التعاون العسكري الوهابى الامريكى

 المقال الثانى والثلاثون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

اعداد الاستاذ / سيد حسن الأزهرى

عقدت أميركا مع ابن سعود أثناء عمليات إنقاذه المالية اتفاقية عسكرية قضت بإرسال بعثة أمريكية لتدريب الجيش السعودي . وبدأ الأمريكيون بإنشاء مطار حربي في الظهران ، قرب حقول النفط بالاستقلال عن بريطانيا ، فأقيمت أكبر قاعدة أمريكية ما بين المانيا واليابان.

ولما أبدت السلطات البريطانية تخوفها على مصالحها البترولية في الخليج أفهمها الأمريكيون أن لا تراجع عن خطواتهم فرضخت. وفي كانون الثاني ١٩٤٥ ، بعد مؤتمر بالطا الذي قسم العالم إلى مناطق نفوذ للدول الكبرى ، حيث فازت أمريكا بحصة الأسد ، استدعى روزفلت عبد العزيز للاجتماع به على ظهر الطراد الأمريكي كونيري في مياه الإسماعيلية ، فوصل الملك في ١٥ شباط . ولقد كان الملك الذي يستجدي القروض ، كريماً مع مستقبليه الأمريكيين ، فقد أهدى كل بحار أربعين دولاراً وكل ضابط ستين دولاراً ولباساً عربياً وساعة ذهبية ، وأهدى القبطان خنجراً ذهبياً، فأهداه القبطان منظاراً ورشاشين . وعندما أبدى عبد العزيز إعجابه بالكرسي ذي العجلات الذي كان ينتقل عليه روزفلت ، أهداه الرئيس الأمريكي كرسيه الاحتياطي ، ووعده بإرسال طائرة تتسع له ولعدد مختار من أسرته. وبالمقابل قدم ابن سعود لروزفلت سيوفاً وخناجر مرصعة بالجواهر وعقوداً في قوارير مزخرفة.

ولم ينس ابن سعود في الاجتماع أن يسر إلى الرئيس الأمريكي أنه تلقى رسالة من تشرشل يطلب منه فيها الاجتماع إليه ، وقد جرى الاجتماع بعد يومين في فندق الأوبرج . لكن مناورة تشرشل لم تأت بالنتائج المرجوة لأن بريطانيا التي خرجت منهكة من الحرب، لم يكن بمقدورها منافسة المصالح الأمريكية ، التي لم تكن تتمتع بالملاءة والكفاءة للقيام بمشاريعها الخاصة فقط ، بل وكذلك في إعمار أوروبا نفسها بواسطة مشروع مارشال .

هذا ولم يمض شهر على لقاء ابن سعود بروزفلت وتشرشل حتى أتم الملك السعودي استعداداته لإعلان الحرب على دول المحور. وبعد الحرب أخذت السعودية ترتمي بشكل متسارع في أحضان أمريكا . قتلت السيطرة الأمريكية على البترول سيطرة على سائر الموارد الطبيعية ، ثم سيطرة في مجال التسليح وإقامة المنشآت العسكرية . فمن صفقات النقل الجوي سنة ١٩٦٥ إلى صفقات الدفاع الجوي سنة ١٩٦٧ إلى عقود الآليات سنة ١٩٦٨ إلى صفقات المدرعات والدبابات عام ١٩٦٩ إلى صفقات المدفعية والذخائر في نفس العام إلى صفقات إنشاء القواعد العسكرية في كل من خميس مشيط وتبوك إلى صفقات الأسلحة بالمبالغ الخيالية التي بلغت عشرات مليارات الدولارات في العقدين الأخيرين والتي تضمنت فيما تضمنت شراء طائرات الأواكس وغيرها من الطائرات المتطورة التي يشرف عليها الخبراء الأمريكيون ويقودها ضباط سلاح الجو الأمريكي.

هذا وقد دفع السعوديون في حربي الخليج الأولى والثانية مبالغ أدت بخزينتهم إلى العجز رغم الانتاج الهائل للبترول السعودي، حتى أن أمريكا المطالبة بالمال أخذت تضغط على الأمراء لوقف الهدر وربما إلى الدفع من أموالهم الخاصة.

