
بقلم الشيخ : مصطفى أحمد مصطفى
هل يكون الغنى بكثرة المال والممتلكات والأولاد، أم بالأشخاص والنفوذ؟ سؤالٌ يُحيِّر من لا عقل له! نعم، يُحيِّر من لا عقل له؛ لأن هذا الشخص لو كان عاقلًا لعرف بمَن يكون الاستغناء، وكيف يكون، ولعرف أيضًا ما الفقر، ولِمَن أفتقر، وكيف يكون.
هل يعني الغنى أن أترك الأموال والممتلكات والمناصب والنفوذ؟ أم يعني أن أترك أولادي وأقاربي وجيراني، وأنعزل عن الناس، فأكون مشرّدًا بلا مأوى ولا بيت ولا مال ولا طعام؟ ما كان الغنى مثل ذلك، ولا الفقر كذلك.
تعالوا بنا نرى أولًا: كيف يكون الغنى؟
يكون الغنى، أخي المسلم، بالله؛ أن تترك ملذات الحياة التي تبعدك عن الله، وتعود إليه، وترجع إلى العبادة والطاعة، وأن تعلم أن كل ما قسمه الله لك فهو لك لا محالة، ولن يأخذه أحد غيرك؛ لأنه مكتوب لك.
وأن تتذكر دائمًا أن الله معك، فلا يوقفك أي أمرٍ صعب في حياتك عن الوصول إلى الله. فكيف تكون فقيرًا والله معك؟ إن الله لن يتركك ولو للحظة واحدة؛ لأنه لو تركك لهلكت، ولما بقي لك شيء.
إن الغنى الحقيقي هو ألا تسأل أحدًا عن شيءٍ إلا الله، فهو كل شيء؛ هو الحياة، وهو الراحة، وهو الطمأنينة، ويكون ذلك عند ذكره وطاعته والعودة إليه.
واعلم، أخي المسلم، أنك لو امتلكت كنوز الدنيا وما فيها، ولو امتلكت من الأرض أشياء لم يمتلكها أحد غيرك، فسوف تعود في النهاية إلى الله. واللهِ، لو كنت صاحبًا ومالكًا لأشياء لا نهاية لها، ففي النهاية كل شيء إلى الله، ومن الله.
نرى بعض الناس يتحدث عما عنده، سواء من أولاد أو مال أو ممتلكات أو أي شيء آخر، وكأنه هو الذي أتى به أو جمعه لنفسه، وهو يعلم أن كل ذلك لو لم يُنعم الله عليه به، ما كان له منه شيء
.
فلا تبخل على نفسك بالاستغناء بالله، ولا تمسك يدك عن التمسك به. وأنصحك أن تكون مع الله في كل أوقاتك؛ لا تسأل إلا الله، ولا تستعن إلا بالله، ولا تمد يدك إلا إلى الله في سؤالك.
فالاستغناء بالناس فقر، ولو ملكت كل شيء، والتعلق بغير الله عجز، ولو حملوك على كرسي العرش.
والبعد عن الحاقدين والخائنين، ومن امتلأت قلوبهم بالأنانية والكراهية والحقد على الناس، غنى. والابتعاد عن المتكبرين المستعلين على خلق الله غنى؛ لأن الرجوع في النهاية سيكون إلى الله.
واعلم أنك إذا استغنيت بالله، أغناك الله عن كل هذا وعن أي شيء، وفي أي وقت؛ لأنك جعلت الله في مقدمة أولوياتك، وجعلت الله هو كل شيء في حياتك.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]
ومن هنا نعود إلى الشق الآخر، وهو الفقر.
فالفقر لا يُقصد به قلة المال أو عدمه، ولا قلة الأولاد أو الممتلكات أو ملذات الحياة، ولا أن تظن أن كل من يمتلك شيئًا لا تملكه أنت فهو غني.
بل على العكس، الفقر الحقيقي هو أن تعلم أن نفسك التي بين جنبيك من عند الله، وأنك فقير إليه؛ ولذلك وهبك إياها. وأن تعلم أن مالك وأولادك وممتلكاتك وكل ما لديك إنما هو من عند الله.
وأن تعلم أنك لا تعود إلا إلى الله؛ لأنك فقير إليه في كل حال.
في مرضك أنت فقير إليه، وتدعوه من أجل صحتك. وفي همك أنت فقير إليه، تدعوه فيفرج عنك. وفي قلة المال أنت فقير إليه، فتدعوه أن يرزقك. وفي قلة الأولاد أنت فقير إليه، وفي كل شيء تعود إلى الله؛ لأنه هو الغني وأنت الفقير.
فكل شيء منه وإليه، وما أنت إلا مستخلف في هذه النعم، وقد جاء دورك في استخدامها والقيام بحقها.
فلنعد إلى الله، ولنعرف جيدًا من هو الله.
وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال:
«يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا
فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».والمراد من هذا كله أن نعلم أن الغنى الحقيقي ليس فيما نملكه من أموالٍ وممتلكاتٍ وأولادٍ ومناصب، وإنما في غنى القلب بالله والاستغناء به عمّن سواه. وأن الفقر الحقيقي ليس في قلة المال أو فقدان متاع الدنيا، وإنما في افتقار القلب إلى غير الله وتعلّقه بغيره. فمَن كان الله معه، فما فقد شيئًا، ومَن ابتعد عن الله، فما أغنته الدنيا وإن ملك منها كل شيء.
فالغنى الحقيقي ليس فيما تملك، وإنما فيمن تملك قلبك له، والفقر الحقيقي ليس في قلة ما في يدك، وإنما في بُعد قلبك عن الله. فكن لله، تكن غنيًّا به عن كل شيء، واعلم أن من عرف الله حق المعرفة، لم يفتقر قلبه إلى سواه.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف