
بقلم الشيخ : حسين السمنودى
هناك أمور تمر على الإنسان في حياته فيشعر تجاهها بالدهشة، وأمور أخرى تجعله يتوقف طويلًا، وأمور ثالثة تترك في القلب غصة لا تزول بسهولة، ومن بين أكثر الأمور إيلامًا أن يصل بنا الحال إلى الحديث عن محاولات لربط آيات القرآن الكريم بالألحان الموسيقية، أو وضعها في سياق ألحان العود، وكأن كلام الله سبحانه وتعالى أصبح نصًا غنائيًا يمكن أن يبحث له الإنسان عن لحن يناسبه.
وهنا لا بد أن نتوقف، ليس بالصراخ، وليس بالتشهير بأحد، وليس بإطلاق الأحكام على الأشخاص والنيات، وإنما بوقفة خوف على كتاب الله، وخوف من أن تختلط المفاهيم في عقول الناس، خصوصًا الأجيال الجديدة التي أصبحت ترى وتسمع كل شيء عبر شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي.
القرآن الكريم ليس أغنية، وليس قصيدة يبحث صاحبها عن ملحن، وليس كلمات مكتوبة لكي توضع على نغمات العود أو غيره من الآلات الموسيقية. القرآن كلام الله، وله من الجلال والحرمة والمكانة ما يجعل التعامل معه مختلفًا عن التعامل مع أي نص آخر.
والفرق هنا مهم جدًا.
فالصوت الحسن في تلاوة القرآن شيء، وتحويل التلاوة إلى أداء غنائي شيء آخر.
والترتيل والتجويد وتحسين الصوت شيء، ومحاولة تطويع الآيات لتسير مع لحن موسيقي شيء آخر.
وأن يكون للقارئ أسلوب جميل في الأداء شيء، وأن تصبح الآية نفسها خاضعة لمتطلبات اللحن والإيقاع شيء آخر تمامًا.
المشكلة تبدأ عندما يتغير الهدف.
عندما يصبح الهدف من التلاوة هو إبهار المستمع بدلًا من تدبر الآية.
وعندما يصبح السؤال: “ما المقام الذي يجعل هذه الآية أجمل؟” بدلًا من السؤال: “ما الذي تقوله هذه الآية لقلبي؟”
وعندما يصبح القارئ منشغلًا بالطبقات الصوتية والتنقلات اللحنية أكثر من انشغاله بمخارج الحروف وأحكام التجويد ومعاني الكلمات.
وهنا نخشى أن يتحول القرآن من رسالة تهدي الإنسان إلى الله إلى عرض صوتي يبحث صاحبه من خلاله عن الإعجاب.
الأشد خطورة أن البعض قد يحاول إدخال العود أو الألحان الموسيقية في المشهد، فيصبح المستمع أمام حالة يصعب معها التفريق بين التلاوة والأداء الغنائي.
وقد يقول قائل: وما المشكلة في ذلك؟ أليست الموسيقى مجرد وسيلة لإبراز جمال الصوت؟
والإجابة أن القضية ليست قضية جمال صوت من الأساس.
إنها قضية قدسية النص القرآني وطبيعة التعامل معه.
فالكلمات القرآنية ليست كلمات عادية حتى نبحث لها عن لحن، والآيات ليست أبياتًا شعرية حتى نضعها في قالب موسيقي، والقرآن ليس مادة فنية حتى تكون الموسيقى هي التي تمنحها التأثير.
القرآن مؤثر بذاته.
آية واحدة قد تغيّر حياة إنسان.
كلمة واحدة قد توقظ قلبًا مات منذ سنوات.
مقطع قصير قد يجعل إنسانًا يراجع حياته كلها.
ولا يحتاج ذلك إلى عود ولا إلى موسيقى ولا إلى مؤثرات.
بل إن جمال القرآن الحقيقي يبدأ عندما يصل إلى القلب بمعناه، لا عندما يستولي اللحن على الأذن فينسى المستمع ماذا قيل.
وهنا تظهر مأساة أخرى.
لقد أصبحنا في عصر الصورة والمشهد والانتشار السريع، وأصبح بعض الناس يقيسون نجاح أي شيء بعدد المشاهدات والإعجابات والتعليقات.
وقد يدفع هذا البعض إلى البحث عن كل ما هو غريب ومختلف وصادم.
لكن القرآن ليس مجالًا للتجارب من أجل الحصول على المشاهدات.
ليس كل شيء يصلح أن يكون “ترند”.
هناك أشياء ينبغي أن تظل بعيدة عن منطق السوق الرقمي.