ولكن الملفت أن الجيش السعودي على الرغم من كل هذه التجهيزات وما أهدر فيها من أموال تبلغ أضعاف كلفتها الحقيقية، لم يمتنع عن المشاركة في أية حرب عربية ضد العدو الصهيوني فقط بل هو عجز عن أبسط المهمات كما تبين في معركة الحرم الشريف سنة ۱۹۷۹.

الاستخدام الأميركي لموارد السعودية بشكل عام :

وبالإضافة الى كل ما ذكر ، راحت السعودية تشكل خزانة لدعم الاقتصاد الأميركي ، ليس فقط عن طريق الإيداعات الهائلة في البنوك ، ولا عن طريق تنشيط بعض الصناعات المتصلة بصفقات الأسلحة وغيرها ، أو بالخدمات والمشاريع التي تنفذ في المملكة ، وما إليها ، بل عن طريق توفير احتياطي مالي لبعض الأجهزة التي تكبل القوانين الأمريكية نشاطها بعض الأحيان بحرمانها من المال اللازم لهذه النشاطات. وهكذا فقد أمنت السعودية تغطيات للعمليات الأمريكية ضد النفوذ السوفياتي والثورات المرتبطة به، وضد سائر محاولات التحرر من الهيمنة الأمبريالية الغربية. فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ ٢١ حزیران ۱۹۸۷ أن المملكة العربية السعودية ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية في الدفاع عن المصالح الغربية بدفع مليارات الدولارات المساندة المقاومة المناهضة للماركسية خلال العشرين سنة الماضية، وأشارت الصحيفة إلى أن مساعدات السعوديين قد استخدمت بصفة عامة حينما كانت السلطة التنفيذية في أمريكا عاجزة عن الحصول على موافقة الكونغرس على تمويل عملياتها .

كما أوضحت الصحيفة أن المملكة العربية السعودية دفعت الأموال للحكومات وحركات مناهضة للماركسية في أفغانستان واليمن الشمالي والصومال والسودان وباكستان وزائير ونيكاراغوا .

أما طريقة الدفع السعودية فقد وصفها دبلوماسي أمريكي سابق في أسئلة وجهتها الصحيفة المذكورة بقوله : إن السعوديين استجابوا بنخوة في عدة أماكن . وفي كل مرة كنا نحتاج فيها إلى دفع أموال من أجل شيء ما .. كنا نتجه صوب السعوديين الذين نعتبرهم كبقرة حلوب تدر لبناً باستمرار ) .

. وقد أشار وليم كاندت وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي إلى أن الأمر لم يكن يستغرق أكثر من عشر ثوان لدى الملك فهد عاهل السعودية للتوقيع على شيك ليحل بذلك مشكلة يمضي الكونغرس أسابيع في مناقشتها.

أما عن المبلغ الذي دفع لصالح الكونترا – الثورة المضادة في نيكاراغوا – بشكل خاص فتقول الصحيفة : ( إن دفع اثنين وثلاثين مليون دولار كمساعدة للكونترا في نيكاراغوا يندرج ضمن إطار هذه السياسة التي قد تكون اتبعتها حكومات الولايات المتحدة في العقود الأربعة السابقة.

وقد قدرت المبالغ المدفوعة من السعودية في هذه المجالات بحوالي أربعة مليارات دولار كما بينت الصحيفة نفسها . ومن جهة أخرى فقد صرح أحمد زكي اليماني ، وزير النفط السعودي السابق في أول حزيران ۱۹۷۹ أن السعودية تخسر يومياً عشرين مليون دولار مسايرة لأمريكا ، ونسي كما يشير ناصر السعيد ، عشرة ملايين أخرى كانت تدفع لدعم الدولار منذ عام ١٩٧٣.

أما مسألة الودائع فهي مسألة أصبحت معروفة حتى لأبسط الناس ، فقد بلغ ما أودعته الحكومة السعودية حتى سنة 1985 مئة وسبعين مليار دولار ، كما قدمت الحكومة السعودية للبنك الدولي الواقع تحت السيطرة الأمريكية شبه المطلقة قرضاً بمبلغ أربعة مليارات دولار أيضاً .

وإذا عرفنا أن المليارات هذه تستخدم لصالح السياسة الأمريكية ، وأن هذه السياسة هي التي جعلت من العدو الصهيوني القوة الأكبر في الشرق الأوسط .

وإذا عرفنا أن الإيداعات العربية في المصارف الأمريكية تدر مداخيل هائلة للحكومة الأمريكية ، كضرائب على الأرباح، وأن هذه الحكومة تمد كل أعداء المسلمين بالمساعدات الهائلة ، أدركنا جانباً غير ظاهر من تمويل السعوديين للكيان الصهيوني، ذلك التمويل الجاري بالطريقة غير المباشرة . ولعل المخفي أعظم .

السعودية في العصر الأميركي :

السعودية كموطىء قدم لقوات أميركا ومحول المغامراتها في الشرق الأوسط :

عندما قامت ثورة اليمن سنة ١٩٦٢ شكلت السعودية نقطة الانطلاق للتدخل في شؤون اليمن ضد الثورة التي استنزفت القدر الكبير من الطاقات العربية ، خدمة لمصالح بريطانيا وأميركا ..

وعندما انتصرت الثورة الإسلامية الإيرانية وفتحت أفاق الانعتاق للمسلمين في جميع أرجاء العالم، فإن السعوديين العاملين لمصلحة أميركا والغرب ضد كل بادرة تحرر ، لم يعدموا وسيلة لوضع مقدراتهم المالية في خدمة مخططات إسقاط الثورة . فلما شن صدام حسين حربه ضدها، أخذت السعودية تمده بالتعاون مع جيرانها حكام محميات الخليج بمليارات الدولارات ، مما سمح له بأن يديم الحرب ثماني سنوات متواصلة ، حتى إذا أعلن صدام بعد الثاني من آب ۱۹۹۰ ندمه ووعد بقتال أولئك الذين حرّضوه على شن الحرب ، إذا بالسعودية تتحرك لإقامة علاقات حسنة مع جارتها الإسلامية الكبيرة ، وتعترف بكل ما اقترفته ولكن ليس لتنوب عما ترتكبه بحق المسلمين ، بل مناورة منها لتستمر على نفس الطريق في خدمة أمريكا والغرب.

ولما احتل صدام الكويت إذا بالأمريكيين المدافعين عن مصالحهم في الاستيلاء على النفط العربي ، ينزلون الجيوش من قواتهم ومن قوات أوروبا الغربية الموالية لهم في السعودية وكأنهم ينقلونها من ولاية أمريكية إلى ولاية أخرى . فتشن حرباً على الشعب العراقي، تحت ستار استرجاع الكويت ، فتدمر مرافقه الحديثة وبنية بلاده التحتية ، ثم تحتل أرضه بقواتها فتسعى إلى إقامة ترتيبات أمنية جديدة للمنطقة على غرار تلك التي رفضتها في الخمسينات.

كل هذا في الوقت الذي لم تحشد السعودية جيشاً ولم تسمح لأي جيش عربي أو إسلامي أن يستخدم أرضها لأي غرض له صلة بالدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية المهدورة، وإنما فقط في الحالات التي قضت مصلحة بريطانيا أو أمريكا أو مصلحة النظام السعودي نفسه بذلك. وهنا لابد لنا من أن تلاحظ كيف أن الشعارات الاسلامية ، تعود مرة أخرى لتستخدم أدوات تبرير للسياسة الصليبية في استيلائها على ثروات المسلمين. واضطهادها لهم . فكان دور الوهابية أن تقتل بيديها وبسلاح الإنكليز أبناء الجزيرة وتذلهم ، وتغطي بمواقفها السياسية وبأموالها عمليات الاستعمار والإمبريالية والصهيونية في قتل المسلمين وإذلالهم في جميع أرجاء العالم. فهل كانت وزارة المستعمرات البريطانية التي أوفدت مستر همفر وزملاءه وسابقية ولاحقيه تحلم بكل ذلك ؟