مَن قال إن علينا أن نختار؟.. بين الهوية المصرية والانتماء الديني

بقلم : أ . هالة أشرف

متى أصبح على الإنسان أن يختار بين أن يكون ابن وطنه وابن عقيدته؟
ومن الذي أقنعنا أن الانتماء إلى أحدهما لا يكتمل إلا بالتبرؤ من الآخر؟

انتشرت مؤخرًا في مصر معركة لا تنتهي حول سؤال: أيهما أولى، الدين أم الهوية المصرية؟
لقد أحدث هذا السؤال العديد من الصراعات بين الناس على وسائل التواصل الاجتماعي حتى تحول الأمر إلى مشادات كلامية وتكفير ومحاولة إظهار كل شخص لانتمائه بصورة فجة تصل إلى سب الطرف الآخر.

فهناك فريق يرى أن التمسك بالدين هو الأصل، وأن كل ما عداه لا قيمة له إذا تعارض معه، وقد ينظر إلى كل من يرفع راية الهوية المصرية أو يحتفي ببعض مظاهر التراث بعين الريبة، وكأن الاعتزاز بالوطن لا بد أن يكون على حساب العقيدة.

وفريق آخر يسمون أنفسهم الكيميتيين أو القوميين يرى أن الهوية المصرية هي الأصل الذي يجب الحفاظ عليه، وقد ينظر إلى المتدين نظرة تختزله في الجهل أو الجمود أو الانفصال عن الواقع ومحاولة التقليد الأعمى لعادات غير المصريين، وكأن التمسك بالدين يعني بالضرورة رفض الثقافة المصرية وتاريخها.
وبين الفريقين تضيع حقيقة بسيطة غائبة عن الجميع بسبب التعصب الأعمى:
لماذا علينا أن نختار أصلًا؟

في الحقيقة، الإنسان ليس كلمة واحدة ولا هوية واحدة. نحن لا نعيش بهوية واحدة صلبة، وإنما تتداخل في تكويننا دوائر كثيرة مثل: الدين، والوطن، واللغة، والأسرة، والثقافة، والذكريات، والتاريخ، والعادات، والتجارب التي صنعتنا.

حتى إن الإنسان الواحد يطور من أفكاره مع الوقت ويتبنى أفكارًا جديدة، فلماذا نصر على اختزال هويته في موقف واحد أو انتماء واحد؟

إن كون الإنسان مسلمًا لا يمحو كونه مصريًا، كما أن كونه مصريًا لا يجعله أقل إسلامًا
بل إن الهوية المصرية نفسها لم تتكون في لحظة واحدة، ولم يصنعها جيل واحد. إنها حصيلة تاريخ طويل مرت فيه مصر بمراحل وحضارات وتحولات كثيرة، وترك كل عصر شيئًا في ذاكرتها. لكن الاعتراف بهذا التاريخ لا يعني تقديس كل ما فيه، كما أن رفض بعض مراحله أو نقدها لا يعني محوها من الذاكرة.

هناك فرق بين أن تعرف تاريخك، وبين أن تقدسه.
وفرق بين أن تعتز بوطنك، وبين أن تجعل الوطن بديلًا عن كل انتماء آخر.
وفرق بين أن تتمسك بعقيدتك، وبين أن ترى كل ما يختلف عنها جهلًا أو كفرًا.
وربما هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فنحن أحيانًا لا ندافع عن هويتنا إلا عندما نشعر أن هناك من يهددها ويسلب مجدها، وعندما يشعر الإنسان أن جزءًا من هويته مهدد، قد يتحول الانتماء عنده إلى معركة تعصب.

فيبدأ في تعريف نفسه بالنقيض تمامًا:
أنا لست مثل هؤلاء. أنا لا أحب ما يحبونه. أنا لا أؤمن بما يؤمنون به. أنا لا أنتمي إلى عالمهم. وبمرور الوقت، يصبح الانتماء قائمًا على الرفض والعراك أكثر مما هو قائم على المعرفة.

