الفرح في الإسلام… عبادة القلب قبل بهجة الحياة

بقلم: الأستاذ الدكتور/ سعد عبد المعطي عبد العليم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم
وعضو لجنة تقرير الفتوى، ورئيس لجنة الدعوة بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا

الحمد لله الذي جعل في الإسلام فسحة

للقلوب، وأدخل البهجة والسرور على عباده

لتزكية النفوس وطرد الكروب، وأصلي

وأسلم على سيدنا محمد عبد الله ورسوله،

كان أوسع الناس صدرا، وأكثرهم تبسما،

وأعظمهم فرحا بفضل الله وبهدايته، صلى

الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه

الأطهار، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل

والنهار.
وبعد:

إن الفرح في المنظور الإسلامي ليس مجرد

عاطفة عابرة تمر بالقلب فتسعده، بل هو

مقام إيماني رفيع، وحالة نفسية وروحية

ترتبط بالاتصال بالله والرضا بفضله وعطائه.

طوفان البهجة الربانية:

عندما يفيض الوحي بالفرح في دنيا تموج

بالفتن، وتتكالب عليها غيوم والهموم

والغموم الأتراح، وتئن تحت وطأة الماديات

الجافة، يشرق القرآن الكريم كشمس لا

تغيب، يرسل أشعته المنلوءة بالتفاؤل

لينتشل الروح الإنسانية من غيابات الحزن

والكمد إلى آفاق الفرح الرحب والسرور

الإلهي الدائم. إن الفرح في ظلال القرآن ليس

لهوا ضائعا، ولا عبثا عابرا، بل هو هتاف الروح

حين تشرق بنور ربها، وحين تدرك أسرار

الوجود الحقة.

انظر إلى المنهج القرآني كيف يوجه دفة

المشاعر الإنسانية، ويقودها نحو منابع الفرح

الحقيقي؛ فيصيح الوحي في القلوب الحائرة

صيحة توقظ فيها مكامن العزة والابتهاج:

“قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا

هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ”. يا له من بيان يأسر

الألباب! إنه فرح لا يعرف الضيق، فرح يتجاوز

حطام الدنيا الزائل، ومتاعها الفاني، ليحلق

في سماء الهداية، والقرآن، والإيمان. إن

الفرح بفضل الله ورحمته هو الانتصار الأكبر

للروح على طين الأرض وقيود المادة.

وفي مواطن العزة والنصر، عندما تتلاقى

تضحيات المؤمنين بوعود الخالق الصادقة،

ينفجر الفرح في الوجدان شلالا هادرا، يسحق

إحباط النفوس ويجدد الدماء في عروق

الأمة: “وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ”.

إنه فرح الأحرار، فرح الأبرار، فرح يولد من

رحم المعاناة ليعلن للعالمين أن الحق

منصور، وأن ليل الظلم مهزوم ومبتور.

إن القرآن العظيم يعيد صياغة مفهوم الفرح؛

فيربطه بالبشارات والوعود الأخروية حتى لا

تنطفئ شعلته في قلب المؤمن أبد الدهر.

تأمل كيف وصف الله الشهداء، أولئك الذين

بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيله، لم يصفهم

بالموت والجمود، بل أحياء في أرقى درجات

الابتهاج: “فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ”.

هو فرح ممتد، عابر للموت، مخترق لأسوار

الزمن، يستقر في الفردوس الأعلى بجوار رب العزة.

وفي المقابل، جاء التحذير القرآني صارما من

الفرح المزيف؛ فرح الكبر والبطر والخيلاء،

ذلك الفرح الذي يعمي الأبصار ويفصل

الإنسان عن خالقه ومرسل نعمته: “إِنَّ اللَّهَ لَا

يُحِبُّ الْفَرِحِينَ”. إنه الفرح الذي ينقلب

حسرة وندامة، الفرح القائم على التفاخر

بالمال والولد والسلطان دون استشعار شكر

المنعم جل وعلا.

أيها السائر في دروب الحياة، إن فرحك

الحقيقي مكتوب بآيات الوحي، مسطور في

سطور الكتاب العزيز. فرحك يكمن في سجدة

خاشعة، في دمعة تائبة، في آية تتدبرها

فتشفي ما في صدرك من علل وأسقام. اجعل

فرحك سماويا، واجعل ابتهاجك ربانيا،

وانطلق في هذه الحياة قويا، متفائلا، باسما،

يملأ صدرك اليقين بأن فضل الله عليك

عظيم، وبأن رحمته وسعت كل شيء.

فاستبشروا، وافرحوا بقرآنكم، واملأوا الآفاق

بأهازيج الحمد والشكر، فما دام الله ربنا،

والقرآن كتابنا، ومحمد نبينا، فليس للحزن

في قلوبنا مستقر ولا مقام.