البدعة بين الإطلاق والتقييد: أين أخطأ منكرو المولد؟
18 أغسطس، 2026
قضايا وأحكام

بقلم : أ . محمد عطية
شُبهةُ القائل: «إن الاحتفال بالمولد النبوي لم يفعله السلف، ولم يكن معروفًا في الصدر الأول، فهو بدعة محرمة يجب الإنكار عليها».
الجواب عن هذه الشبه
أولا : أن مجرد كون الشيء لم يفعله السلف، أو لم يكن معروفًا في الصدر الأول، لا يكفي للحكم عليه بأنه بدعة محرمة؛ إذ لو كانت هذه القاعدة صحيحة على إطلاقها، للزم تحريم أمور كثيرة أُحدثت بعد عهد النبي ﷺ لمصلحة شرعية، ومنها جمع القرآن الكريم وكتابته في المصاحف في عهد أبي بكر الصديق وعمر وزيد رضي الله عنهم، خوفًا من ضياعه بموت القراء من الصحابة رضي الله عنهم، وللزم كذلك تحريم جمع سيدنا عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام، مع قوله: «نِعْمَتِ البدعةُ هذه»، وللزم تحريم دعاء ختم القرآن، وتخصيص العشر الأواخر من رمضان بمزيد من الاجتهاد والتهجد، والتصنيف والتأليف في علوم الشريعة وسائر العلوم النافعة، واتخاذ الرُّبُط، وإنشاء المدارس والمستشفيات ودور الأيتام ووسائل الإسعاف، وغيرها من المصالح التي لا تُحصى. فليس كل ما لم يفعله السلف، أو لم يكن موجودًا في الصدر الأول، يكون محرمًا لمجرد عدم وقوعه آنذاك؛ بل الواجب أن يُعرض ما استُحدث من الأمور على أصول الشريعة وأدلتها، فما اشتمل على مصلحة شرعية كان بحسب حكم تلك المصلحة، فقد يكون واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا، وما اشتمل على محرم فهو محرم، وما اشتمل على مكروه فهو مكروه؛ لأن للوسائل حكم المقاصد. فكل ما تشمله الأدلة الشرعية، ولا يُقصد بإحداثه مخالفة الشريعة، ولا يشتمل على منكر أو محظور شرعي، فلا يصح الحكم بتحريمه لمجرد كونه حادثًا لم يكن موجودًا في زمن السلف.
ثانيًا: من هنا قيَّد العلماء حديث النبي ﷺ: «كل بدعة ضلالة» بالبدعة المذمومة التي تخالف أصول الشريعة أو تشتمل على محظور شرعي، وبيَّنوا أن الإحداث قد يكون محمودًا إذا اندرج تحت أصل شرعي معتبر. ويؤيد ذلك قوله ﷺ: «من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء». وأما مسألة «التَّرك»، فإنها من أهم المواضع التي ينبغي تحريرها؛ إذ ليس كل ما تركه النبي ﷺ يدل تركه بمجرده على التحريم. فالتَّرك النبوي ليس حكمًا واحدًا، بل لا بد من النظر في سبب الترك والقرائن المحيطة به. فما تركه سيدنا رسول الله ﷺ قصدًا، فإن تركه لا يدل بمجرده على التحريم؛ فقد يكون المتروك واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا بحسب الأدلة والقرائن، وقد يترك النبي ﷺ بعض الأمور مع كونها جائزة أو مستحبة؛ لبيان جواز تركها، أو خشية المشقة على أمته، أو لوجود مصلحة أخرى، أو لغير ذلك من الأسباب. أما الترك غير المقصود، أو الذي لم تقم قرينة على أن النبي ﷺ قصد به بيان حكم شرعي معين، فلا يصح أن يُجعل بمجرده دليلًا على التحريم.
ثالثًا: إن قاعدة «كل ما تركه النبي ﷺ فهو حرام» قاعدة غير صحيحة على إطلاقها، وينقضها قول النبي ﷺ: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فدل الحديث على أن مناط التحريم هو النهي الشرعي، كما أن مناط الوجوب هو الأمر، وليس مجرد عدم الفعل. ويؤكد ذلك أيضًا قوله ﷺ: «إن الله حدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم، ولكن رحمةً منه لكم، فاقبلوها ولا تبحثوا فيها». وكذلك قوله ﷺ: «ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيًّا»، وفي رواية: «فإن الله لم يكن لينسى شيئًا»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وسُئل سيدنا رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه». فدلت هذه النصوص على أن ما لم يَرِد فيه تحريم شرعي لا يجوز تحريمه لمجرد أن النبي ﷺ لم يفعله؛ لأن الترك وحده لا ينهض دليلًا مستقلًا على التحريم، ما لم تقم قرينة أو دليل شرعي واضح يدل على أن الترك كان لبيان التحريم أو المنع.
رابعًا: ليس من المنهج العلمي أن يُقال: «لم يفعله النبي ﷺ، إذن هو حرام»، وإنما الواجب أن يُنظر في حقيقة الفعل ومقصده ومضمونه وما يشتمل عليه من أقوال وأفعال، ثم يُعرض ذلك كله على أصول الشريعة وقواعدها وأدلتها. فالميزان هو الشرع، لا مجرد سبق الفعل أو تأخره، ولا مجرد كونه معروفًا في الصدر الأول أو حادثًا بعده. ومن ثم فإن مجرد القول بأن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن معروفًا في الصدر الأول لا يكفي وحده للحكم عليه بالتحريم أو تبديع فاعله؛ بل لا بد من النظر في صورة الاحتفال ومقصده وما يشتمل عليه من أقوال وأفعال. فإن اشتمل الاحتفال على محرم أو منكر، حُرِّم ذلك المحرم أو المنكر، وإن خلا من ذلك، وكان المقصود منه إظهار الفرح بمولد سيدنا رسول الله ﷺ، وشكر الله تعالى على نعمة بعثته، وذكر شمائله وسيرته، والصلاة والسلام عليه، وإطعام الطعام، وإطعام الفقراء والمحتاجين، وتعليم الناس أمر دينهم، ونحو ذلك من وجوه الخير المشروعة، فلا يصح أن يُحكم بتحريمه لمجرد أن صورته التنظيمية لم تكن موجودة في الصدر الأول.
خامسًا: هنا يظهر الفرق بين «ترك الفعل» وبين «النهي عن الفعل»؛ فالنهي دليل مستقل على التحريم، أما مجرد الترك فلا يستلزم التحريم إلا إذا اقترنت به قرينة تدل على أن الترك كان مقصودًا لبيان المنع والتحريم. وبذلك يتبين أن الاحتجاج بمجرد عدم فعل السلف ليس حجةً كافيةً في باب التحريم، وأن الحكم على المولد النبوي لا يكون بمجرد دعوى «لم يفعله السلف»، وإنما بالنظر في حقيقته ومضمونه وما يشتمل عليه من أعمال، ثم وزن ذلك كله بميزان الكتاب والسنة وقواعد الشريعة ومقاصدها.
فالفرح برسول الله ﷺ عبادةُ محبة، والمحبةُ لا تُحارب بالشبهات، وإنما تُضبط بميزان الشريعة والآداب.
ومن أحبَّ المصطفى ﷺ عظَّم قدره، وأكثر من الصلاة عليه، وشكر الله على نعمة بعثته، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.