شاي الرحمن وعيد الأسبوع: تأملات في هيبة النداء وسورة الكهف

بقلم : د. تاليا عراوي عضو المجلس العالمي للأخلاقيات
الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان

يوم الجمعة يوم مبارك يترقبه الكثيرون بلهفة باعتباره محطة أسبوعية مريحة تمثل نهاية أيام العمل المضنية وبداية إجازة نهاية الأسبوع التي تمنح الأنفاس شيئاً من الهدوء، بينما هو لآخرين يوم عطلة يتأهبون فيه للراحة وتجديد النشاط. غير أن هذا اليوم في جوهره العميق يتجاوز بكثير مفهوم “عطلة نهاية الأسبوع”؛ فهو يوم مبارك يُعد أفضل أيام الأسبوع، وهو اسمٌ لليوم ولصلاة الجمعة التي تُؤدى فيه، وقد اختلف العلماء في سبب تسميته بهذا الاسم؛ فقيل إنه سُمي بذلك لاجتماع الناس فيه أو لما جُمع فيه من أنواع الخير كما ذكر القليوبي، وقيل إنه اليوم الذي خُلق فيه آدم أو لاجتماعه بحواء فيه على الأرض كما ذكر الشربيني. وتاريخياً، يُذكر أن أول من سماه “يوم الجمعة” هو كعب بن لؤي، بينما كان يُعرف في الجاهلية باسم “يوم العروبة”.

وحين أتأمل مفردة “الجمعة” ، أراها أُعجوبة قائمة بذاتها تنبض بالمعاني العميقة. فاسم هذا اليوم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بروح الجماعة والتلاقي، بل إن بيت الله الذي نحتشد فيه يُسمى “الجامع” لأنه يجمع الأرواح والقلوب على كلمة توحيد واحدة، مجسداً أسمى معاني التراحم والتلاحم المجتمعي في الإسلام. فهذا الدين لم يأتِ ليعزل الفرد في صومعته، بل أطّر حياته ضمن منظومة تشاركية راسخة تقوم على مبدأ الشورى والمسؤولية الجماعية، حيث تتوحد الصفوف وتتداخل الهموم وتتألف القلوب في مظهر جماعي مهيب يؤكد أن قوة الأمة تكمن في وحدتها وتماسك نسيجها الإنساني. وحتى حين نقف في رحاب المساجد، يطرق أسماعنا نداء المؤذن أو الإمام بـ “الصلاة جامعة”، مهيباً بالجموع أن تلتئم وتتوحد خلف إمام واحد، في تجسيد حي لمعنى التراص والتكامل.

بين فقه الاستعداد وغفلة الروتين:

وهو يوم تتجلى عظمته في كونه فريضة عظيمة فرضها الله تعالى بالمبادرة إليها وقطع الشواغل لأجلها، فقال عز وجل في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. 

وما أجمل هذه الآية الكريمة! فبينما يمتثل بعض المؤمنين لأمر الله طاعةً خالصة استجابةً لندائه، يرتفع آخرون إلى مرتبة أعمق من اليقين والإدراك؛ إذ يوقنون تماماً أنهم إن عطّلوا أعمالهم وقطعوا أشغالهم للتخلف عن البيع والمجيء إلى الصلاة، فلن يخسروا شيئاً ولن يفوتهم رزق، وهم واعون بكل جوارحهم أن الرزق بيده وحده سبحانه، وأن من ذهبوا لبيته ووقفوا بين يديه هو الرزاق ذو القوة المتين.

وحين يقبل المسلم على هذا العيد الأسبوعي، فقد أرشده الخالق سبحانه وتعالى إلى الاستعداد له بالتجمل وأخذ الزينة، مصداقاً لقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وهو المعنى الذي أكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في وصف فضله: «إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك»، ومبيناً جزاءه الأوفى: «مَن اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسّ من طيب إن كان عنده… كانت له كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها».

ولكن، حين نتأمل واقعنا اليوم، يبرز السؤال المؤلم والمُلِحّ: إذا كان يوم الجمعة عيداً أسبوعياً، فلماذا هجرناه وغفلنا عن حقيقة عيديته في زحمة الحياة المعاصرة؟ أين هي مظاهر الاحتفاء الروحي والتعظيم بهذا اليوم العظيم؟ لعل المشكلة تكمن في تحويلنا هذه المناسبة الجليلة إلى مجرد روتين أسبوعي نؤديه بلا روح، غارقين في طغيان الانشغال الدنيوي حتى خدرت قلوبنا عن استشعار النفحات الإلهية، فصارت الجمعة مجرد استراحة قصيرة وسط أسبوع مجهد، لا عيداً ربانياً تتجدد فيه العهود وتتطهر القلوب.

إن هذه الآداب النبوية تتجاوز في جوهرها ظاهر الأفعال؛ فهي تُمثّل عملية تطهير متكاملة للباطن والظاهر، إذ إن الاغتسال والزينة ومسّ الطيب لا تنظف البدن فحسب، بل تُهييء الروح للوقوف بين يدي الله بخشوع.

 فحين نقف للصلاة، فإننا نقف بين يدي الله سبحانه وتعالى في حضرته القدسية، وهو ما يقتضي منا الحضور بكامل الأناقة والطهارة. وما أكثر الغافلين عن هذا المعنى! يؤدون الصلاة كأداء روتين مجرد، دون أن يعنّ لهم أن يهتموا بهندامهم ومظهرهم بما يليق بجلال هذا الوقوف، في الوقت الذي نراهم لا يغفلون عن ذلك أبداً حين يستعدون لمقابلة شخصية رسمية، أو لقاء من يعظمونهم من أصحاب الجاه والمكانة!

بل إن بعضهم قد يتهاون فيأتي متأخراً، أو يتكاسل حتى يقرر التخلف عن المسجد وصلاة الجماعة. وهذا التفريط يذكرني دائماً بما كنت أردده لأبناء أخي لتعليمهم أهمية المسارعة إلى الصلاة في وقتها: «يا حبيبي، إن النداء للصلاة أشبه بملك يدعوك حاملاً صينية من الشاي أُرسلت من لدن الرحمن؛ فالصواب الحق أن تلبي النداء فوراً احتراماً لتلك الدعوة وتقديراً لقدسيتها، وكلما تأخرت في الاستجابة، كلما برد الشاي، وبردت معها -للأسف- حرارة علاقتك بالله وقربك منه.

سورة الكهف:

ولئن امتد هذا التقصير ليشمل صلوات الأسبوع، فإن سكون الغفلة يلقي بظلاله كذلك على سيد الأيام؛ إذ قليلون هم من يدركون القيمة العظمى ليوم الجمعة والقدر الذي عظمه الله به في كتابه الكريم، حتى إن سورة كاملة سُميت باسمه. بل وقليلون هم من يعلمون أن يوم الجمعة هو عيد أسبوعي للمسلمين، وفيه من الفضائل والبركات العظيمة ما جُمع في كتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم ذلك ما ورد في فضل قراءة سورة الكهف فيه.

فتلك السورة المباركة حافلة بالفضائل الثابتة: فهي -كما شرح وكما بين كثير من أهل العلم- حصن وعصمة من فتنة الدجال لمن حفظ آياتها الأولى أو الأخيرة، وهي سبب لنزول السكينة والملائكة، ونور يضيء للقارئ ما بين الجمعتين، ومغفرة للذنوب، ووقاية للبيت من الشياطين.

ولكن، حين نقرأ سورة الكهف بتأمل وتدبر، لا لمجرد ختمها، بل لاستيعاب ما تقدمه من معانٍ وعبر، ندرك يقيناً أنها لم تُفرض علينا لهذه الفضائل العظيمة فحسب، بل لأنها أيضاً شحنة إيمانية متجددة وجسر وجودي يرمم انكساراتنا وسط صخب الحياة اليومية وتقلباتها العاصفة. إنها تخاطب أعمق جراحنا الإنسانية وأدق تفاصيل وعينا الحي: حين نُسدي المعروف فنلقى الجحود والأذى، وحين نتمسك بالصدق والنقاء الأخلاقي فنُقابل بالاستغلال على أنه ضعف أو سذاجة، وحين نُؤهَّل بجدارة وكفاءة لكسب فرصة عمل فتذهب لمن دوننا بلا استحقاق، أو حين نُدفع قسراً إلى هامش البطالة لمجرد تمسكنا بمبادئنا ورفضنا المساومة أو التنازل عن ضمائرنا؛ والأدهى من ذلك كله، حين نشهد أهوال الحروب العبثية، وموت الأطفال والأبرياء تحت أنقاض العالم، فنقف عاجزين أمام مشهد دموي لا ندرك له حكمة، فتصرخ قلوبنا الملوعة من أعمق درجات الشعور البشري بالظلم متسائلة بلوعة وحرقة: “أين العدل الإلهي في كل هذا العبث؟”.

