علو الهمة في تحصيل العلم.. طريق العلماء إلى المجد

بقلم د/ مدحت عــلي أحمد وِربي
من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية.

علوالهمة في تحصيل العلم (3).

الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى، وآله وأصحابه الشرفا.

إن الهمة العالية مطلوبه في كل شيء في العبادة وفي الدعوة وفي الجهاد وفي جميع مجالات الحياة الهمة العالية في كل شيءٍ من أمورالدين والدنيا ؛ وتحصيل العلم من أهم مجالات علوالهمة ؛ ذلك لأن العلم هو الوقود لهذه المجالات كلها .

وقدمت فريضة العلم قبل التوحيد الذي هو الأساس، فكان أول ما نزل من القرآن الكريم “:اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ” وليس :آمن بربك أو صل لربك ،أو صم لربك، وإنما قال تعالي: ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ ‌وَرَبُّكَ ‌الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)‌‌[سورة العلق: 1 : 5]، القراءة طريق العلم ،والعلم هو الطريق للإيمان .

والحاجة ماسة لعلوالهمة في تحصيل العلم وذلك :-

1-لأنّ بالعلم فُضّل الإنسان على باقي المخلوقات حتى على الملائكة؛ فقد أسجد الله الملائكة لآدم وبيّن علّة ذلك (قالَ يَا آدَمُ ‌أَنْبِئْهُمْ ‌بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) (البقرة :33).

2-وقرن الله تعالى شهادته بالتوحيد والوحدانية بشهادة الملائكة وأولي العلم كما قال تعالي:(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)(آل عمران :18)، ورفع الله تعالي أهل العلم درجات عن غيرهم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)(المجادلة : 11)

3-ولأنّ العلم:هوالوسيلة لمعرفة الله تعالى كما قال الله تعالي: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (19)(محمد :19).

4-ولأنّ العلم حجرالأساس لتقدم أيّ أمّة ونهضة أيّ وطن وأمة.

بالعلم والمال يبني الناس ملكهمُ:‌لم ‌يبن ‌ملك ‌على ‌جهل وإقلال.

5-ولأن العلم هو الأمرالوحيد الذي أمرالله نبيه بأن يستزيد منه؛ فيقول {فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)} [طه: 114].ومن الملاحظ في هذه الآية الكريمة أن رقمها:(114) وأن عدد سور القرآن : (114) ، وكأن المعني: من أراد العلم والزيادة في العلم فعليه بسور القرآن الكريم .

6-ولأن سلوك طريق العلم ضمان للثواب الأعظم من الله تعالي عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: …..، وَمَنْ ‌سَلَكَ ‌طَرِيقًا ‌يَلْتَمِسُ ‌فِيهِ ‌عِلْمًا ‌سَهَّلَ ‌اللهُ ‌لَهُ ‌بِهِ ‌طَرِيقًا ‌إِلَى ‌الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ »(مسلم/ (8/ 71/38 -2699).

7-ولأنّ العلم هوأعظم ما يتبقّى من عمل ابن آدم بعد موته؛ ففي الحديث:عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ ‌صَدَقَةٍ ‌جَارِيَةٍ، ‌أَوْ ‌عِلْمٍ ‌يُنْتَفَعُ ‌بِهِ، ‌أَوْ ‌وَلَدٍ ‌صَالِحٍ ‌يَدْعُو ‌لَهُ »)(مسلم/5/ 73).

8- ولأنّ الجهلاء لا قيمة لهم ، حتي عند أنفسهم فلو ناديت علي جاهل بقولك يا جاهل : يغضب فالجاهل والعالم لا يستويان أبدا، وصدق الله إذ يقول:{أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ ‌يَسْتَوِي ‌الَّذِينَ ‌يَعْلَمُونَ ‌وَالَّذِينَ ‌لا ‌يَعْلَمُونَ ‌إِنَّمَا ‌يَتَذَكَّرُ ‌أُولُو الألْبَابِ ‌‌(9) } (الزمر:9).

حرص السلف من الصحابة على طلب العلم

العلم الشريف هو صناعة القلب، وهو شغل القلب، فالعلم وظيفة تؤدى أساساً بالقلب، والقلب إذا حمل هم رفع رذيلة الجهل والتحلي بالعلم الشريف، فإن القلب ينشغل بذلك، ويكون هذا جل همه ، فلابد أن يتفرغ طالب العلم، ويوحد همه، ويجعل له وجهة واحدة، فالقلب لا ينشغل إلا بشيء واحد فقط كما قال تعالى:” مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ” [الأحزاب:4].

