الجهاد في القرآن.. بين سعة المفهوم وخطورة الاختزال

بقلم الدكتور: محمد جابر دلول عضو الفتوى
وبحوث الدعوة بديوان عام وزارة الأوقاف

المقال الأول: التأصيل المفهومي للتذييل والجهاد وسعة المفهوم الشرعي
ضمن سلسلة الجهاد المفهوم والضوابط في ضوء التذييلات القرآنية

مقدمة

يعد مفهوم الجهاد في الشريعة الإسلامية من أكثر المفاهيم التي تعرضت لإعادة الإنتاج الخاطئ والتشويه في الفكر المعاصر؛ حيث اختزلته الجماعات المتطرفة في المواجهة المسلحة واقتطعته من سياقاته المقاصدية لتبرير التكفير وإشاعة الفتنة، بينما صوّره خصوم الشريعة كأداة قسرية قائمة على الإكراه وبث الرعب.

وفي هذا السياق، برزت البلاغة القرآنية ليس لمجرد التحسين اللفظي، بل كحارس للأحكام وموجّه للمقاصد التشريعية؛ ويمثل التذييل القرآني أظهر الأساليب البلاغية التي تضع القواعد الكلية عقب الأحكام الجزئية، مما يرسخ مرامي الشريعة ويغلق الباب أمام التأويلات المنحرفة.

ويهدف هذا المقال الأول من السلسلة إلى إرساء التأصيل المفهومي للتذييل البلاغي في الأسلوب القرآني، وإعادة بناء المفهوم الشرعي الأصيل للجهاد لبيان سعة مجالاته واستغراقه لكافة أوجُه البناء الحضاري والعلمي والنفسي قبل القتال.

أولاً: التأصيل المفهومي للتذييل والجهاد

1. مفهوم التذييل لغةً واصطلاحاً

تتحدد المعالم اللغوية لمادة “ذيل” في معاجم العربية بالرجوع إلى أصول الاستعمال الأصيل، حيث يقول ابن منظور:

“الذَّيْل: آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَيْل الثَّوْبِ والإِزارِ: مَا جُرَّ مِنْهُ إِذا أُسْبِل، والذَّيْل: ذَيْلُ الإِزار مِنَ الرِّداء، وَهُوَ مَا أُسْبِل مِنْهُ فأَصاب الأَرض”.

(ابن منظور لسان العرب، ج 11، ص 260)

فالتذييل في اللغة يعني الدلالة على الطول والبسط في آخر الأمر.

أما في الاصطلاح، فقد عرَّفه أبو هلال العسكري بقوله:

“فأما التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه حتى يظهَرَ لمن لم يفهمه، ويتوكَّد عند من فهِمه، وهو ضد الإشارة والتعريض، وينبغي أن يُستَعمل في المواطن الجامعة، والمواقف الحافلة؛ لأن تلك المواطن تجمع البطيء الفهم، والبعيد الذهن، والثاقب القريحة، والجيد الخاطر… ومثاله من القرآن قول الله عز وجل: ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34]، وإن ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] جميعًا تذييل”.

(أبوهلال العسكري الصناعتين الكتابة والشعر، ص 373)

وينقسم التذييل في الأسلوب القرآني حسب المثلية من عدمها إلى:

• جاري مجرى المثل: وهو المستقل بمعناه وقاعدته، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 111].

• غير جاري مجرى المثل: وهو ما لا يستقل بمعناه كلياً إلا بالمرجع إلى ما قبله، مثل قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: 74]؛ فقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ تذييل غير جارٍ مجرى المثل، مؤكد لمعنى ﴿الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ ومقرر له، وهو كثير في فواصل الآيات.

2. مفهوم الجهاد لغةً وفقهياً

أما الجهاد لغةً فمداره على بذل الطاقة والمشقة، فعرفوه بقولهم:” بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل”. (ينظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٣١٩، باب الجيم مع الهاء، والمصباح المنير، مادة ((جهد))، ١/ )١١٢.

أما التعريف فقهيًا

كما عند علاء الدين الكاساني:”وَفِي عُرْفِ الشَّرْعِ يُسْتَعْمَلُ فِي بَذْلِ الوُسْعِ وَالطَّاقَةِ بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَاللِّسَانِ أَوْ غَيْرِ ذَلِك”.

(الكاساني بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 7، ص 97)

وتُظهر من هذا الدلالة على أن السلاح ليس إلا وسيلة من وسائل بذل الطاقة، بينما تتعدد الوسائل الشرعية الأخرى كالبيان باللسان والإنفاق بالمال.

ثانياً: سعة مفهوم الجهاد وحالة القتال الاستثنائية

إن القتال ليس أصل فريضة الجهاد، بل هو حالة استثنائية لدفع العدوان وحماية حرية العقيدة، بينما أصل الفريضة يقوم على الدعوة والبلاغ وإقامة الحجة؛ فعلة القتال هي “الحرابة والاعتداء” وليست مجرد المخالفة في الدين، ولذا اتسع مفهوم الجهاد لكل ما يأتي. [ينظر الجهاد في الإسلام كيف نفهمه ونطبقه للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي].

1. جهاد الحجة والبيان

تتجلى هذه السعة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]:

• موضوع التذييل: الحث على المدافعة الفكرية بالقرآن والعلم، والبيان الجازم بأن جهاد الحجة والبيان أعظم وأدوم من غيره.

• مكان التذييل ونوعه: في ختام الآية عند قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، وهو تذييل جاري مجرى المثل (لتأسيسه قاعدة كُلية تستقل بمعناها في تقديم جهاد العلم والحجة).

قال الإمام ابن عاشور:

“وَبَعْدَ أَنْ حَذَّرَهُ مِنَ الْوَهَنِ فِي الدَّعْوَةِ أَمَرَهُ بِالْحِرْصِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهَا، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ وَهُوَ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِمُنْتَهَى الطَّاقَةِ… وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالْجِهَادِ الْكَبِيرِ، أَيِ الْجَامِعِ لِكُلِّ مُجَاهَدَةٍ… قَاوِمْهُمْ بِصَبْرِك… وَهَذَا كَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ عِنْدَ قُفُولِهِ مِنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ: “رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ”، قَالُوا: “وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ”؟ قَالَ: “مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ””.

(التحرير والتنوير، ج 19، ص 51)

وبذلك يكشف ابن عاشور عن المعنى الجامع للجهاد، مؤصلاً أن جهاد النفس هو الأصل والقتال فرع عنه، ليضع بذلك ضابطاً منهجياً يحول دون اختزال الجهاد في القتال وحده.

2. معية الله للمحسنين في الميدان الشامل وثمرتها في ميادين الكسب والعمران

يقول تعالى مبيناً سعة ميدان المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

قال الإمام الألوسي:

“وَإِنَّ اللَّهَ المتصف بجميع صفات الكمال… لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ معية النصرة والمعونة… وقال العلامة الطيبي: إن قوله تعالى: ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قد طابق قوله سبحانه: ﴿جَاهَدُوا﴾ لفظا ومعنى… ثم إن جملة قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ تذييل للآية مؤكد بكلمتي التوكيد محلى باسم الذات ليؤذن بأن من جاهد بكليته وشراشره في ذاته جلّ وعلا تجلى له الرب عزّ اسمه الجامع في صفة النصرة والإعانة تجليا تاما”.

(الألوسي – روح المعاني – ج 11، ص 15)

فيكشف تذييل الآية بقوله تعالى ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ – المُحلَّى بـ “أل” التي تفيد الاستغراق – عن أن الإحسان ليس حكراً على العبادات المحضة، بل هو منهج حياة شامل يتسع لكل عمل يُتقن ويُخلص فيه، من زراعة إلى صناعة إلى طلب علم؛ فكل ما يبني الإنسان ويعمر الأكوان هو جهاد في سبيل الله ومطلوب فيه الإحسان.

ونتيجةً لهذا الاستغراق القرآني الذي وسّع دائرة “الإحسان” لتشمل ميادين الحياة كافة؛ يترتب بداهةً اتساع مفهوم “في سبيل الله” ليشمل دوائر الكسب والعمل الدنيوي، ومما يعضد هذه النتيجة ويجعلها واقعاً تطبيقياً، ما أخرجه الطبراني:

عن أصحاب النبي ﷺ أنهم رأوا من جَلَدِ رجل ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟! فقال رسول الله ﷺ: «إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ»

(أخرجه الطبراني في الكبير).

الخلاصة

يتضح ممّا تقدّم أن الجهاد في المنظور القرآني والدلالة الفقهية الأصيلة أوسع نطاقًا وأعم معنى من اختزاله في المواجهة المسلحة؛ فالتذييل القرآني يؤسس لكون جهاد الحجة والبيان ومجاهدة النفس والبناء الحضاري وسعي الإنسان على رزقه وعياله كله مندرجٌ تحت مفهوم “في سبيل الله”، ويظل القتال فرعاً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا لدفع الاعتداء، وهو ما تنظمه الضوابط التشريعية الحاكمة التي سنتناولها في المقال القادم.