تأتي سورة الكهف لتغوص في هذه الأسئلة الوجودية الكبرى، وتفتح أبواب الفهم العميق من خلال إرساء مفهوم البصائر القرآنية؛ فكثيراً ما تقف عقولنا قصيرة أمام ظاهر الأحداث، وهنا تتدخل السورة المباركة لتكشف لنا عن قصر نظرنا وتعلمنا أن ندرك بأن خلف كل حدث حكمة بالغة وسبباً راسخاً ومضبوطاً، فلا شيء في هذا الكون عبثي أو عشوائي، بل كل ما يجري هادف ومدروس بعناية ربانية فائقة، محولةً نظرتنا للكون من رؤية عابرة محكومة بلحظة الألم إلى إدراك بصير لأسرار الخلق والوجود.وكلمة “البصائر” لغةً مأخوذة من البصر، وتطلق على المعرفة العقلية والنظر الفكري والحكمة الثاقبة التي تبلغ بصاحبها درجة كأنه يشاهد حقائق الغيب رأي العين. واصطلاحاً، هي تلك الهدايات الربانية النورانية التي تُنير قلوب المؤمنين لتمييز الحق من الباطل، كما نطق بها الوحي صريحاً: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾،.

وهذه البصائر لا تُدرك عرضاً أو صدفةً، بل تتطلب سعياً جاداً وتفكراً عميقاً من المؤمن وبحثاً دؤوباً ينفض عنه غبار الغفلة – شأن إبراهيم عليه السلام حين تنقل ببصره وعقله متأملًا الكوكب ثم القمر ثم الشمس وصولاً إلى اليقين التام – لتتجلى بعدها حقائق راسخة تؤطر وعي المؤمن وتصنع وجدانه. فهي أولاً تمنح صاحبها علماً ركيناً مستمداً من الوحي الثابت، لتمييز الحق من الباطل وقراءة الواقع بوعي وعمق. وهي ثانياً تمدّه بحجة ساطعة وبرهان قاطع، ليتحرر بذلك من قيود التقليد الأعمى والجمود الفكري. وهي ثالثاً تتفاوت في درجاتها بين الناس تفاوتاً بيناً مما يؤكد أن النفوس تتفاضل بحسب قربها من الوحي؛ فشأنها في ذلك شأن قوة الأبصار التي تختلف من شخص لآخر، تبعاً لكثرة مزاولة القرآن والاتصال بنور آياته. أما رابعاً وخامساً، فهي تُكسِب صاحبها ثباتاً راسخاً في مواجهة الابتلاءات الكبرى وتبعيات القرارات الصعبة، بيقين مطمئن يصدّ عنه الجزع ويدفع عنه الندم. وختاماً، ترتقي به لتبلغ مرتبة التسليم القلبي العميق الذي يتجاوز حدود العقل البشري القاصر، ليغدو الإنسان منقاداً بحكمة الخالق وبصيرته. 

وفي قلب هذا المخاض المعرفي والروحي، تأتي رحلة موسى عليه السلام مع الخضر لتكون صدمة إيقاظ كبرى لغرور العقل البشري. 

