د. محمد إبراهيم حامد.. تكريم ذوي الهمم بالشرقية عنوانًا للوفاء والعطاء

متابعة الشيخ : حسين السمنودي

تكريم مجرد مناسبة تنتهي بانتهاء مراسمها، فهناك تكريمات تحمل في مضمونها رسالة أكبر من كلمات الشكر وشهادات التقدير، لأنها تؤكد للإنسان أن ما يقدمه من جهد لم يذهب سدى، وأن إخلاصه وعطاءه محل تقدير واحترام. ومن هذا المعنى جاءت لفتة فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، مدير مديرية أوقاف الشرقية، تجاه عدد من الأئمة والعاملين من ذوي الهمم، في مشهد يحمل الكثير من المعاني الإنسانية والمهنية.

فأصحاب الهمم يمثلون نموذجًا مختلفًا للعطاء؛ لأنهم في كثير من الأحيان يخوضون معركة يومية مع ظروف وتحديات قد لا يراها الآخرون، ومع ذلك يواصلون العمل، ويتمسكون بأداء واجبهم، ويثبتون أن الإرادة الحقيقية قادرة على تجاوز الكثير من الصعاب.

وفي مجال العمل الدعوي والإداري، لا يمكن أن تكون قيمة الإنسان مرتبطة بقدرته الجسدية وحدها، وإنما بما يملكه من إخلاص وأمانة وقدرة على تحمل المسؤولية. ولذلك فإن وجود أئمة وعاملين من ذوي الهمم داخل منظومة الأوقاف، وقيامهم بأدوارهم في المساجد والإدارات المختلفة، يمثل صورة مشرفة تؤكد أن العطاء لا يرتبط بشكل الإنسان أو ظروفه، وإنما يرتبط بقلبه وإرادته وضميره.

وقد جاء تكريم الدكتور محمد إبراهيم حامد ليؤكد أن المؤسسة التي تقدر أبناءها هي مؤسسة تعرف قيمة الإنسان قبل أي شيء آخر. فحين يشعر الموظف أو الإمام بأن جهده محل اهتمام، وأن ما يقدمه من عمل يحظى بالتقدير، فإنه يصبح أكثر قدرة على الاستمرار وأكثر رغبة في بذل المزيد.

ولعل أجمل ما في تكريم ذوي الهمم أنه يبعث برسالة واضحة إلى الجميع مفادها أن الاختلاف في القدرات لا يعني أبدًا الاختلاف في القيمة الإنسانية، وأن الإنسان يستطيع أن يترك بصمته في المكان الذي يعمل فيه مهما كانت العقبات التي تواجهه.

إن بعض الأشخاص يحتاجون إلى فرصة فقط حتى يثبتوا ما يستطيعون فعله، وأصحاب الهمم أثبتوا في مواقع كثيرة أنهم لا يبحثون عن معاملة استثنائية، وإنما يبحثون عن التقدير والاحترام والفرصة العادلة التي تمكنهم من تقديم ما لديهم من طاقات.

وهنا تظهر أهمية دور القيادات في المؤسسات؛ فالقيادة الناجحة لا تكتفي بمتابعة العمل واللوائح، وإنما تعرف كيف ترفع الروح المعنوية للعاملين، وكيف تمنح المجتهد كلمة تشجيع، وكيف تجعل التقدير جزءًا من ثقافة العمل اليومية.

وتكريم الدكتور محمد إبراهيم حامد لعدد من أبناء المديرية من ذوي الهمم يحمل هذه الروح؛ فهو تأكيد على أن أبناء الأوقاف جميعًا شركاء في أداء الرسالة، وأن كل شخص يؤدي دوره بإخلاص يستحق أن يجد من يمد إليه يد التقدير.

والحقيقة أن ذوي الهمم لا يحتاجون إلى الشفقة، وإنما يحتاجون إلى أن يرى المجتمع فيهم ما يرونه هم في أنفسهم من قدرة وطموح وإصرار. فهم لا يريدون أن يكونوا مجرد موضوع للتكريم في المناسبات، بل يريدون أن يكونوا شركاء حقيقيين في العمل والإنتاج وصناعة النجاح.

ومن هنا فإن تكريمهم يجب أن يتحول دائمًا إلى دافع لمزيد من الدمج والمشاركة، وإلى تأكيد عملي على أن أبواب العمل والعطاء مفتوحة أمام الجميع، وأن المؤسسة القوية هي التي تستفيد من طاقات جميع أبنائها ولا تسمح لأي ظرف بأن يحول بينهم وبين المشاركة الفاعلة.

