احوال الاعراب حول المدينة بعد غزوة بدر

المقال التاسع والعشرون من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية .

الأثر السابع من آثار غزوة بدر أثر الغزوة على الأعراب حول المدينة.

كانت حياة الأعراب تقوم في الأساس على السلب والنهب، فهم قطاع طريق ولصوص، وقيام دعوة أخلاقية في داخل دولة قوية مثل دولة الإسلام قد يحجم من السرقات وقطع الطريق الذي يقوم به الأعراب، ولما انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر بدأ الأعراب يفكرون في محاولة جمع أنفسهم للقيام بغزو المدينة المنورة؛ لمنع هذه القوة من التنامي، فإن هذه القوة لو كبرت فإنها ستوقف نشاط الأعراب حول المدينة، فجمعت بنو سليم نفسها وبدأت تقرر غزو المدينة المنورة.

عرف الرسول عليه الصلاة والسلام أن بني سليم تجمع الأعداد لغزو المدينة، فأخذ نفسه والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وانطلقوا بسرعة إلى بني سليم، فلما رأى بنو سليم النبي صلى الله عليه وسلم قادماً فروا إلى الجبال وتركوا كل شيء، وعاد صلى الله عليه وسلم من بني سليم بكمية كبيرة من الغنائم، 500 بعير وزعها على جيش المدينة المنورة، وكان هذا في شوال سنة 2 هـ، أي: بعد الرجوع من بدر بحوالي سبعة أيام فقط، وكان فيها نصر كبير للمسلمين، وازدادت الرهبة والهيبة للدولة الإسلامية في الجزيرة وهناك أثر ضخم جداً وهائل لغزوة بدر، وهو تغير التركيبة السكانية داخل المدينة المنورة.

قبل موقعة بدر كنا نقسم الناس في المدينة المنورة إلى مسلمين ومشركين ويهود، فالمشركون تغيروا، يعني: إما صاروا مسلمين؛ لأنهم بالإسلام ودخلوا فيه على اقتناع، وإما تحول المشركون إلى منافقين إذاً: ظهرت طائفة جديدة ما كانت موجودة قبل هذا في كل مراحل الدعوة النبوية، لا في فترة مكة ولا في أوائل فترة المدينة، وهي طائفة المنافقين.

والمنافقون لا يظهرون إلا إذا قويت شوكة الإسلام والمسلمين، فلو رأيت المنافقين يكثرون فهذه علامة صحية، علامة على أن دولة الإسلام أصبحت قوية، وقبل هذا كانت ضعيفة، فلا يفكر أحد من المشركين أن ينافقهم، لكن الآن أصبحت دولة المسلمين قوية، وبدأت تظهر طائفة المنافقين القذرة، وعلى رأس هذه الطائفة كان الرجل الذي كان يكره الرسول صلى الله عليه وسلم كراهية شديدة عبد الله بن أبي ابن سلول ، فبدلاً من أن يكون زعيم المشركين في المدينة أصبح زعيم المنافقين في المدينة المنورة.

بعد بدر مباشرة أعلن هؤلاء القوم إسلامهم وأبطنوا الكفر في داخلهم، وطبعاً سيكون لهم أثر سيء جداً على المدينة المنورة وعلى المسلمين.

الأثر التاسع: السيطرة العسكرية الكبيرة للمسلمين على الجزيرة العربية، فقد استطاعوا أن يصلوا إلى مناطق واسعة من الجزيرة العربية، ويتضح هذا جيداً في سرية زيد بن حارثة ، هذه السرية لها قصة في منتهى الروعة ونحب أن نقف معها.

 لما حصلت السيطرة الكاملة للمدينة المنورة على منطقة شمال مكة المكرمة منطقة الطريق إلى الشام، بدأت قريش تفكر في حل لطريق التجارة إلى الشام؛ لأن التجارة إلى الشام وقفت، وهي عصب حياة أهل مكة. فاجتمعوا اجتماعاً كبيراً، وكان صفوان بن أمية في هذه السنة هو قائد الحملة التي ستذهب إلى الشام، فقال صفوان بن أمية : إن محمداً وصحبه عوروا علينا متجرنا، ولا ندري كيف نصنع بأصحابي وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معهم، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء، وإن حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء.

فقام الأسود بن عبد المطلب وقال لـصفوان ولمن معه من المشركين: اترك طريق الساحل وخذ طريق العراق. ومعلوم أن طريق العراق طريق طويل جداً يخترق نجداً إلى الشام، ويمر بشرق المدينة، لكن على بعد كبير جداً منها، وقريش نفسها لا تعرف هذه الطريق، فهي تحتاج إلى دليل ماهر حتى يعبر بها هذا الطريق الوعر ليصلوا إلى الشام.، ووافقت قريش على هذا الرأي، واختارت لها دليلاً اسمه فرات بن حيان من بني بكر بن وائل، ليوصلهم للشام عن طريق نجد.

وخرجت عير قريش بقيادة صفوان بن أمية ، وأخذت الطريق الجديد، ونقلت المخابرات الإسلامية الأخبار إلى المدينة المنورة، وبسرعة جهز الرسول عليه الصلاة والسلام سرية على رأسها زيد بن حارثة رضي الله عنه، قوام هذه السرية مائة راكب، وانطلقوا بسرعة لقطع الطريق على القافلة، فهرب صفوان بن أمية ومن معه من حراس القافلة، وتركوا دليل القافلة فرات بن حيان فأخذه المسلمون أسيراً وأخذوا القافلة بكاملها، فكانت غنيمة كبيرة جداً، كانت تحمل الأواني والفضة للتجارة في الشام، وقدرت قيمة هذه القافلة بمائة ألف دينار، وقسمت على أفراد السرية بعد أن أخذ منها الرسول عليه الصلاة والسلام الخمس.، وبعد ذلك أسلم فرات بن حيان ، فكانت ضربة في منتهى القوة لقريش، وكانت مأساة شديدة ونكبة كبيرة أصابت قريشاً بعد بدر، كان هذا في جماد الآخرة سنة 3هـ، أي: بعد حوالي عشرة شهور من غزوة بدر، معنى هذا: أن سيطرة المسلمين على الجزيرة العربية لم تكن عابرة، بل كانت مستمرة.

إن هذا الموقف جعل قريشاً تتحرك لهجوم كاسح شامل على المدينة المنورة، وهذه ستكون مقدمات غزوة أحد، بقي لنا أثر عاشر مهم جداً من آثار غزوة بدر، لكن الوقت لا يتسع للحديث عنه، وهو أثر غزوة بدر على اليهود في داخل المدينة المنورة، خاصة يهود بني قينقاع الذين كانوا يعيشون وسط المدينة المنورة، فماذا عملوا كرد فعل لهذا الأمر؟ ويا ترى! ماذا عمل يهود بني النضير؟ وبنو قريظة ماذا عملوا؟ فعلى ضوء رد فعلهم سيكون تصرف النبي صلى الله عليه وسلم.