فعلى جلالة قدر موسى عليه السلام نبياً ورسولاً من أولى العزم، أقرّ بتواضع معرفي عميق بأنه يبتغي تعلّم ما لم يعلم، في درس خالد يؤكد أن المعرفة الإنسانية مهما تطورت تظل قاصرة ومنقوصة. وفي الوقت ذاته، نرى موسى في عجالته البشرية الفطرية، مستنكراً ظاهر الظلم وسرعة الاعتراض والدخول في دائرة الشك حين تغيب عنه مآلات الأمور، تماماً مثلنا حين تثور نفوسنا أمام مظاهر العجز البشري ولا نحتمل رؤية ما تختزنه الأقدار من حكم. وحين تتوالى حوادث الطريق الثلاث – خرق السفينة، وإقامة الغلام، وجدار اليتيمين – تتجسد الرسالة الأبدية لتي طُلب منا استحضارها أسبوعياً : فهناك دائماً أسباب إلهية خفية وحقائق كبرى غائبة عن مداركنا المحدودة، وحكمة بالغة تعلو على كل قياس بشري ظاهري، مما يعلمنا أن عقولنا المحدودة لا تملك أن تحاكم حكمة الخالق الأزلية ولا أن تقيس كمال عدله المطلق بمقاييسنا الزمنية الضيقة. وكم منا من تفكّر طويلاً في ألم إخواننا وأوجاعهم في غزة، وكم من صرخة تردد صداها تساؤلاً عن كنه هذا الظلم البادي في الأعين! حتى هجس في الخاطر يوماً إدراكٌ مختلف؛ ألا وهو أن أهلنا في غزة هم “فاتحو هذا العصر”، ولهذا فإن تسميتها الحقة ليست نزاعاً أو صراعاً، بل هي بحق “الفتوحات الغزية”؛ فكم من قلب استنار للإسلام، وكم من نفس اهتدت فدخلت في دين الله بسبب ثباتهم وصمودهم الأسطوري؟ ولكن، قد يعترض معترض متسائلاً: أيحتاج الأمر أن يموت الأطفال رضعاً ويطال هذا الكم المهول من الألم والعذاب ليهتدي غيرهم؟ ليأتي الجواب راسخاً في اليقين: إن الموت هو الحقيقة اليقينية الوحيدة التي نملكها في هذه الدنيا، وكلنا راحلون عاجلاً أو آجلاً، غير أن هؤلاء الأبرار قد قضوا شهداء، وقد طُهِّروا ونقّوا من ذنوبهم ليرتقوا إلى جنان الخلد، ظافرين بأعظم الجزاء، وليُكفَوا شر الفتن ويُسْبَل عليهم الأمان من كرب الدنيا ونصبها.

لذلك، فإن قراءتنا لسورة الكهف يوم الجمعة يجب ألا تبقى حبيسة الأداء الشكلي أو القراءة العابرة، بل يجب أن تتحول إلى تَدبُّر واعي ومتبصر كما أُمِرنا منذ أول ومضة وحي نازلة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وكما أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، فنسمح لهذه البصائر القرآنية أن تتغلغل في جذور أرواحنا، فتغسل أعماقنا من أدران اليأس والقنوط، وتُعيد ضبط بوصلة وجودنا نحو اليقين المطلق بأن الله سبحانه وتعالى مطلع لا يغفل عن ظلم ظالم ولا ألم مظلوم، وأن العاقبة الأبدية كانت وستبقى للحق والصابرين.

تأتي سورة الكهف التي تتزين بها ساعات هذا اليوم المبارك لتدعونا كي ننظر إلى مجريات الأمور لا من أسفل إلى أعلى؛ أي لا من ضيق الأرض وزواياها المظلمة لنحاكم عدالة السماء بناءً على ما نراه من طغيان باطل أو هلاك حق، بل لننظر من الأعلى إلى الأسفل، فننطلق في قراءتنا للواقع من حكمة الله المطلقة وأسمائه الحسنى وصفاته العليا. وحين نتبنى هذه النظرة التنزيلية في عيدنا الأسبوعي هذا، فإنها تفتح أعيُن بصائرنا على عدسة مختلفة كلياً، تدرك أن ازدهار الباطل المؤقت أو ابتلاء الصالحين ليس سوى أجزاء في لوحة إلهية كبرى، غايتها الحق وتمام العدل الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ 

ليتجلى المشهد وكأن الأيام تدور دورتها وتستقيم مع إشراقة هذا اليوم، متمثلة قول الشاعر:

رَأَحَ العَوَامِدُ يَوْمَ العَرُوبَةِ حُفَّلاً .. يَبْغُونَ جَوْفَ مَسَاجِدٍ وَمَقَامَا

دَانُوا لِدِينِ نَبِيِّهِمْ وَتَجَمَّعُوا … بَعْدَ الشَّتَاتِ عَقِيدَةً وَوِئَامَ