الصفحة التى نراها والكتاب الذى يعلمه الله : تأملات فى فقه الإبتلاء
14 أغسطس، 2026
بناء وتنمية الذات
بقلم : أ. هالة أشرف
لقد غير الابتلاء الصورة النمطية للألم والسعادة.
فليس كل ما يؤلم الإنسان عقوبة، كما أن كل ما يفرحه ليس بالضرورة مكافأة .
فالإنسان كثيرًا ما ينظر إلى ما يحدث له من خلال اللحظة التي يعيشها هو، فيظن أن المصيبة دليل على غضب الله، وأن النعمة دليل على رضاه ومحبته له، بينما يخبرنا القرآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.
فقد قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.
وتتوقف العين عادة عند كلمة الشر، لكنها قد لا تنتبه إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل الخير نفسه ابتلاء. فمن الواضح أن المرض امتحان، لكن الصحة امتحان أيضًا. والفقر امتحان، لكن الغنى امتحان آخر. وفقد الإنسان لمن يحب ابتلاء، وامتلاكه لما يحب ابتلاء كذلك. والمهم هنا ليس وجود الاختبار في حد ذاته، ولكن السؤال الذي يحمله كل اختبار إلى صاحبه والنتيجة المترتبة على ذلك الاختبار.
ولهذا فإن المصيبة التي تنزل بالمؤمن لا تعني بالضرورة أن الله يعاقبه أو لا يحبه، كما أن المصيبة التي تنزل بغير المؤمن لا تعني بالضرورة أنها دليل على أنه أسوأ من غيره.
فالابتلاء من سنن الحياة التي يشترك فيها الناس جميعًا، وإنما تختلف آثارها ومعانيها بحسب القلوب التي تستقبلها وردود الفعل تجاهها.
ولعل من أكثر التصورات ظلمًا للإنسان أن ننظر إلى مصيبته وكأنها حكم نهائي على علاقته بالله. فإذا مرض شخص قال بعض الناس: لعلها عقوبة لك.
وإذا ضاقت عليه دنياه ظنوا أنه أبعد عن رحمة الله، بينما قد يكون هذا البلاء نفسه بابًا لمغفرة ذنب، أو رفعًا لدرجة، أو ردًا إلى الله، أو حماية من أمر لا يعلمه الإنسان.
ومن الحكم الرائعة لابن عطاء السكندري في هذا القول: رُب معصية أورثت ذُلًا وانكسارًا، خيرٌ من طاعة أورثت عِزًا واستكبارًا.
وقد يكون البلاء عقوبة بالفعل في بعض الأحوال، ولذلك لا يصح أن نقول إن كل مصيبة رحمة بالضرورة. لكن الخطأ هو أن نجعل كل مصيبة عقوبة، أو أن ندعي معرفة الحكمة الإلهية في كل حادثة. فالله سبحانه وتعالى أعلم بعباده، وأعلم بما يصلحهم، وقد يرى الإنسان في الحادثة شرًا محضًا، بينما تكون وراءها من الحكم ما لا يستطيع أن يراه في لحظتها.
ولذلك كان الأنبياء عليهم السلام من أعظم الناس بلاءً، وقد قال النبي ﷺ (أشد الناس بلاءًا الأنبياء).
ولو كان مجرد نزول البلاء دليلًا على غضب الله، لكان الأنبياء أبعد الناس عنه. لكن حياتهم كانت مليئة بالاختبارات؛ فهذا أيوب عليه السلام ابتُلي في جسده، وهذا يعقوب عليه السلام ذاق ألم الفقد حتى ابيضت عيناه من الحزن، وهذا يوسف عليه السلام انتقل من بيت أبيه إلى البئر، ومن الرق إلى السجن، ثم إلى التمكين. حتى أن حب الناس له على مدار سنوات عمره أورثه الابتلاء. وهذا موسى عليه السلام، خرج خائفًا يترقب، وطاردته جيوش فرعون، ثم وقف البحر أمامه والعدو خلفه، حتى جاء الفرج من حيث لم يكن يملك له سببًا ظاهرًا.
وهذا عيسى ابن مريم عليه السلام، نشأ منذ مولده في موضع ابتلاء، وحمل قومه عليه ما حملوا من التكذيب والاتهام، ثم أرادوا قتله، فنجاه الله ورفعه إليه.
وهذا النبي محمد ﷺ عرف اليتم، وفقد الأحبة، والأذى، والحصار، والهجرة، والحرب.
وبالنظر إلى حياه الأنبياء الكرام العظام لم تكن هذه الآلام دليلًا على أن أصحابها كانوا أبعد عن الله، لكنها في الحقيقة كانت جزءًا من طريقهم إليه.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن الابتلاء لا يخبرنا دائمًا بمكانة الإنسان عند الله، لكنه يكشف كثيرًا عن مكان الله في قلب الإنسان.