ومن أعظمها كتاب الله.
فإذا اعتاد الناس أن يروا القرآن في مقاطع مصحوبة بالموسيقى والألحان، ثم رأوا تلاوة القرآن بالطريقة التقليدية، فقد يبدأ الخلط تدريجيًا في أذهانهم.
ومع مرور الوقت قد يصبح الأداء الغنائي مألوفًا، ثم يصبح طبيعيًا، ثم يأتي جيل جديد لا يرى في الأمر مشكلة أصلًا، لأنه لم يتعلم من البداية الفرق بين التلاوة والإنشاد والغناء.
وهذه ليست مسألة بسيطة.
إنها مسألة تتعلق بالوعي الديني والثقافي للأجيال القادمة.
فالأطفال الذين يشاهدون ما تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي اليوم هم أنفسهم الذين سيشكلون وعي المجتمع غدًا.
وإذا تركنا كل شيء بلا ضوابط، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام جيل يعرف أسماء المقامات الموسيقية أكثر مما يعرف معاني الآيات، ويحفظ طريقة أداء القارئ أكثر مما يحفظ مضمون ما يقرأ.
وهذا مؤلم.
ليس لأننا نرفض جمال الصوت، بل لأننا نخشى أن يصبح الشكل أقوى من المضمون.
فالقرآن جاء ليغيّر الإنسان من الداخل.
جاء ليقول للظالم: اتق الله.
وللغني: لا تنس الفقير.
وللقوي: لا تظلم.
وللضعيف: لا تيأس.
وللعاصي: باب التوبة مفتوح.
وللمؤمن: اثبت.
ولكل إنسان: هناك رب يراك ويسمعك ويعلم ما تخفي صدورك.
فإذا أصبح كل تركيزنا على النغمة، فمن سيستمع إلى الرسالة؟
إذا انشغلنا بطريقة المد والارتفاع والانخفاض أكثر من انشغالنا بمعنى “واتقوا الله”، فماذا بقي من التدبر؟
وإذا أصبح الناس ينتظرون نهاية التلاوة لكي يقولوا “ما أجمل الصوت!” بدلًا من أن يقولوا “اللهم اجعلنا من أهل القرآن”، فهل وصلنا إلى الهدف الحقيقي؟
هذه الأسئلة يجب أن تؤلمنا.
لكن في الوقت نفسه، علينا أن نكون منصفين.
لا يجوز أن يتحول هذا الحديث إلى حملة على كل قارئ صاحب صوت جميل، ولا إلى اتهام كل من يستخدم المقامات الصوتية بأنه يحول القرآن إلى أغنية.
فالمسألة لها تفاصيل وأحكام، وهناك فرق بين تحسين الصوت في التلاوة وبين التلحين الذي يخرج بها عن سمتها، ولذلك فإن الحكم التفصيلي على أي أداء بعينه ينبغي أن يترك لأهل العلم والاختصاص ممن يعرفون أحكام التلاوة والتجويد وما يتعلق بها.
لكن التحذير من تحويل القرآن إلى مادة غنائية أو ربط آياته بآلة موسيقية مثل العود هو تحذير مشروع من خطورة الخلط بين المجالات، ومن خطر أن يفقد الناس إحساسهم بخصوصية التلاوة.
نحن لا نريد قرآنًا بلا جمال.
بل نريد جمالًا يليق بالقرآن.
نريد صوتًا جميلًا، لكنه خاشع.
نريد تلاوة مؤثرة، لكنها منضبطة.
نريد قارئًا يمتلك حنجرة قوية، لكن قلبه أقوى في خشوعه.
نريد أن يسمع الإنسان الآية فيشعر أنها تخاطبه هو.
نريد أن يسمع “يا أيها الذين آمنوا” فيسأل نفسه: هل أنا فعلًا من الذين آمنوا؟
وأن يسمع ” لا تظلمون ولا تظلمون ” فيراجع معاملاته.
وأن يسمع “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” فيتذكر من ظلمهم.
وأن يسمع “كل نفس ذائقة الموت” فيتذكر أن الدنيا ليست نهاية الطريق.
هذا هو القرآن الذي نريده.
قرآنًا يدخل إلى القلب قبل الأذن.
قرآنًا يصنع إنسانًا جديدًا، لا مجرد مستمع منبهر بصوت جميل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ننتقل من مرحلة تلاوة القرآن إلى مرحلة أداء القرآن.
التلاوة فيها خشوع واتباع وتعظيم وتدبر.
أما الأداء عندما يصبح غايته الاستعراض فقد يجعل النص تابعًا للصوت.
