(الجبر بعد الصبر اثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الطائف)

بقلم الداعية : أ . سلوى النجار

وفي المقال السابق وصلنا إلى حائط البستان وجلوس النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح بعد عشرة ايام دعوة ، وقيل شهر مع شدة ومعاناة مع الكفار المشركين المعاندين، يسبونه ويستهزئون به.

قالوا: يا محمد اخرج من بلدنا. وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبُّونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.

قال ابن عقبة: وقفوا له صفَّين على طريقه، فلما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الصَّفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما -أي: (رموهما)- بالحجارة حتى أدمَوا رجليه.

وذكر في السيرة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أذلقته الحجارة -أي: (أقلقته وأضعفته)- يقعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه ويقيمونه فإذا مشى رجموه بالحجارة وهم يضحكون. بأبي أنت وأمي ،والدنيا كلها يارسول الله . هل تَوجَّع أحد مثله ؟؟صلى الله عليه وسلم وهل أوذي مثله أحد في سبيل الله ونشر التوحيد مثله ؟؟.ليس على ظهر الدنيا من تحمل مثله صلى الله عليه وسلم 

انظر ماذا يقول ابن سعد: (وزيد بن حارثة يَقِيه بنفسه حتى لقد شجَّ في رأسه )

لم يتركوه صلى الله عليه وسلم يمشى هكذا سِلْماً ، وهذا دأب الجاحدين وهم يضحكون وهو مكروبٌ مُوجعٌ وإذا في الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة فلما رآهما كَرِهَ مكانَهما صلى الله عليه وسلم لِما يعلم من عداوتهما لله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم، فلما اطمأنَّ في ظِلِّ حائط البستان ، بعد أن سخرهما الله لطفا به صلى الله عليه وسلم أرسل عداس بقطف العنب السعيد ، هذه رحمة الله به ،وتسخيرهم له صلى الله عليه وسلم. ولما وجدا قبلات وأحضان عداس ، وانكبابه يقبل رأسه ويديه وقدميه ، انظروا إلى هذا المشهد العظيم الرائع الذي تتجلى فيه أسمى معاني الهدى والنور الذي ما إن يلامس قلب معلق بالله إلا دخل الهدى والنور قلبه وكيف لا ؟وعداس هذا !يكون قد أسلم مرتين ، مرة بإسلامه بنبيه يونس عليه السلام من قبل ومرة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

فتعجب ابنا ربيعة بن شيبة؛ وقال أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاء عداس قالا له: ويلك يا عداس مالك تقبِّل رأسَ هذا الرجل ويديه وقدمَيه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيءٌ خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإنَّ دينك خير من دينه. ” وهذا ذكره ابن هشام في سيرته . ولكن هيهات هيهات لقلب دخل فيه هدى الله وحب رسوله .وهذه الجائزة الأولى والجبر بعد الصبر .

وكانت قبلات عداس وإسلامه جبرًا عظيما وفرحة عظيمة لرسول الله من رب العالمين ، وكيف لا ودخول فرد واحد في الإسلام عرف الهدى من قبل واهتدى لهو خير من الدنيا وما فيها ،ومع قطف العنب السعيد الذي أكله حبيبنا المصطفى كان فضلا ورحمة وجبراً من رب العالمين ، ولكن المشهد لم ينتهي بعد  ، هذه هي الجائزة الأولى .

اما الجائزة الثانية: جبرًا أعظم من الجبر الأول : فبينما يمشي رسول الله تاركاً الطائف يقف يصلي ركعتين وهذا دأبه صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة يقول ابن إسحاق : [ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمرَّ به النفر من الجنِّ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، فاستمعوا له، نعم استمعوا للقرآن الذي يتلوه في صلاته فلما فرغ من صلاته ولَّوا إلى قومهم منذرين . قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، وكانوا أسرع إسلاماً من الإنس .

فأي لطف وخير من الله أنزله لتثبيت نبيه وتلطيفاً لقلبه ونفسه .

وقد قصَّ الله خبرهم عليه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) ﴾ الأحقاف 

فكانت الجائزة العظيمة والجبر العظيم إسلام الجن ودعوتهم لقومهم بدون معاناة . إنه الله .{ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم }(38) محمد .

 ثم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وزيد بن حارثة في جوار المطعم بن عدي ، وقد جبر الله قلبه 

بإسلام عداس رضي الله عنه وإسلام الجن وإنذارهم لقومهم وتحمل امر الدعوة إلى الله .

اما الجبر الثالث :والجائزة الكبري :هي إسلام الوفود من الأنصار وهنا الجبر العظيم والجائزة الكبرى، التي بها سيفتح العالم كله له صلى الله عليه وسلم ويبدله قوماً خيراً من قومه الذين آذوه وأخرجوه ، إلى قوم أحبوه ونصروه واتبعوا النور الذي معه.

صلوات ربي وسلامه عليك يا رسول الله.

ويتبع في المقال التالي بيعة الانصار ونصرتهم إن شاء الله تعالى.