واصبر نفسك ؛ بين التفسير القرآني والإشارات والعلم الحديث


بقلم : سكره عبد العزيز علي صالح
باحثة دكتوراة بكلية العلوم جامعة الأزهر الشريف


إنَّها آيةٌ تأخذ بيد الروح من الدنيا إلى سكينة الذكر، ومن التعلُّق بالخلق إلى إرادة الحق، وتعلِّمنا أنَّ بعضَ المجالس ليست مجرَّد أماكن نجلس فيها، بل أبوابٌ تتغيَّر عندها القلوب، وتتهذَّب فيها النفوس، وتستيقظ فيها الأرواح.

قال الله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
تَعالَوْا نفتح أبوابَ هذه الآية؛ لنتأمَّل أسرارَها اللغوية، وإشاراتِها الروحية، وما يُضيء منها في فهم النفس الإنسانية، على هدي التفسير المعتبر، وإشارات العارفين بالله.
اولا: الاشارات العلمية في الآية
التحديد الزمني الدقيق (الغداة والعشي)
العلم الحديث يثبت ان جسم الانسان يعمل بنظام زمني دقيق يسمى
الايقاع اليومي (Circadian Rhythm)
وهذا النظام يتحكم في
افراز الهرمونات
صفاء الذهن
الاستعداد النفسي
التركيز والسكينة
وقد ثبت علميا ان اعلى درجات الصفاء الذهني والهدوء العصبي تكون
في الصباح الباكر (الغداة)
وقبيل الغروب (العشي)
وهما الزمنان اللذان
ينخفض فيهما التوتر العصبي
يرتفع فيهما الاستعداد للتأمل والانتباه العميق
فالقرآن يوجه الانسان الى ازمنة الذكر الاكثر توافقا مع فطرة الدماغ والجهاز العصبي، قبل ان يعرفها العلم باربعة عشر قرنا
الصحبة وتاثيرها العصبي
﴿مع الذين﴾ ليست لفظا روحيا فقط، بل لها اساس علمي
علم الاعصاب الاجتماعي يثبت ان
المخالطة المنتظمة لاشخاص هادئين، متزنين، ذوي هدف روحي
تعيد تشكيل الشبكات العصبية
تخفف القلق
ترفع الاحساس بالمعنى
وهذا ما يعرف علميا بـ
Neuroplasticity through social bonding
اي ان الصحبة الصالحة تغير بنية الدماغ فعلا، لا مجازا
ثانيا: التفسير اللغوي
التفسيراللغوي لهذه الآية الكريمة التي نزلت خطابا للنبي ﷺ، وهي في حقيقتها خطاب لكل قلب يريد الله
فانزل الله هذه الآية تكريما لاهل القلوب، وتثبيتا لمعيار القرب الحقيقي
﴿واصبر نفسك﴾
اي: الزمها وامسكها وثبتها
فالصبر هنا ليس تحملا فقط، بل مجاهدة اختيار وملازمة محبة
اي: لا تترك قلبك يفر من مجالس الصادقين
ولو مالت النفس الى الزينة والراحة
﴿مع الذين يدعون ربهم﴾
اي: اهل الذكر، واهل الدعاء، واهل التعلق بالله،
الذين لا يطلبون جاها ولا سمعة، بل صلة وحضورا
فيها سر الصحبة،
فالقلب يتربى بالانفاس قبل الكلمات
﴿بالغداة والعشي﴾
اي: دوام الذكر في جميع الاوقات،
وهذا يدل على ثبات القلوب لا موسمية العبادة
﴿يريدون وجهه﴾
وهذه هي الذروة
اخلاص القصد، فلا مطلب لهم سوى الله،
لا دنيا، ولا منزلة، ولا نظر الخلق
اي: لا يطلبون منه عطاء،
بل يطلبونه هو
قال الجنيد رحمه الله
“ما وصل من وصل بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بصدق توجه الى الله”
هذه الآية تعلمنا ان
القرب ليس بالمظاهر
والرفعة ليست بالمكانة
والصحبة الصادقة تنقذ القلب
ومن اراد الله، فليلزم اهل الله
هي آية تربية، وصحبة، واختيار طريق
هذه الآية ليست امرا اخلاقيا فقط، بل
خارطة عصبية
ومنهاج روحي
وسر صوفي
تجمع بين
حكمة الجسد
وسكينة النفس
ونور الروح
﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾
تعلمنا من سيدي محيي الدين ابن عربي رضي الله عنه
ان الصبر هاهنا ليس حبس الجسد، بل اقامة الروح في حضور من حضروا به لا بانفسهم
﴿واصبر نفسك﴾ اي: امسكها عن التشوف الى غير مجلس الذكر، فان النفس تميل الى الزينة، والروح تميل الى الحق
﴿مع الذين يدعون ربهم﴾
وما الدعاء الا انكسار، وما الانكسار الا باب الوصول. فهم لا يدعونه بالسنة فقط، بل يدعونه بفقرهم، وينادونه بغيابهم عن سواه
﴿بالغداة والعشي﴾
اي في كل زمن، لانهم ابناء الحال، لا يعرفون للقلب وقتا دون وقت، فمتى حضر الحق سقط التقييد
﴿يريدون وجهه﴾
وهذه غاية الغايات؛ فمن اراد الوجه، فقد فني عن الطلب، ومن فني عن الطلب، وجد
اذ ليس الوجه صورة تدرك، بل حقيقة تشهد، ولا يشهد الا بنفس صبرت عن الدنيا، واقامت في صحبة الاحبة
فاصبر نفسك معهم، فان الصحبة مرآة، ومن جالس القوم سرى اليه من احوالهم ما لا يدركه بعلم ولا عبادة
وهناك، حيث لا اله الا هو، تعرف لم كان الصبر امرا، ولم كان الوجه مقصدا، ولم كان الاحبة طريقا
تعلمنا من سيدي احمد البدوي رضي الله عنه
كان يرى ان الصبر في الآية ليس تحملا، بل تثبيت للقلب في موضع الفيض
﴿واصبر نفسك﴾
اي: اربطها، لا تتركها تسيح بين الخلق،
ولا تطعمها كثرة النظر،
ولا تشبعها الا من مائدة الذكر
﴿مع الذين﴾
اي: مع من غابوا عن انفسهم فحضرتهم انفاس الحق،
فالصحبة انتقال حال، لا اجتماع اجساد
﴿يريدون وجهه﴾
اي: لا يريدون كرامة،
ولا كشفا،
ولا شهرة،
بل سقوط الارادة الا ارادته
تعلمنا من سيدي ابي الحسن الشاذلي رضي الله عنه
﴿واصبر نفسك﴾
اي: لا تطلب التعجيل،
ولا تقطع الطريق بلهفة الوصول،
فان الصبر باب التمكين
﴿بالغداة والعشي﴾
اي: في حال النور،
وحال الفتور،
فمن عبد الله في الحالتين فقد صدق
﴿يريدون وجهه﴾
اي: من رضي بالله بلا شرط،
واحبه بلا عوض،
واقام معه بلا دعوى