لا ترضَ بالدون.. فالقمم لا يسكنها أصحاب الهمم الضعيفة

بقلم :د / مدحت عــلي أحمد وِربي
من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية

الحمد لله رب العالمين اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، والنصر علي الأعداء والفوز يوم القضاء، وأن تسلك بنا طريق الأنبياء والأولياء الأصفياء… اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأجلاء… وعلى السائرين على دربه والداعين بدعوته إلى يوم اللقاء… فطموح المسلم بلا حدود …..

حثّ النّبي صلى اللهُ عليهِ وسلّم على طلبِ أعلى الدرجات في الجنّة وسؤال الله الفردوس كما جاء في البخاري عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا.

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ‌فَإِذَا ‌سَأَلْتُمُ ‌اللهَ ‌فَاسْأَلُوهُ ‌الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ»(البخاري/4/ 16/2790).

ومن تاريخنا الإسلامي العريق بنماذج حيّة وأمثلة ميدانية للطامحين إلى معالي الأمور وأعلي المراتب، فهذا الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يقول: « إِنَّ لي نفسًا تواقة! ما نالت شيئًا إلا تاقت إِلَى ما هو أفضل منه! تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن يا رجاء تاقت نفسي إلى الجنة، فأرجو أن أكون من أهلها”

وإذا كانت النفوس كبارُا : تعبت في مرادها الأجساد

لما ولي الخلافة، سمعوا في بيته صريخًا عاليًا من النساء،فسئل عن ذلك فقيل: إِنه خير امرأته وجواريه، فَقَالَ: من أرادت منكن أن تذهب فلتذهب، ومن أرادت أن تقيم فلتقم، وليس لها مني نصيب، فإني قد نزل بي أمرٌ شغلني عنكن، فبكين إياسًا منه.

وكان يقول لأولاده: إِنَّ أباكم خير بين أن تفتقروا ويدخل الجنة، وبين أن تستغنوا ويدخل النار، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أَحَبّ إِلَيْهِ.

‌‌هكذا المؤمن يجمع بين طموح الدنيا وطموح الآخرة حتى يتحقق فيه قول الشاعر:

علوٌّ في الحياة وفي الممات : لحقٌّ أنتَ إحدى المكرمات

يقول المتنبي:

إذا غَامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُوم : فلا تَقْنَع بما دُونَ النّجُوم

ومن أعداء الطموح اليأس والقنوط، والعجز والكسل، والتسويف والتأجيل، والأعذار الوهميّة التي لا تنتهي، والاستسلام للفشل والخوف، وترك العمل في منتصف الطريق، يقول الشاعر:

ولم أرَ في عُيُوبِ الناسِ عَيْبًا : كنَقْصِ القَادِرِين على التّمامِ

وأجمل الطموحات والأحلام ما يُقرّبُ الإنسان من ربّه، ويكون سببًا لخدمة الإنسانية ونفعها، وسعادة الدنيا والآخرة .

أصحاب “الهمة والطُموح الأذكياء النبلاء الفُطَناء…

شِعارهم ﴿ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ ﴾[5]، ودِثارهم «اسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلا تَعْجِزْ»، ونهجهم «القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا»،وقُدوتهم مَن “”كَانَ خُلُقُه القُرآنَ””، ونِبراسهم «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعيفِ»، فهُمهم ﴿ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾[6]، وعِلْمِهم: «إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ وأَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها»، غايتهم قول النبيّ «فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فإنَّه أوْسَطُ الجَنَّةِ وأَعْلَى الجَنَّةِ»، خطتهم: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا». والطموح اللامحدود يعني: “أنه كلما حقق الإنسان طموحًا سعى إلى طموح آخر، وهلم جرًّا، حتى يرتقيَ أقصى سُلَّم النجاح”، والفوز العظيم بالجنة والنجاة من النار؛ قال تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ [آل عمران: 185]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].

همَّــــــــــــة المؤمـــن أبلغ من عملـــــــــــه.. عَنِ ‌ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.» (البخاري/8/ 103/6491).

‌عن سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ حَدَّثَهُ عَنْ ‌أَبِيهِ ، عَنْ ‌جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « ‌مَنْ ‌سَأَلَ ‌اللهَ ‌الشَّهَادَةَ ‌بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ»(مسلم/6/ 48/157 – 1909).

وقد يتفوق المؤمن بهمته العالية كما بيَّن ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ‌كَيْفَ ‌يَسْبِقُ ‌دِرْهَمٌ ‌مِائَةَ ‌أَلْفٍ قَالَ رَجُلٌ كَانَ لَهُ دِرْهَمَانِ، فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَآخَرُ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْ عَرَضِهَا مِائَةَ أَلْفٍ “«صحيح ابن خزيمة» (4/ 99/2443 ) .

فاحذر أن تكون من تكون هؤلاء الذين قال تعالى فيهم : ( ‌وَلَوْ ‌أَرادُوا ‌الْخُرُوجَ ‌لَأَعَدُّوا ‌لَهُ ‌عُدَّةً ‌وَلكِنْ ‌كَرِهَ ‌اللَّهُ ‌انْبِعاثَهُمْ ‌فَثَبَّطَهُمْ ‌وَقِيلَ ‌اقْعُدُوا ‌مَعَ ‌الْقاعِدِينَ (46))

ولا تسمعوا لهذا الشاعر- معروف الرصافي – القائل :

يا قوم لا تتكّلموا : إن الكلام محرَّم

ناموا ولا تستيقظوا: ما فاز إلاّ النُوَّم

وتأخّروا عن كل ما : يَقضي بأن تتقدّموا

ودَعُوا التفهُّم جانباً :فالخير أن لا تَفهموا

وتَثّبتُّوا في جهلكم :فالشرّ أن تتعلَموا

وإذا ظُلِمتم فاضحكوا: طرباً ولا تتظلّموا

وإذا أُهِنتم فاشكروا: وإذا لُطِمتم فابسِموا

فتحمدوا وتشكّروا : وترنّحوا وترنّموا .

