تطاول النابتة على أهل الفضل والعلم



بقلم الشيخ :
عبدالله قدري سعد الكتاني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من السنن التي تتكرر في كل عصر أن يبتلي الله أهل العلم والفضل بمن يطعن فيهم، ويشكك فيهم، ويتطاول عليهم بغير علم ولا هدى.

وليس هذا بجديد؛ فقد أوذي الأنبياء، ثم ورث العلماء نصيبًا من هذا الأذى، لأنهم ورثة الأنبياء، وحملة الشريعة، والدالون على الله تعالى.

وقد قيل قديمًا: “إن لم تستطع أن تبلغ الجبل الأشم، فارمِه بالحجارة.” فالجبل لا تزيده الحجارة إلا ثباتًا، ولا تنقص من قدره شيئًا، وإنما يعود أثر الرمي على صاحبه. وكذلك أهل الفضل؛ فإن عجز بعض الناس عن بلوغ منزلتهم في العلم أو الدعوة أو التربية، لجأ إلى الطعن فيهم والتشويه والافتراء.

والمؤلم في زماننا أن كثيرًا ممن يتصدرون للطعن لا يعرفون أصول العلم، ولا يفرقون بين مسائل الاجتهاد ومسائل الإجماع، ولا يرجعون إلى كلام الأئمة، وإنما يعتمدون على مقاطع مبتورة، أو منشورات في وسائل التواصل، ثم يصدرون الأحكام، ويوزعون التهم، وكأنهم صاروا أوصياء على دين الله.

ولقد رأيت ذلك مرارًا في التعليقات على منشورات بعض مشايخنا، بل وفي التعليقات على منشوراتي، فوجدت ألفاظًا لا تليق بمسلم، من سباب، ولعن، وسخرية، واتهامات جزافية، دون حجة ولا برهان. وهذا ليس من أخلاق طلاب العلم، ولا من منهج أهل السنة، فإن العلماء قرروا أن الخلاف يُناقش بالأدلة، لا بالشتائم، وأن الحق يُعرف بالحجة، لا بعلو الصوت.

إن من كان صادقًا في طلب الحق، فإنه يأتي بالدليل من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ويفهمهما بفهم العلماء المعتبرين، لا بفهمه المجرد، ولا بهواه، ولا بما يوافق ميوله. أما تحويل ساحات النقاش إلى ميادين للسباب والاستهزاء، فليس من الدين في شيء، بل هو دليل على ضعف الحجة وقلة الأدب.

ولا يعني هذا أن العلماء معصومون؛ فالعصمة للأنبياء عليهم السلام، والعالم قد يخطئ ويصيب. لكن نقد الخطأ له آدابه وضوابطه، ولا يجوز أن يتحول إلى إسقاط الأشخاص، أو انتقاص مكانتهم، أو التحريض عليهم، فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نربي أنفسنا على حسن الأدب مع أهل العلم، وأن نتعلم قبل أن نحكم، وأن نتحقق قبل أن ننقل، وأن نزن كلماتنا بميزان الشرع. فمن أراد الحق فليطلبه بالدليل، ومن أراد الإصلاح فليتخلق بأخلاق العلماء، فإن العلم بلا أدب وبالٌ على صاحبه.

نسأل الله تعالى أن يحفظ علماء الأمة الربانيين، وأن يرزقنا الإنصاف والعدل، وأن يجعل ألسنتنا عامرة بالذكر، بعيدة عن الغيبة والبهتان، وأن يرزقنا الأدب مع أهل الفضل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.