فالإنسان قد يبدو ثابتًا ما دامت الأمور تسير كما يريد، لكنه حين يفقد ما يحب، أو تتغير الحياة فجأة، أو تغلق الأبواب التي ظن أنها لن تغلق، يظهر ما كان مستقرًا في قلبه. ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي له… أيشكر أم يكفر؟
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد جاءت الآية الكريمة في إشارة واضحة إلى أن البشارة كانت لمن صبر على الألم.
والصبر هنا لا يعني أن الإنسان لا يحزن، ولا أن المؤمن لا يبكي، ولا أن عليه أن يتظاهر بالقوة طوال الوقت. فالأنبياء أنفسهم حزنوا وبكوا، ويعقوب عليه السلام قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
إنما الصبر هو ألا يتحول الألم إلى جزع واعتراض على الله، وألا يتحول الحزن إلى يأس من رحمته، وألا تجعل المصيبة الإنسان ينسى أن وراء ما لا يفهمه حكمة يعلمها الله. والأمر نفسه ينطبق على النعم؛ فالإنسان قد يظن أن حصوله على ما يريد يعني أن الامتحان انتهى، بينما قد يكون قد بدأ للتو.
فالغني ممتحن في ماله: هل يشكر؟ وهل يعطي؟ وهل يستعلي بما عنده؟
والصحيح ممتحن في صحته: هل يستخدمها فيما ينفع؟ أم يهلك نفسه بالمحرمات؟
وصاحب العلم ممتحن في علمه: هل يجعله وسيلة لخدمة الناس أم وسيلة للتكبر عليهم؟
والوالدان ممتحنان في أبنائهما، وصاحب السلطة ممتحن في سلطته، ومن أُعطي قبولًا بين الناس ممتحن في هذا القبول.
وهنا تصبح الآية أكثر وضوحًا:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.
فالنعمة التي نظن أنها مكافأة قد تكون سؤالًا، والمصيبة التي نظن أنها عقوبة قد تكون بابًا للفتوحات الربانية من الله للعبد.
وربما كان هذا هو السبب في أن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يعرف معنى ما يحدث له بمجرد النظر إليه. فقد يبكي على باب أُغلق في وجهه، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان بابًا لو فتحه لهلك. وقد يحزن على أمر فقده، ثم يعلم بعد زمن أن الله أنقذه من شيء لم يكن يراه.
وهذا لا يعني أن الإنسان مطالب بأن يحب الألم أو يبحث عنه، وإنما يعني أن عليه ألا يستعجل الحكم على أقدار الله. فنحن نرى الصفحة التي نعيشها، بينما الله يعلم الكتاب كله.
وقد لا نعرف لماذا حدث لنا شيء معين، وقد لا نحصل في الدنيا على إجابة كاملة عن كل سؤال يؤلمنا. لكن المؤمن يستطيع أن يعيش بين أمرين: أن يأخذ بالأسباب لرفع البلاء، وأن يثق بالله فيما لا يستطيع تغييره.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين المؤمن وغيره؛ ليس في أن المؤمن لا يُبتلى، وإنما في أن البلاء لا يكون بالنسبة إليه مجرد ألم بلا معنى.
قد يكسره، لكنه يعيده إلى الله.
وقد يمنعه من شيء كان يريده، فيعلمه الرضا.
وقد يجعله يشعر بضعفه، فيكتشف حاجته إلى ربه.
وقد يسلب منه شيئًا كان يظن أن حياته لا تستقيم بدونه، فيعلم أن الذي أبقاه حيًا هو الله، لا ما كان يملكه.
ولهذا فإن السؤال الأهم حين ينزل البلاء ليس دائمًا: لماذا حدث هذا لي؟
بل قد يكون السؤال الأعمق: ماذا يريد الله أن يعلمني من خلاله؟
فقد لا نستطيع أن نعرف سبب الألم، لكننا نستطيع أن نختار كيف نستجيب له.
وهكذا يتشابه الألم بين البشر، لكن تختلف رسالته في قلوبهم؛ فقد يخرج إنسان من البلاء ساخطًا، ويخرج آخر منه أقرب إلى الله، وقد يخسر اثنان الشيء نفسه، فيجد أحدهما في الفقد يأسًا، ويجد الآخر فيه بابًا جديدًا من الإيمان.
ولذلك ليس كل ابتلاء عقابًا، وليس كل نعمة تكريمًا، وليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل فقد شرًا.
إنما نحن في هذه الدنيا في امتحان مستمر، مرة بورقة مكتوب عليها المنع، ومرة بورقة مكتوب عليها العطاء، ومرة بورقة لا نفهم ما كُتب فيها أصلًا.
ويبقى النجاح الحقيقي ليس في أن تمر الحياة بلا ابتلاء، فهذا ليس وعدًا لأحد، وإنما في أن يمر الإنسان بالابتلاء دون أن يفقد الله في الطريق.