جهود الوهابيون فى حماية الكيان الصهيونى
30 يونيو، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

اعداد الاستاذ / سيد حسن الأزهرى
المقال السابع والعشرين من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
أما القضية الفلسطينية فكان لعبد العزيز ال سعود دور في أحداثها لا يقل إخلاصاً لمصالح بريطانيا ومن ورائها الصهيونية.
فبعد ضرب حكم الشريف حسين وابنه علي بتحريض من الإنكليز لمعارضتهم منح فلسطين الى اليهود، أكد عبد العزيز موقفه المنطبق على الموقف الإنكليزي وذلك في المؤتمر الذي انعقد عام ١٩٢٦ بناء على دعوة عبد العزيز للنظر في أسلوب حكم الحجاز. فعندما طرحت بعض الوفود الإسلامية اقتراحاً يدعو إلى تطهير البلاد العربية من الحكم الأجنبي على أساس أن يشمل ذلك فلسطين وسوريا والعراق وسواحل الجزيرة العربية ، احتج عبد العزيز على المشروع وأصر على حذفه من جدول الأعمال.
وعندما قامت الثورة الفلسطينية سنة ١٩٣٦ ضد بريطانيا التي كانت تمهد التسليم فلسطين الى اليهود الصهاينة، تدخل ابن سعود وتعهد للثوار بأن بريطانيا سوف تستجيب لمطالبهم اذا أوقفوا الثورة وذلك في النداء الذي وجهه إليهم وجاء فيه : “إلى أبنائنا عرب فلسطين …
لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين ، فنحن بالاتفاق مع ملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم للإخلاد إلى السكينة وإيقاف الإضراب حقناً للدماء معتمدين على الله وحسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم” .
ولقد أدى ذلك النداء إلى انقسام في الصف الفلسطيني بين الموافقين والرافضين فانتصر موقف الموافقين.
ولم يكتف عبد العزيز “بالنداء” بل هو أرسل ابنه سعوداً ثم ابنه الثاني فيصل يرافقه جون فيلبي . واجتمع فيصل بالقادة الفلسطينيين في القدس حيث خاطبهم بقوله : وحينما أرسلني والدي عبد العزيز في مهمتي هذه إليكم … كانت فرحتي بلقاء هؤلاء الثوار لأبشرهم أن جهودهم لم تذهب سدى وأن ثورتهم قد أثمرت بإثارة اهتمام صديقتنا بريطانيا العظمى التي أكدت لوالدي ، حين رأت اهتمامه بفلسطين أنها لن تخيب آمال الفلسطينيين. وبناء على ما عرفته من صدق نوايا بريطانيا أستطيع أن أقسم لكم بالله أن بريطانيا صادقة في ما وعدتنا به وأن بريطانيا تعهدت لوالدي أنها عازمة على حل القضية الفلسطينية “.
ولكن تأكيدات فيصل لم تقنع ـ على ما يبدو ـ المثقفين من الفلسطينيين اذ أجابه الشاعر عبد الرحيم محمود معبر معبراً عن ريبة الجناح الرافض لوقف الإضراب ، فقال :
يا ذا الأمير أمام عينك شاعر ضعت على الشكوى المريرة أضلعه
المسجد الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودعه
حرم تباع لكل أوكــع آبــق ولكل أفاق شريد أربعه
وغداً وما أدناه لا يبقى سوى دمع لنا يهمي وسن نقرعه
وعندما توجه فيما بعد وفد فلسطيني إلى السعودية لإطلاع عبد العزيز على مصير القضية الفلسطينية وكان أعضاؤه يحملون منشورات لإطلاع الشعب السعودي على هذا المصير لم يسمح عبد العزيز بتوزيع تلك المنشورات بل أمر بجمعها وإحراقها.
وفي سنة ۱۹۳۹ أوفد عبد العزيز ابنه فيصلاً إلى لندن لحضور مؤتمر لبحث موضوع الهجرة اليهودية الى فلسطين، وكلف عبد العزيز مستشاره فيلبي بمرافقة فيصل لإسداء المشورة إليه. إلا أن دور فيلبي كان أخطر بكثير من مجرد إسداء المشورة. إذ أنه اقترح في المؤتمر إعطاء فلسطين لليهود مقابل استقلال البلاد العربية كلها.
وفي نهاية الحرب الثانية ومع اشتداد حرارة العمل الدبلوماسي حول القضية الفلسطينية ، شارك ابن سعود في المجهودات السياسية ، ولكن على طريقته .
فقد تراسل مع روزفلت بين آذار ونيسان سنة ١٩٤٥ حيث طمأنه الرئيس الأمريكي إلى أنه لن يتخذ أي قرار بشأن القضية الفلسطينية قبل الرجوع إلى العرب واليهود.
كما تراسل عبد العزيز مع ترومان الذي خلف روزفلت وراح يدلي بالتصريحات المؤيدة لتسليم فلسطين إلى اليهود . وقد جاء في إحدى رسائل الملك السعودي : (سمعنا في الإذاعة أقوالاً نسبت للرئيس الأمريكي (ترومان) عن مستقبل فلسطين واليهود فيها … ونخشى أن تكون أقوال الرئيس ترومان وصلتنا محرفة وعلى غير حقيقتها ).
وعندما أخذت تتردد وجهات نظر عربية تطالب الجامعة باتخاذ موقف ضد تأييد أمريكا لليهود ، أرسل عبد العزيز بتاريخ ۲۰ آب ١٩٤٥ برقية إلى خير الدين الزركلي ممثله في الجامعة يطالب فيها بأن يجري الاتصال ببريطانيا وأمريكا لإقناعهما بدلاً من الإدانة وقد جاء في البرقية : .. أنا أسمع دندنة عند العرب قصدهم اجتماع هيئة الجامعة لأجل بحث مسألة فلسطين فأنا هذا ما هو من رأيي ولا منه فائدة ، لأنه إيش يبحث في المؤتمر ؟ هل يعقد صلح أو يعلن حرب؟».
ثم يقترح أن ينتخبوا شخص : يروح للندن وشخص يروح لأمريكا ويكون أحد هذين الشخصين عبد الرحمن عزام ويكتب النقراشي كتباً للخارجية هناك ويقول فيه أنه بالنيابة عن مصر والبلاد العربية ويذكر الأمر اللائق والمناسب في الموضوع . وعندي أنا أن هذا العمل أحسن وألطف حتى يتضح الأمر وتعرفه إيش هو)
وقبل سفر عبد الوهاب عزام وافق عبد العزيز على إقامة مكتب صحافي تابع للجامعة العربية ولكنه أوصى أن لا يسيء المكتب لأمريكا وبريطانيا ، بل يعمل الى مدحهم واستعطافهم، ولكن نرجوهم (الصحفيين) أن يتخذوا قاعدة يمشون عليها وهي قاعدة الاعتدال ، ويكون لا يتحاملون على الإنكليز ولا على الأمريكان ، ولكن يشوفون الحجج القائمة ويعدونها لهم.. ويمدحونهم بأنهم أهل عدالة وإنصاف فستكون النتيجة أحسن إن شاء الله.
وعشية اتخاذ قرار تقسيم فلسطين رفض ابن سعود أن يقوم بأي دور جدي لإفشاله ، ، علماً بأنه كان بإمكانه ذلك إذا ما هدد بقطع البترول عن أمريكا كما قال أحد الدبلوماسيين الأجانب . فقد جاء في العدد ٦٣٧ من مجلة «آخر ساعة المصرية بتاريخ ١٨ أيار ١٩٦٦ بقلم الكاتب الفلسطيني وجيه أبو ذكري :
انتقل الصراع إلى الأمم المتحدة وبدأت أمريكا تلعب لعبتها القذرة فى تقسيم فلسطين بين اليهود والعرب. ونشط المندوبون العرب لمحاولة إحباط المشروع الذي عرض على الجمعية العامة للمنظمة الدولية. وكان بين العرب الأمير عادل أرسلان، وذهب الى أحد الوقود يستعطفه ليقف بجانب الحق العربي .. فقال له الرجل : لديكم أيها العرب الورقة الرابحة ولكنكم تخشون اللعب بها ، وأشار الى وزير خارجية السعودية وكان وقتها الأمير فيصل . وقال له الرجل : “لو ذهب هذا الأمير إلى جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكية وهدد بقطع البترول إذا ناصرت أمريكا اليهود لوجدت هذه القاعة كلها تقف بجانب العرب”.
