهاد ،فحبك لنفسك في أصله فطري طبيعي رباني نبوي ويؤكد هذا ما أخرجه البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا ‌يُؤْمِنُ ‌أَحَدُكُمْ ‌حَتَّى ‌يُحِبَّ ‌لِأَخِيهِ ‌مَا ‌يُحِبُّ ‌لِنَفْسِهِ»(البخاري/1/ 12/13).فهذا الحديث الشريف ؛يدل على أن حب الإنسان لنفسه أمر طبيعي وفطري، وهو المعيار الذي تقيس به حبك للآخرين ، الشرع علّمنا كيف نحب أنفسنا بـ”ميزان دقيق” فكل الناس يحب نفسه ولكن حب النفس نوعان متباينان تماما هما :

1-الحب الأعمق .

2- الحب الأحمق .

فاحذرمن أن: تحب نفسك حبا أحمقا ،ولكن المطلوب أن تحب نفسك الحب الأعمق ؛ فكيف تحب نفسك الحب الأعمق ؟ فكيف تحب نفسك دون أن تخالف الشرع؟ والجواب علي السؤال في أربع خطوات فقط وهي :

أولا:- أن تعرف قيمتك عند ربكوهي أنك مخلوق مكرّم.

قال الله تعالى:”‌وَلَقَدْ ‌كَرَّمْنا ‌بَنِي ‌آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (70) ” [الإسراء: 70] .

وكرامتك ليست في شكلك أو في لونك أو في مالك، ولا من رأي الناس فيك ، وإنما كرامتك وقيمتك في كونك عبد لله وفي تقواك لله ، ولك هدف واضح هو رضي الله، ولك دور في الحياة ، فحب النفس الحقيقي يبدأ من إدراك أنك غالي عند الله الذي خلقلك وليس عند نفسك أوعند الناس .

ثانيا:- أحسن لنفسك وأكرمها بطاعة الله :

فمن حبك لنفسك طاعتك لله تعالي وليس بالتمرد والعصيان فحب النفس الحقيقي يكون بطاعتنا لله ،وصيانتها من الذنوب والمعاصي وحمايتها من النار .

كما قال الله تعالي : (‌وَمَنْ ‌يُهِنِ ‌اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18)(الحج:18).فالعاصي قد أهان نفسه بالمعصية .

قال الله تعالي:” ‌‌{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌قُوا ‌أَنْفُسَكُمْ ‌وَأَهْلِيكُمْ ‌نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] .

قَالَ ابن عباس في هذه الآية : يَكُونُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ فِي أَهْلِ بَيْتٍ فَيَعْمَلُ تِلْكَ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ ، يُصَلِّي فَيُصَلُّونَ ، وَيَصُومُ فَيَصُومُونَ ، وَيَتَصَدَّقُ فَيَتَصَدَّقُونَ . (الزبير بن عدي/ ص42 /41).

ثالثا: أن تتهم نفسك ولا تبرر لها الخطأ وتعمل على إصلاحها

قال الله تعالي :” فَأَمَّا مَنْ طَغى (37) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (39) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) ‌فَإِنَّ ‌الْجَنَّةَ ‌هِيَ ‌الْمَأْوى (41) (النازعات:37:41).

قال الإمام القرطبي: يقول تعالى ذكره: فأما من عتا على ربه، وعصاه واستكبر عن عبادته.

قوله: (وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) يقول: وآثر متاع الحياة الدنيا على كرامة الآخرة، وما أعدّ الله فيها لأوليائه، فعمل للدنيا، وسعى لها، وترك العمل للآخرة (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) يقول: فإن نار الله التي اسمها الجحيم، هي منزله ومأواه، ومصيره الذي يصير إليه يوم القيامة.

وقوله: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) يقول: وأما من خاف مسألة الله إياه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه، فاتقاه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) يقول: ونهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله، ولا يرضاه منها، فزجرها عن ذلك، وخالف هواها إلى ما أمره به ربه (‌فَإِنَّ ‌الْجَنَّةَ ‌هِيَ ‌الْمَأْوَى) يقول: فإن الجنة هي مأواه ومنزله يوم القيامة. (تفسير الطبري/24/ 212).

وقد أمرنا الله تعالي بالمجاهدة حق المجاهدة، ثم أيدنا وشجعنا، فقال تعالى: ((‌وَالَّذِينَ ‌جاهَدُوا ‌فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69))[العنكبوت: 69] ،فسمي الله تعالي من يجاهد نفسه محسناً، ووعده أن يكون معه، ومن كان الله معه فهو المنصور ولا يغلب؛ هذا ثوابه في العاجل، فكيف بثوابه في الآجل.