وهنا يجب أن ننتبه.
القارئ ليس مطربًا، والآية ليست أغنية، والمصحف ليس ديوانًا شعريًا.
ومن يحمل القرآن يجب أن يعرف أنه يحمل أمانة ثقيلة.
أمانة لا تتعلق بصوته فقط، وإنما بطريقة تعامله مع كلام الله.
وكذلك الجمهور عليه مسؤولية.
فلا تجعلوا التصفيق مقياسًا لجمال التلاوة.
ولا تجعلوا عدد المشاهدات مقياسًا لفضل القارئ.
ولا تجعلوا المقاطع المنتشرة على مواقع التواصل مرجعًا في الدين.
فالدين لا يؤخذ من الترند.
والقرآن لا يُقاس بعدد الإعجابات.
والخشوع لا يُقاس بنسبة المشاهدات.
إننا بحاجة إلى أن نعيد للقرآن مكانته في حياتنا.
نحتاج أن نفتح المصحف في بيوتنا، وأن نقرأه مع أبنائنا، وأن نشرح لهم معانيه، وأن نعلمهم التجويد، وأن نربط الآيات بسلوكهم وحياتهم.
نحتاج إلى طفل يعرف أن القرآن ليس مجرد صوت جميل يسمعه قبل النوم، وإنما كلام الله الذي يجب أن يعيش به.
نحتاج إلى شاب لا يكتفي بتصوير مقطع تلاوة ونشره، بل يسأل نفسه بعد الآية: ماذا ستغير هذه الآية في حياتي؟
نحتاج إلى قارئ يرى في كل آية مسؤولية، لا فرصة للشهرة.
ونحتاج إلى مستمع يبحث عن الهداية قبل أن يبحث عن جمال الصوت.
لقد أصبح العالم مليئًا بالضجيج.
الأغاني في كل مكان.
والموسيقى في كل مكان.
والمؤثرات الصوتية تحيط بنا من كل جانب.
فهل نريد أن نضع القرآن أيضًا داخل هذا الضجيج؟
أم نريد أن يكون القرآن هو المساحة التي يهرب إليها القلب من الضجيج؟
هذا هو السؤال.
فالقرآن ليس بحاجة إلى أن يشبه الأغنية حتى يكون جميلًا.
وليس بحاجة إلى العود حتى يكون مؤثرًا.
وليس بحاجة إلى الموسيقى حتى يهز القلوب.
القرآن هزّ قلوب أناس عاشوا منذ قرون، قبل أن يعرف العالم أجهزة التسجيل وقاعات الموسيقى ومواقع التواصل.
وما زال يهز القلوب حتى اليوم.
لأن مصدر قوته ليس اللحن.
مصدر قوته أنه كلام الله.
ولهذا يجب أن نتعامل معه بخوف ووقار ومسؤولية.
ولا ينبغي أن ننتظر حتى يصبح الخلط بين التلاوة والغناء أمرًا معتادًا ثم نبدأ في السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟
فالوقاية تبدأ قبل الاعتياد.
والوعي يبدأ قبل انتشار الظاهرة.
والحفاظ على قدسية القرآن يبدأ من لحظة إدراكنا أن هناك حدودًا لا ينبغي تجاوزها.
وفي النهاية، ليست رسالتنا أن نهاجم أحدًا، وإنما أن نطلق صرخة تحذير.
صرخة تقول لكل من يقترب من كتاب الله:
تمهل… هذا ليس نصًا عاديًا.
إنها آيات الله.
تعامل معها كما يليق بجلالها.
حسّن صوتك، ورتّل، وتدبر، واخشع، وعلّم الناس، لكن لا تجعل القرآن تابعًا للحن، ولا تجعل الآية خادمة للموسيقى، ولا تجعل البحث عن الإعجاب يطغى على الخشوع.
فالعود له مجاله، والغناء له مجاله، والفن له مجاله، أما القرآن فله مقام أعظم وأقدس.
والقرآن لا يحتاج منا أن نضيف إليه شيئًا حتى يكون عظيمًا.
كل ما يحتاجه منا أن نحترمه، ونتدبره، ونتلوه كما يليق بكلام رب العالمين، ثم نعيش بما فيه.
اللهم احفظ كتابك في صدورنا، واحفظ تلاوته من الابتذال، واحفظ قلوبنا من أن تجعل كلامك وسيلة للشهرة أو الاستعراض، واجعل القرآن حجة لنا لا علينا، ونورًا في حياتنا، وشفاءً لصدورنا، وسببًا لهدايتنا وثباتنا حتى نلقاك.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف