العلاج النفسي لحياة العُزُوبِيَّة

بقلم / الدكتور  : ابوبكر الجندى

امام بوزارة الاوقاف

حلم الفستان الأبيض يغازل كل فتاة، وليلة العمر لا تغيب عن بال كل شاب، وهذه سنة الحياة للتزاوج والتكاثر والبقاء على النوع الإنساني، وأكّدت الشرائع السماوية هذه الفطرة، فقد حثّت شريعة الإسلام على الزواج واختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة؛ حتى يتم الزواج ويأتي ثماره ومقاصده من السكن والمودة والرحمة.

ولكن قد يتأخر الزواج للشاب أو الشابة، وربما سبب لهما عُقَدًا نفسية أو أمراضًا جسدية، حتى أصبحت تلك الفتاة الجميلة روحها مشوهة، فلا ترى جمالها الظاهري ولا صفاءها الباطني، وقد احتواها الغضب من كل مكان، فتصرخ غاضبة بسببٍ وبلا سبب! مع قلق وتوتر للآباء والأمهات خوفًا على ابنهم أو ابنتهم أن يفوتهم قطار الزواج، خصوصًا إذا عاش العزب أو العزباء في مجتمعٍ قد يسيء الظن بهما، أو بيئة تلقي نظرات الانتقاص من قدرهما، رغم أن كل شيء يجري بمقادير الله تعالى وفق عِلمه وإرادته.

ومن المعالجات النفسية لحياة العُزُوبِيَّة ما يلي:

ـ أن الدنيا ليست بالجنة الكاملة في كل شيء، بل خُلقت ناقصة ابتلاءً واختبارًا، فمن الناس من يبتلى بفقد حبيبٍ، أو فقد مالٍ، أو بالجوع، أو بالفقر، أو عدم الزواج، أو عدم الإنجاب، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 155].

ـ النظر إلى أصحاب العاهات المستديمة والتشوهات الخِلقية التي حرمتهم من الزواج، والتي بسببها يرفضون دائمًا، وكُتبت عليهم حياة العُزُوبِيَّة للأبد، فليحمد العُزَّاب الله تعالى دائمًا على الصحة والعافية، وأن هناك فرصة تُنْتَظر، وفضل من الله يُرْتَقَب.

أن حاجات الناس وآمالهم لا تنتهي؛ فمن كبر سنه يتمنى الخطوبة والارتباط، ومن خَطَب يتمنى البناء والنكاح، ومن تزوج يتمنى الذرية، ومن وُلد له يتمنى الخير لأولاده، وهكذا الإنسان دائمًا في نقصٍ وحاجةٍ وفقر للمفقود، وشغلٍ عن الموجود، وإذا أكمل الإنسان نقصًا عنده ظهر له نقص آخر وبدت له أمنية أخرى، ولا تنتهي أماني الإنسان أبدًا، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب.

ومن حُرم من نعمة أو مُنع من شيء أتمّه بالرضا عن الله والقبول لأمر الله تعالى؛ فإن في ذلك راحة نفسية لا تضاهيها راحة مع زوج أو زوجة، مع الأخذ بالأسباب والبحث عن ابن الحلال وابنة الحلال وإكمال الدين وإتمام النعمة.

ـ كم من خطيب أو مخطوبة وافتهما المنية قبل الزواج، أو فُسِخت خطوبتهما قبل التمام، مما لذلك من الآثار السلبية على النفس والروح المعنوية.

ـ كم من عِرسان وافتهم المنية في شهر العسل أو في ليلة عرسهم، وكم من زوج مات بسبب زوجته، وكم من زوجة ماتت أو انتحرت بسبب زوجها، وكم من مطلقة عانت من مطلقها أو مطلق عانى من مطلقته، حتى أصبحت حياة العُزُوبِيَّة هي مبتغى كثيرٌ من الأزواج والزوجات الذين لم يُوَفَّقوا في حياتهم الزوجية؛ وتفككت أسرهم وتفرق أولادهم؛ ليستشعر بذلك العُزَّاب فضل الله عز وجل عليهم.

ـ أن يشغل العُزَّاب أوقاتهم بأمور مهمة وأهداف نبيلة، والتي منها:

ـ العمل التطوعي وخدمة المحتاجين وقضاء حوائج المساكين؛ ففي ذلك ملئ للفراغ، وإشغال للذهن، وتليين للقلب وانشراح للصدر، مما يعوّض الإنسان به عمّا فاته من الزواج والذرية.

ـ ملء الأوقات بتكميل الدراسة والتعليم (ماجستير أو دكتوراه)، فتحصيل العلم حياة القلوب ونور للعقول وخير كبير للإنسان ولأمته، وكثير من أولي العلم فضّلوا العلم على الزواج؛ كالإمام النووي والإمام ابن تيمية رحمهما الله؛ لأن لذة العلم عندهم تفوق لذة المتعة الغريزية دون ملل أو ضيق أو ضجر، كما أبقى العلم أثرهم وذكرهم، وكثير من الأزواج والآباء والأمهات ماتوا ولم يبقِ الزواج أو الأبناء لهم أثرًا.

فليستمتع العُزَّاب بحياة العُزُوبِيَّة فهي تمنحهم حرية غير محدودة، وتوفر لهم مالًا كثيرًا، ينامون بعمق، يسافرون بلا قيود، يستنشقون الهواء بلا ضغوط، خلت حياتهم من المناقشات والخصومات ووجع القلوب.