وكانت الوفود العربية قد كلفت وزير الخارجية السعودي فيصل نفسه بالنطق باسمها في الجمعية العمومية وأوصوه بالحزم والصرامة. ولكن موقف فيصل كان أنه لا داعي ولا مبرر لقلقهم ، وأخذ يؤكد لهم معارضة أمريكا لتقسيم فلسطين وأنها ستقاوم بكل حزم فكرة خلق دولة يهودية .
وانخدع المندوبون العرب بكلام فيصل على أساس أنه صديق حميم للسفير جورج ودزورت مستشار الوفد الأمريكي إلى الأمم المتحدة.
الأمريكيين أهل ذمة وحماية مصالحهم نص عليها القرآن:
ومن جهة أخرى فإن الوفود العربية أرسلت عشية الموافقة على قرار التقسيم برقية إلى ابن سعود يلحون فيها عليه بإصدار تصريح يهدد فيه بقطع البترول إذا صوتت أمريكا على قرار التقسيم ، فما كان منه إلا أن قال : “إن المصالح الأمريكية في السعودية محمية وإن الأمريكيين هم من أهل الذمة وأن حمايتهم وحماية مصالحهم واجب منصوص عليه في القرآن الكريم”.
وكما رفض ابن سعود الاستجابة لمطالب المندوبين العرب، فقد قمع عماله في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية في تلك الفترة عندما قاموا بتظاهرة كانت تطالب أيضاً بقطع البترول ، فقد روى عبد الرحمن الشمراني أنه في ١٧ حزيران سنة ١٩٤٧ ، الذي سمي يوم فلسطين ، قامت تظاهرة في رأس تنورة تندد بالتقسيم وتطالب بقطع النفط عن أمريكا وبريطانيا لدعمهما اليهود . فدعا خادم الأمير تركي العطيشان ، المتظاهرين المقابلة سيده في مقهى رحيمة ، فلما وصلوا ألقى فيهم الأمير خطاباً جاء فيه : ( أنتم تطالبون بقطع البترول عن أصحابنا الإنكليز والأمريكان ، والبترول أساساً في أيديهم ، وليس منا من يعرف كيف يقطعه سواهم حتى لو أردنا قطعه ، فهل يعقل أن نقول للأمريكان : اقطعوه يا أمريكان عنكم ؟ .
ثانياً : إن البترول الذي تطالبون بقطعه واسمه الذهب الأسود ، وقطعه يعني الاكتناز في باطن الأرض ، واكتناز الذهب ينهى عنه القرآن الكريم.
ثالثاً : من الذي سيدفع معاشاتنا ومعاشاتكم لو أصيب الأمريكان عندنا بالجنون لا سمح الله وقطعوا البترول عنهم وعن الإنكليز .
رابعاً : اتركوا قضية فلسطين لعبد العزيز يحلها ، وقضية فلسطين عجز عنها الكبار فكيف أنتم يا ها الأولاد الصغار .
واستمرت الهتافات منا ضد ارامكو والأمريكان وعملائهم والصهاينة ، فألقي القبض على مجموعة وأرسلوها في شاحنة قلاب إلى جزار مناطق البترول سعود الجلوي . فقابلنا عبده الأسود فقال : لو ما كنتم صغاراً لقتلناكم ، وضرب كل واحد خمس ضربات بالعصا على ظهره .
ولم يكتف السعوديون بهذا بل هم عمدوا إلى مصادرة التبرعات التي جمعت لدعم القضية الفلسطينية بعد أن اعتقل بوليس الأرامكو بعضاً من الذين يجمعون هذه التبرعات واعتقل السعوديون بعضاً آخر وهددوهم بإنزال أقصى العقوبات بهم .