هذا همة و طموح صيدلي – غير مسلم – كان يحاول أن يركِّب دواءً لمعالجة سوء الهضم، وإذا به يكتشف شرابًا لذيذًا لا يتشابه مع أي شراب موجود في العالم، ثم ترك عمله وقرَّر إنشاء شركة من خلالها ينشر هذا المشروب؛ ليعالج الناس من سوء الهضم، واسم هذه الشركة بيبسي كولا، واستطاع أن يصل إلى (195 دولة) في مختلف أنحاء الأرض، فكرة بسيطة مع طموح وإرادة وهو غير مسلم ، وتقدم ببراءة اختراع ليسجل اختراعه كماركة مسجلة، وكانت دعايته لبيع البيبسي تقول منعش، مقوٍّ، مهضم، ثم استطاع التعبئة في زجاجات، وزادت مبيعات الشركة (100000مائة ألف جالون) من الشراب، واجهه الكثير من الصعوبات بعد الحرب العالمية وارتفاع الأسعار، وإفلاس الشركة، إلا أنه بدأ من جديد وبإرادة قوية في خلال 3 سنوات عادت الشركة بشكل جديد، هذا الشاب الطموح صاحب اكتشاف مشروب الكولا هو “براد هام”.

وأفضل الهمم والطموح ما قاله الحسن البصري: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره.

وقال وُهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافْعَل.

وقال مالك: (عليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتقِ رذائلها وما سفَّ منها؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّ معالي الأمور، ويكره سفسافها).

وقال ابن الجوزي: (من علامة كمال العقل علوُّ الهمة، والراضي بالدون دني).

يروي لنا التاريخ أن الصليبيين بعثوا بأحد جواسيسهم إلى أرض الأندلس المسلمة، وبينما الجاسوس يتجوَّل في أراضي المسلمين إذا به يرى غلامًا يبكي، فسأله ما يبكيك؟

فأجابه بأنه كان يصيب عشرة أسهم من عشرة في الرمي؛ لكنه اليوم أصاب تسعة فقط من عشرة. فأرسل الجاسوس إلى الصليبيين يخبرهم: (لن تستطيعوا هزيمة هؤلاء القوم فلا تغزوهم).

ثم مرت الأعوام وتغيرت الأحوال وتبدَّلت معها الهمم والهموم، وجاء الجاسوس الصليبي إلى أرض المسلمين مرة أخرى، فرأى شابًّا يبكي، فسأله عما يبكيه، فأجابه بأنه يبكي لأن فتاته – محبوبته – التي يحبها قد هجرته إلى غيره، فأرسل الجاسوس إلى قومه (أن اغزوهم الآن فإنهم مهزومون).

وهذا نموذج لمن ضعفت همته فلزمه الذل والهوان:

يُحكى أنه عندما دخل التتار بغداد، كان الجندي التتري يأمر المسلم أن يقعد في مكانه، ثم يغيب التتري، ويظل المسلم جالسًا مكانه لا يتحَرَّك ولا يفكر حتى في مجرد الهروب، ثم يعود التتري بحجر فيشدخ به رأس المسلم، ويقتله بهذا الحجر، وهو جالس ساكن منتظر للموت.

ولما سَلَّم أبو عبدالله محمد بن الأحمر- آخر ملوك الأندلس – غرناطة للنصارى، وذهب خارجها على قمة جبل هناك، أجهش بالبكاء وصاح: الله أكبر! ووقفت أمه عائشة إلى جانبه وهي تقول: حق لك يا بني أن تبكي كما تبكي النساء؛ لفقد مدينة لم تستطع أن تدافع عنها دفاع الرجال!

ولا تزال البقعة التي ودَّع فيها أبو عبدالله مدينته بدموعه وزفراته تُسمَّى إلى الآن: آخر حسرات العربي، ثم اجتاز أبو عبدالله إلى بر العدوة بإفريقية حيث كان يعيش بها هو وأبناؤه بسؤال المحسنين.

قال ابن خلدون في مقدمته المشهورة: “ولذلك ترى المغلوب يتشبَّه أبدًا بالغالب”. وما فيه المسلمون الآن من ضعف وهوان ما هو إلا نتاج ضعف الإرادة وسقوط الهمة والرضا بالدون والهوان، ولقد صدق النبي- عليه الصلاة والسلام- عندما قال : عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟

قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ ‌صُدُورِ ‌عَدُوِّكُمُ ‌الْمَهَابَةَ ‌مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»(أبو داود/4/ 111 /4297).

• لا بُدَّ من تربية الأطفال منذ صغرهم على علوِّ الهمة وبذل أقصى ما في وسعهم وتذكيرهم دومًا بعظماء هذه الأمة وأصحاب الهمم العالية؛ حتى ينشأوا شبابًا ورجالًا ونساءً صالحين لأمتهم ودينهم وأوطانهم ولأنفسهم وذويهم، فقدر كل أمة على قدر هِمَم أهلها، فإذا كان هِمَّة أهلها وشبابها الأمور التافهة فلا شك في أنها سوف يتسَلَّط عليها أعداؤها، وسوف تظل في ذيل الأمم.

.