وهنا يمكن أن يحدث شيء غريب؛ أن يظن الإنسان أنه يحافظ على هويته، بينما هو في الحقيقة لا يعرف منها إلا الجزء الذي يستخدمه في مواجهة الآخرين. وقد يدافع عن هويته وهو لا يعرف أي شيء على الإطلاق لمجرد أنه على خلاف مع أحد الآراء الدينية المتعصبة أو أنه صادف أحد رجال الدين المتعصبين ولم يعجبه كلامه.

إلا أن الحقيقة تكمن في الاعتدال والتوسط والوصول إلى التوازن الدقيق، فالتوازن هو سنة الكون في كل شيء.
إن التراث المصري القديم ترك لنا أكثر مما ظهر منه وأكثر مما اكتشفناه، فالمعابد المصرية القديمة وجدران المقابر حملت معها عبر الزمان شتى علوم الحضارة والصناعات بدءا من صناعة الملابس ووصفات الطعام ومواد التجميل وآلات الحروب والأحداث التاريخية السارة والحزينة على حد سواء.

فلنا أن نفتخر بالحضارة التي كانت بذرة النور للعالم أجمع ونفتخر بالأرض التي عاش عليها ومر عليها وولد فيها أنبياء كرام. ولنا أن نفتخر أنهم كانوا من بين الحضارات الأكثر تقدمًا أكثر ما نتصور.

كذلك لنا أن نفتخر أننا مُسلمون، وُلدنا على دين التوحيد الطاهر نعبد الإله الواحد الذي ليس كمثله شيء. نؤمن بملائكته وبكتبه ورسله ولا نفرق بين أحد منهم. نعشق ونحترم آل بيت خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام.
إن الاتزان لا يعني أن نساوي بين كل شيء، فالعقيدة عقيدة. والوطن وطن. والتاريخ تاريخ والثقافة ثقافة. ولا يحتاج أحد هذه الأشياء إلى أن يمحو الآخر حتى يكون موجودًا

المشكلة تبدأ عندما نطلب من الهوية أن تكون نسخة واحدة لا تقبل الإضافة عندها يصبح الاختلاف تهديدًا، ويصبح التنوع تناقضًا، ويصبح كل شخص مطالبًا بأن يثبت انتماءه بإلغاء انتماء آخر.
وربما كان السؤال الذي نحتاج إلى طرحه على أنفسنا ليس: أيهما أختار؟

وإنما:
كيف أستطيع أن أنتمي دون أن أتحول إلى نسخة معادية من كل من لا ينتمي بالطريقة نفسها؟
إن الإنسان لا يصبح أكثر ثباتًا حين يمحو نصف نفسه، وإنما حين يعرف كيف يضع كل جزء من أجزاء هويته في موضعه الصحيح وأن يُظهرها في الوقت المناسب.

ولعلنا نحتاج في زمن كثرت فيه الخصومات حول الهوية إلى شيء من الهدوء.
أن نتوقف عن سؤال الآخر: كيف تستطيع أن تكون هذا وذاك؟
وأن نسأل بدلًا من ذلك:

لماذا افترضنا من البداية أن (هذا) يلغي (ذاك)؟
ومن أجمل ما يوضح الفرق بين العقيدة والعادة والميل الشخصي موقف النبي ﷺ من الضب؛ فقد عافه لأنه لم يكن من طعام قومه، فلما سُئل: أحرام هو؟ قال: لا. فأكل خالد بن الوليد منه والنبي ﷺ ينظر إليه ولم ينكر عليه. وهنا نرى بوضوح أن عدم اعتياد الإنسان على شيء، أو نفوره منه، لا يحوله إلى حكم ديني، كما أن اختلاف الناس في أذواقهم وعاداتهم لا يعني اختلافهم في أصول عقيدتهم.

ولتتذكر دائمًا عزيزي القارئ أن هذا الاتزان لا يعني أن تصبح العقيدة أمرًا قابلًا للمساومة، أو أن يتحول الاعتزاز بالهوية إلى مبرر للتنازل عن مبدأ ديني. فالثقافة تتغير، والعادات تختلف، والذوق يتبدل، أما ما يراه الإنسان من أصول دينه حقًا فلا يجعله تابعًا لكل ما يحيط به. وكما لا ينبغي أن نمحو هويتنا الثقافية لنثبت تديننا، لا ينبغي كذلك أن نتخلى عن مبادئ ديننا لنثبت انتماءنا الثقافي.