رابعا: وازن بين حب النفس والتواضع

حب النفس لا يعني التكبر أو الأنانية ،عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « ‌لَا ‌يَدْخُلُ ‌الْجَنَّةَ ‌مَنْ ‌كَانَ ‌فِي ‌قَلْبِهِ ‌مِثْقَالُ ‌ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » (مسلم/1/ 65/149 – (91)). فمن حبك لنفسك تواضعك لله وعدم تكبرك علي خلقه .

خامسا: اهتم بجسدك ونفسيتك

فكلوا، واشربوا، وناموا، وارتاحوا ،وتمتعوا كيف شئتم بما أحل الله تعالي ؛ولكن بدون إسراف وعامل نفسك بلطف ورقة ، لكن لا تبرر الغفلة أو الكسل ، وفي الحديث الشريف: ‌”وَإِنَّ ‌لِجَسَدِكَ ‌عَلَيْكَ ‌حَقًّا” يعني: نفسك أمانة… فحافظ عليها واحذرالإفراط والتفريط، والإسلام ؛ توازن بين: جوانب الروح والجسد والمشاعر والسلوك.

قصة توضح المقال :

هذه قصة سالم مع جده : في قرية هادئة، كان يعيش شاب يدعى “سالم” وكان سالم يظن أن حب النفس يعني “الدلال المطلق”، فكان يرفض تحمل أي مسؤولية، ويتهرب من العمل الجاد، ويبرر أخطاءه دائماً بأنه “يحب نفسه ولا يريد إجهادها” ،وبمرور الوقت، وجد سالم نفسه وحيداً، بلا مهارات حقيقية، وبلا ثقة في قدراته، فحب النفس الذي اتبعه كان “حب تدمير لا حب تعمير “حب هدم لا “حب بناء”.

وفي أحد الأيام، التقى سالم بجدّه الحكيم، وشكا له شعوره بالفراغ رغم أنه كان “يدلل نفسه”.

فابتسم الجد وأخذه إلى مشتله الخاص، وأراه شجرتين:

1- الشجرة الأولى:

كانت مائلة منكسرة، أغصانها ضعيفة، وثمارها ذابلة، مع أن الجد كان يسقيها بكثرة، لكنه لم يقم بتقليمها أبداً، ولم يزح الأعشاب الضارة من حولها خوفاً من أن “تتألم”.

2- الشجرة الثانية:

كانت شامخة في طولها، جذعها قوي، وأغصانها مثمرة ، وأوراقها مبهجة ،فقال الجد: يا سالم:”هذه الشجرة هي التي تحب نفسها حقاً”.

فتعجب سالم وقال: “لكن يا جدي، أنت تقلم أغصانها وتزيل أوراقها التالفة، ألا يؤلمها ذلك؟”.

أجابه الجد بحكمة: “يا بني، حب النفس ليس في تركها على هكذا، بل في رعايتها ،والتقليم هو أن أواجه نقاط ضعفي وأصححها، وإزالة الأعشاب هي أن أتخلص من العادات السيئة والأفكار السلبية والأخلاق السيئة التي تستهلك طاقتي.

فحب النفس الحقيقي هو أن تعامل نفسك كأغلى ما تملك؛ فلا تسمح لها بالكسل، ولا تقبل لها بالهوان، بل تدفعها لتكون في أحسن صورة” فهم سالم الدرس، وبدأ رحلته في “حب الذات النافع ، الحب الأعمق وليس الحب الأحمق “.

• أصبح سالم : يقسو على نفسه وقت العمل ليتقن مهاراته، لأنه يحب لنفسه النجاح والتميز .

• بدأ سالم : يغذي عقله بالقراءة ويهتم بصحته، لأنه يقدر الجسد والروح التي استخلفه الله فيهما.

• تعلم سالم : قول “لا” للصحبة السيئة أو للمواقف التي تهين كرامته، لأنه يحترم ذاته ويحب نفسه .

وأدرك سالم أخيراً أن حب الذات هو “أن تعقدٌ بينك وبين نفسك عقد الصدق”؛ صدقٌ في الاعتراف بالخطأ، وصدقٌ في السعي نحو الأفضل، وصدقٌ في عدم القبول بأقل مما تستحق من كرامة وإنجاز.

الرسالة الأخيرة :

حب النفس ليس ضد الإيمان، بل من الإيمان حب النفس ،فأحِب نفسك كما يحبك الله الرحمن الرحيم، الغفورالودود، ولا ترضى لنفسك الذنوب ولا تهن نفسك بالمعصية، فاجعل حبك لنفسك طريقًا إلى رضا الله عنك وذلك بالحرص علي طاعته سبحانه .

عَنْ ‌زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ‌اللَّهُمَّ ‌آتِ ‌نَفْسِي تَقْوَاهَا، ‌وَزَكِّهَا ‌أَنْتَ ‌خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا .» (مسلم/8/ 81/73 – (2722).

.