فإذا صارت شهوة القلب في العلم ولذته في إدراكه رجي له أن يكون من جملة أهل العلم ، وقد كان علماؤنا رحمهم الله تعالى يحرصون على العلم وطلب العلم حرصاً ليس له نظير، ونذكر أمثلة على ذلك :

هذه لقطات سريعة جدا لعلو الهمة عند سلفنا من العلماء :

-“الإمام النووي عاش ٤٥ سنة وترك من المؤلفات ما لو قسموهاعلى أيام حياته لكان لكل يوم فيها أربعة كراريس ، وكان يقرأ كل يوم أحد عشر درسا مع الضبط والتعليق. كذلك الإمام النووي رحمه الله قل أن يمشي في الطريق دون أن يحفظ شيئاً من كتب العلم أو من القرآن الكريم، كان يستغل الوقت وهو يمشي في الطريق رحمه الله.

-هذا أبو حاتم الرازي، كان من علماء التفسير وعلماء الحديث، يحكي ابنه عبد الرحمن عنه فيقول: ربما كان يأكل وأقرأ عليه وقت الأكل، وذلك من حرصه على الوقت فهو يأمر ابنه أن يقرأ عليه وهو يأكل، فيسمع علماً فلا يذهب وقت الأكل عليه، ثم يقول ابنه: ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه.

وكذلك جدّ ابن تيمية كان يفعل ذلك أيضاً، كان ‌إذا ‌دخل ‌الخلاء ‌أمر ‌أحد ‌أولاده ‌أن ‌يقرأ ‌عليه ‌من ‌خارج ‌الخلاء؛ لأنه لا يستطيع أن يدخل معه الكتب الخلاء، فحتى لا يذهب الوقت يأمر أحد أولاده بأن يقرأ عليه وهو في الخلاء”. (كيف تصبح عالما/7/ 15).

-“ابن جريرالطبري: كان يكتب كل يوم أربعين ورقة تأليفا ، وروى أَن ابن جرير الطبري قَالَ لأَصْحَابه أتنشطون لتفسير الْقُرْآن ،قَالُوا كم يكون قدره؟

فَقَالَ: ثَلَاثُونَ ألف ورقة، فَقَالُوا:‌هَذَا ‌مِمَّا ‌تفنى ‌الْأَعْمَار ‌قبل ‌تَمَامه فَاخْتَصَرَهُ فى نَحْو ثَلَاثَة آلَاف ورقة ،ثمَّ قَالَ :هَل تنشطون لتاريخ الْعَالم من آدم إِلَى وقتنا هَذَا قَالُوا كم قدره ثَلَاثُونَ ألف ورقة كما قال فى التَّفْسِير فأجوبوه بِمثل ذَلِك فَقَالَ إِنَّا لله مَاتَت الهمم فَاخْتَصَرَهُ فى نَحْو مَا اختصر التَّفْسِير”!!.(طبقات الشافعية /3/ 123).

فماذا يقول ابن جرير الطبري لو يعيش في عالمنا وفي عصرنا وطلبة العلم بعضهم لم يقرأ تفسيراً واحداً لكتاب الله، وبعضهم لا يحفظ بعض الأجزاء من كتاب الله، وبعضهم لم يقرأ صحيح البخاري أو صحيح مسلم مرة كاملة، ولا يحفظ شيئاً من أحاديث المصطفى، ماذا يقول: لو عاش ابن جريربيننا؟

لقد قال لإصحابه : إنا لله ماتت الهمم، فلا أدري ماذا سيقول لو عاش بيننا؟

-الإمام القاسمي :يمر بمقهى امتلأ بالناس ،فيقول لبعض رفاقه : آه، كم أتمنى أن يكون الوقت مما يباع ﻷشتري من هؤلاء جميعا أوقاتهم.

-الإمام البخاري أمضى الإمام البخاري ستة عشر عامًا (16) من شبابه في حلٍ وترحال ليجمع صحيحه فلم يدع محدثاً ولا عالماً إلا أخذ منه ما عنده‼ وقد بلغ عدد من أخذ عنهم أكثر من ألف 1000 شيخ بحسب روايته ،وكان يرحل لطلب الحديث الواحد، حتى قيل إن رحلات البخاري لو جمعت لزادت عن محيط الأرض مرتين ،وكان يعيش للعلم يفكر فيه نهاره وليله، يقوم في الليل يشعل السراج ويكتب شيئاً، ثم ينام قليلاً ثم يخطر له خاطر جديد فيقوم، حتى أنه ليشعل السراج في الليلة الواحدة أكثر من عشرين مرة (20)‼️.

-في ترجمة ابن السنوسي قرأت صحيح البخاري نحو١٢٠ مرة.

-الحافظ ابن عساكر بلغ عدد شيوخه ألف وثلاث مئة شيخ 1300، وبضع وثمانون امرأة 80.

-وصدق من قال في حقهم :

أولَئِكَ قَـومٌ شَيَّـدَ اللَـهُ فَخرَهُـم:فَما فَوقَهُم فَخرٌ وَإِن عَظُمَ الفَخـرُ.

فرضي الله عنه ورحمه وجزاه عن أمة الإسلام خير الجزاء.

‏وهذه قطرات من سِيَر القرّاء الكرام رضي الله عنهم ..

-كان الإمام نافع إذا تكلم يُشمُّ من فمه رائحة المسك، فسُئل عن ذلك ، فأجاب: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقرأ في فيّ -في فمي- فمن ذلك الوقت أشم تلك الرائحة.

أما تلميذه قالون فأصيب بالصمم فكان لا يسمع البوق ، وأما إذا قرئ عليه القرآن فيسمعه.

وأما تلميذه ورش فكان حسن الصوت إذا قرأ يهمز ويَمُدّ،وإذا قرأ ملأ صوته صحن المسجد ، وكان من يسمعه لا يملُّ من سماعه.

-قال هشام بن عمار رحمه الله : باع أبي بيتاً بعشرين ديناراً وجهزني للحج فلما وصلت المدينة أتيت مجلس الإمام مالك رحمه الله وهو جالس في مجلسه في هيئة الملوك والناس يسألونه وهو يجيبهم فلما حان دوري.

قلت له: حدثني فقال لا، بل اقرأ أنت فقلت لا بل حدثني ، فلما راددته وجادلته غضب .

وقال : يا غلام تعال اذهب بهذا فاضربه خمسة عشر، قال: فذهب بي فضربني ثم ردني إلى مالك فقلت : قد ظلمتني فإن أبي باع منزله وأرسلني إليك أتشرف بالسماع منك وطلب العلم على يديك ، فضربتني خمس عشرة دُرّة بغير جرم(15) ، لا أجعلك في حل ، فقال مالك ، فما كفارة هذا الظلم ؟

فقلت كفارته أن تُحدثني بخمسة عشر حديثاً ،فقال هشام:فحدثني مالك بخمسة عشر حديثاً فلما انتهى منها قلت له: زد في الضرب وزد في الحديث ، فضحك مالك وقال لي : اذهب وانصرف . (معرفة القراء الكبار للذهبي/1/196).

وهذا الإمام الشعبي :

عن بن المديني قال قيل للشعبى: «مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا العِلْمُ كُلُّهٌ؟ قَالَ: ” بِنَفْيِ الاعتماد ، وَالسَّيْرِ فِي البِلَادِ، ‌وَصَبْرٍ ‌كَصَبْرِ ‌الجَمَادِ ، وَبُكُوْرٍ كَبُكُوْرِ الغُرَابِ » وقال بن عيينة « العلماء ثلاثة بن عباس في زمانه والشعبي في زمانه والثوري في زمانه» (تذكرة الحفاظ /1/ 64).

وقالَ الخطيبُ البغداديُّ: « أجودُ أوقاتِ الحفظِ الأسحارُ، ثمَّ نصفُ النهارِ، ثمَّ الغداةُ، وحفظُ الليلِ أنفعُ منْ حفظِ النهارِ، ووقتُ الجوعِ أنفعُ منْ وقتِ الشبعِ ». (النكت الوفية /2/ 355).

دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ والسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا : حَدَّ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَهُ الأُزُرَا

وَكَابَدُوا المَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ: وَعَانَقَ المَجْدَ مَنْ وَافَى وَمَنْ صَبَرَا

‌لَا ‌تَحْسَبِ ‌المَجْدَ ‌تَمْرًا ‌أَنْتَ آكِلُهُ: لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا.

فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر عليها إلا على جسر من المشقة، فلا تقطع مسافتها إلا بالجد والاجتهاد .

وأخيرا مهما تعبنا في طريق تحصيل العلم فإنه قليل كما جاء عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَخِرُّعَلَى وَجْهِهِ، مِنْ يَوْمِ وُلِدَ ‌إِلَى ‌يَوْمِ ‌يَمُوتُ، ‌هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللهِ، لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “(أحمد/29/ 197).