المثقف المأجور

المقال الرابع والعشرون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

من ضمير الأمة إلى بوق السلطة والشركات :

منذ أن كان المثقف في الأمة صوتًا للحق، ولسانًا للناس، وعقلًا يقظًا يحذر من الخطر ويدعو إلى الحرية، كانت له مكانة رفيعة؛ فهو “ضمير الأمة” الذي يقف في وجه الطغيان ويصوغ وعيها الجمعي. لكن حين دخل المال على الخط، وحين تمددت الشركات العابرة للقارات، وحين تحالف المستعمر مع النخب الوظيفية، تحول المثقف في كثير من الأحيان إلى سلعة قابلة للشراء، يُباع قلمه في المزاد، ويُستأجر فكره ليخدم المشاريع التي تقيد الأمة بدل أن تحررها. وهكذا انقلب دوره من قائد في معركة الوعي إلى بوق مدفوع الأجر، يزين الاستعمار الناعم، ويبرر الاستبداد، ويغطي على جرائم السلطة باسم “التنوير” أو “الموضوعية”.

لقد فهمت جيوش الظل الاقتصادية والفكرية أن السيطرة على الشعوب لا تكون فقط بالمدافع أو العقود، بل بالسيطرة على الأصوات المؤثرة. والمثقف واحد من أخطر هذه الأصوات. فهو القادر على صياغة المفاهيم وتشكيل اللغة وتحديد ما يعتبر “معقولًا” وما يعتبر “خرافة”. فإذا اشتراه المال، صار قادرًا على إعادة تعريف الخيانة كـ”واقعية سياسية”، والتبعية كـ”تعاون دولي”، وتضييع الهوية كـ”تحديث”. ومن هنا صارت ميزانيات ضخمة تُرصد لشراء الأقلام والكتابات، وتحويل المثقفين إلى موظفين في شركات الفكر الاستعماري.

لم يعد الأمر مجرد فساد فردي، بل منظومة كاملة. فهناك دور نشر تمولها سفارات غربية لترويج كتب بعينها، ومراكز أبحاث تدفع مرتبات عالية لمن يكتب تقارير تصب في مصلحة الاستعمار الجديد، ومنابر إعلامية تُغدق الأموال على من يردد خطابها. والمثقف المأجور هنا لا يخون نفسه فقط، بل يخون الأمة كلها، لأنه يبيع وعيها، وهو يعلم أن الكلمة أخطر من الرصاصة.

وما يزيد الأمر سوءًا أن بعض هؤلاء المثقفين لا يرون أنفسهم عملاء، بل يزعمون أنهم “واقعيون” أو “حداثيون”. لكن الحقيقة أن واقعيتهم هي استسلام، وحداثتهم هي تبعية، وأنهم – من حيث يعلمون أو لا يعلمون – جنود في جيوش الظل. يكتبون المقالات التي تُزين الخصخصة، أو يدافعون عن اتفاقيات النفط، أو يهاجمون الأصوات الإسلامية والوطنية، وكل ذلك تحت لافتة “العقلانية”. لكن حين ندقق في مسار كتاباتهم، نجدها تنتهي دائمًا عند خدمة المستعمر وأدواته.

إن المثقف المأجور أخطر من السياسي العميل، لأنه يُعيد تشكيل العقل الجمعي للأمة. السياسي قد يُجبر الناس على قرار بالقوة، لكن المثقف يُقنعهم أن هذا القرار هو الخيار الوحيد الممكن. السياسي قد يبيع قطعة أرض، لكن المثقف يبيع فكرة تجعل الشعب يقبل بيع الأرض. ولهذا كان شراء الذمم يبدأ غالبًا بالمثقفين، لأنهم صناع الوعي، فإذا فُسد الوعي سهل شراء الباقي.

لقد رأينا عبر العقود الماضية نماذج صارخة لهذا التحول. أقلام كانت يومًا ترفع شعارات الحرية والاستقلال، ثم ما لبثت أن جلست على موائد السلطة تكتب لها البيانات، أو صارت تتلقى التمويل من شركات إعلامية مرتبطة بمصالح استعمارية. بل رأينا من حوّل قلمه إلى سيف ضد شعبه، يهاجم مقاومته، ويبرر قتله، ويُظهر المحتل في صورة “المنقذ”. وهكذا سقط المثقف من علياء الضمير إلى حضيض الارتزاق.

ولكي نفهم خطورة هذا الدور، يكفي أن نتأمل كيف يُعاد تشكيل أجيال كاملة عبر كتابات هؤلاء. فالطالب الذي يقرأ في كتبه أن الدين عائق، أو أن الوطنية وهم، أو أن المقاومة إرهاب، ينشأ مقتنعًا بأن لا طريق إلا ما رسمه المستعمر. وهنا تتحقق الغاية: شراء المستقبل عبر شراء المثقف.

إن معركة الوعي اليوم لا تُخاض في ساحات الجامعات فقط، ولا في قاعات البرلمانات، بل في المقالة والكتاب والبرنامج التلفزيوني. وإذا كان المثقف قد خان دوره، فإنه يصبح جزءًا من جيش الظل، يُقاتل لا بالسيف ولا بالبندقية، بل بالكلمة التي تغتال الحقيقة.

ولهذا فإن الأمة لن تتحرر حتى تستعيد مثقفها الحر، وتُطهر ساحتها من الأقلام المأجورة. فالكلمة الحرة هي سلاح المقاومة الأول، والمثقف الصادق هو قائد الصفوف قبل أن يتحرك الجنود. أما إذا تُركت الساحة للمأجورين، فلن يكون هناك سوى وعي ملوث، وشعوب مقيدة وهي تظن أنها حرة.