الميزان عند الجماعات المتشددة.. حين يتغير الحق بتغير القائل


بقلم  الشيخ : عبدالله قدري الكتاني

من أعجب صور اختلال الموازين في الخطاب الديني أن بعض الناس لا يزنون الأقوال بميزان الشرع والإنصاف، وإنما يزنونها بميزان القائل.

فإذا أحببتَ شيخك وذكرتَ فضله، وأثنيتَ على علمه، قالوا لك:

غلو! تقديس للأشخاص! صناعة للأصنام!

فإذا فعلوا هم الشيء نفسه مع شيخهم، أصبح الكلام فجأة:

محبة! وفاء! اعتراف بفضل العلماء!

فإذا ذكرتَ شيئًا من مناقب شيخك، فتشوا في كلامك عن كلمة ليقولوا: لقد تجاوزت الحد.

أما إذا بلغ شيخهم منزلةً عندهم حتى كأنه لا يُخطئ، قالوا:

من عرف قدر العلماء لم يتطاول عليهم.

والأعجب من ذلك:

إذا سبَّ شيخَك، أو طعن في عرضه، أو أسقط منزلته، أو جمع عليه من العبارات ما لا يرضاه الشرع، قالوا:

هذه غيرة على الدين! هذه نصرة للسنة! هذا رد على أهل البدع!

لكن جرِّب أنت أن تنتقد شيخهم نقدًا علميًا مؤدبًا، لا سبًّا ولا شتمًا، وستكتشف أن القواعد التي كانوا يرفعونها قد اختفت!

فجأة تسمع:

لحوم العلماء مسمومة!

احفظ لسانك!

أين الأدب مع أهل العلم؟

من أنت حتى تتكلم؟!

وهنا يُطرح السؤال الذي لا يحب أصحاب الموازين المختلة أن يُطرح:

لماذا تكون لحوم العلماء مسمومة عندما يكون العالم شيخك، وحلالًا عندما يكون شيخ غيرك؟

لماذا يكون الطعن في مشايخ الناس نقدًا علميًا، والطعن في شيخك فتنةً ووقيعةً في العلماء؟

لماذا يكون مدحك لشيخك غلوًا، ومدحك لشيخهم محبةً ووفاءً؟

إن المشكلة ليست في الشيخ، ولا في المحبة في أصلها؛ المشكلة في ازدواجية المعايير.

فالدين لا يتغير بتغير الأسماء.

والحق لا يصبح باطلًا لأن قائله لا تحبه، ولا يصبح الباطل حقًا لأن قائله شيخك.

إن كنتَ تمنع الغلو، فامنعه من الجميع.

وإن كنتَ تحرّم الطعن في العلماء، فاحفظ ألسنتكم عن علماء الناس كما تحفظون ألسنتهم عن علمائكم.

وإن كنتَ ترى النقد العلمي مشروعًا، فلا تجعل شيخك استثناءً من قواعد النقد.

وإن كنتَ تقول: لحوم العلماء مسمومة، فتذكّر أن علماء الأمة ليسوا لحم شيخك وحده!

أما أن تجعل لنفسك حق الهدم، ولغيرك حق البناء، ولنفسك حق النقد، ولغيرك حرمة النقد، ولنفسك حق المدح، ولغيرك تهمة الغلو؛

فهذا ليس إنصافًا.

هذا ليس علمًا.

هذا ليس منهجًا.

هذا هو الهوى حين يرتدي ثوب الدين.

وأشد الناس حاجة إلى مراجعة ميزانه ليس من أخطأ في الحكم على شخص، وإنما من لا يملك ميزانًا واحدًا يحكم به على نفسه وعلى خصمه.

فالاختبار الحقيقي للإنصاف ليس أن تعدل مع من تحب؛ وإنما أن تعدل حين يكون الحق في صف من لا تحب.

وهناك فقط يُعرف صاحب المنهج من صاحب الهوى.