ولأن رسالة وزارة الأوقاف تتجاوز حدود الوظيفة إلى خدمة بيوت الله والمجتمع، فإن كل من يعمل في هذه المنظومة يحمل مسؤولية لها طبيعتها الخاصة. الإمام يحمل رسالة الدعوة، والعامل يؤدي دوره في خدمة المسجد، والموظف الإداري يشارك في تنظيم العمل، وكل هذه الأدوار تتكامل من أجل هدف واحد هو الحفاظ على حسن أداء الرسالة.

وفي هذا السياق، فإن أبناء المديرية من ذوي الهمم يقدمون نموذجًا يستحق الإشادة، لأنهم يؤكدون أن المسؤولية لا تعرف عذرًا، وأن الإنسان يستطيع أن يؤدي واجبه عندما يمتلك الإرادة والإيمان بقدرته على النجاح.

وربما تكون الكلمة الطيبة في بعض الأحيان أعظم من أي مكافأة، لأنها تمنح الإنسان إحساسًا بأن هناك من يرى تعبه ويقدر جهده. ولذلك فإن لحظات التكريم الحقيقية تظل عالقة في ذاكرة أصحابها، لأنها تمنحهم طاقة معنوية تدفعهم إلى الأمام.

كما أن هذه المبادرة تفتح الباب أمام ثقافة مؤسسية أكثر إنسانية، تقوم على تقدير الكفاءة والإخلاص، وعلى دعم أصحاب الهمم، وعلى التأكيد بأن الجميع لهم دور في بناء المؤسسة ونجاحها.

إن مصر تمتلك نماذج كثيرة من أصحاب الهمم الذين تحدوا الصعوبات وحققوا نجاحات لافتة في مختلف المجالات، وما يقدمه هؤلاء الأئمة والعاملون في مديرية أوقاف الشرقية يندرج ضمن هذه النماذج التي تستحق أن نسلط عليها الضوء، لا من باب التعاطف، وإنما من باب الاعتزاز بما يقدمونه من جهد.

فالإنسان الذي يستيقظ كل صباح ليذهب إلى عمله ويؤدي واجبه رغم ما يواجهه من صعوبات، ثم يعود إلى منزله وهو يشعر بأنه أدى ما عليه تجاه مؤسسته ووطنه، هو إنسان يستحق الاحترام. وعندما يكون هذا الإنسان من أصحاب الهمم، فإن قصته تصبح درسًا في الإرادة والصبر وعدم الاستسلام.

ولذلك فإن تكريم هؤلاء ليس تكريمًا لأشخاص بعينهم فقط، وإنما هو تكريم لقيمة العمل، وقيمة الإخلاص، وقيمة الإرادة، وقيمة الإنسان الذي يرفض أن تكون ظروفه سببًا في توقفه عن الحياة أو العطاء.

ويبقى الدور الأكبر على المؤسسات في أن تجعل من هذه المبادرات نهجًا مستمرًا، وأن تواصل اكتشاف النماذج المتميزة بين العاملين، وأن تمنح أصحاب الهمم المساحة التي تمكنهم من التعبير عن قدراتهم، وأن تضع أمامهم كل ما يساعدهم على أداء مهامهم في أفضل صورة ممكنة.

وفي النهاية، فإن تكريم الدكتور محمد إبراهيم حامد لأبناء مديرية أوقاف الشرقية من ذوي الهمم هو رسالة وفاء قبل أن يكون مناسبة للتكريم، ورسالة تقول إن العطاء لا يقاس بالقدرة الجسدية، وإن النجاح لا تمنعه الصعوبات، وإن الإرادة الصادقة تستطيع أن تصنع من التحدي طريقًا للنجاح.

كل التحية والتقدير لكل إمام وعامل من ذوي الهمم يواصل أداء رسالته بإخلاص، ولكل يد تمتد لتشجعه وتسانده، ولكل مسؤول يدرك أن تقدير الإنسان ليس مجاملة، وإنما حق وواجب.

فحين نكرّم من يعمل بإخلاص، فإننا في الحقيقة نكرّم قيمة العمل نفسها، وحين نحتفي بأصحاب الهمم، فإننا نؤكد أن المجتمع الذي يحترم أبناءه ويقدر جهودهم هو مجتمع يستطيع أن يصنع مستقبلًا أكثر عدلًا وإنسانية، وأن بيوت الله التي يخدمها هؤلاء الرجال والنساء ستظل شاهدة على أن العطاء الحقيقي لا يعرف مستحيلًا.