حين تهتز الأرض.. استيقظوا قبل فوات الأوان
4 أغسطس، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم : الأستاذ الدكتور/ سعد عبد المعطي عبد العليم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم
وعضو لجنة تقرير الفتوى، ورئيس لجنة الدعوة بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا
الحمد لله الذي جعل في تصريف الآيات عبرةً للمعتبرين، وأنزل من النذر ما يوقظ قلوب الغافلين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، ونذيرًا للبشر أجمعين. أما بعد:
فإن لله تعالى آيات تخيف العباد، وتهز أركان البلاد، وتوقظ من ركن إلى اللذات والرقاد. وإن من أعظم نذر الزمان، أن تهتز الأرض بعد الأمان، فتتزلزل الجبال الراسيات، وتفزع النفوس الساهيات؛ ليعلم الإنسان شدة ضعفه، ويعود إلى ربه قبل حتفه. فالزلزلة ليست لتحريك التراب، بل لتنبيه أولي الألباب، وفتح باب الأوبة والمتاب.
حين تهتز الأرض وترتجف إنها لرسائل ربانية لقلوب غافلة وطريق خلاص لأمة
تتحرك الأرض من تحت أقدامها في لحظات معدودة، يتبدل أمن الناس خوفًا، واستقرارهم فزعًا، ليتضح للبشرية جمعاء كم هي ضعيفة وعاجزة أمام جبروت الخالق. إن الزلزال ليس مجرد ظاهرة جيولوجية تُفسر بمصطلحات علمية جافة عن تحرك الصفائح التكتونية، بل هو نذير إلهي يرج الأركان، ورسالة سماوية بليغة تنادي فينا أن استيقظوا. إنه لا يهز الأرض وجبالها الراسية وحدها، بل يهز القلوب الغافلة التي ركنت إلى الدنيا واطمأنت بزخرفها؛ لعلها تفيق وتستيقظ من سباتها العميق قبل أن يأتي اليوم العظيم الذي لا رجعة بعده. نسأل الله السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ونعوذ به من بغتة عقابه وسخطه.
تخويف وتذكير
وهذه الغاية الأسمى من الآيات الكونية الربانية لنعلم أن الكون كله بيد خالقه، يسيّره بحكمته، ويرسل فيه من الآيات والعبر ما يوقظ العباد من رقدة الغفلة وموت القلوب. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم واصفًا الغاية من هذه الظواهر المخيفة والآيات المرئية: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
هذا الخوف الذي يلقيه الله في قلوب عباده ليس لإحباط البشر أو تعجيزهم، بل هو “سوط رحمة” يدفعهم سَوقًا إلى أبواب طاعتة، ويذكرهم بحقيقتهم وبأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا.
وعندما تضطرب الأرض الممهدة التي طالما نسوا نعم الله عليها، يكون المطلب الأوحد والمفر الوحيد هو اللجوء إلى الله بالدعاء والضراعة والاستغفار. يعاتب الله الأُمم التي تمر بها البلايا والكوارث دون أن تتغير قلوبها أو تنكسر نفوسها، ويقول جل وعلا: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 43]. ويقول مستنكرًا جمود القلوب وتبلد المشاعر أمام النذر: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126]. إن كل حركة واهتزاز في هذا الكون تحمل غايات إلهية عظيمة اختصرها القرآن الكريم في كلمات عميقة تتردد في مواضع شتى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، فالغاية هي الإنابة، والوسيلة هي التضرع، والنتيجة هي التذكر واليقظة.
المسؤولية المجتمعية هي صمام الأمان المفقود
إن النجاة من العقاب الإلهي والاضطرابات الكونية ليست مسؤولية فردية ينطوي فيها المرء على نفسه فحسب، بل هي صمام أمان مجتمعي يشترك فيه الجميع. عندما تفشو المعاصي، وتظهر المنكرات علانية، ويتهاون الناس في حدود الله دون نكير أو مناصحة، يرتفع خط الدفاع الأخلاقي والشرعي الذي يحمي الأمة من جنود الله الباطنة والظاهرة.
وقد حذر النبي ﷺ تحذيرًا شديدًا من خطورة السكوت عن الحق وترك النصيحة والمداهنة في الدين، فقال: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (رواه الترمذي وحسنه أهل العلم). وفي الأثر والتاريخ الإسلامي، ارتبطت كثرة الزلازل بظهور المنكرات والذنوب؛ فقد زُلزلت الأرض في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فخطب في الناس قائلًا: “أيها الناس، ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه، والذي نفسي بيده، لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا!”. وفي رواية أخرى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن الزلزلة فقالت: “إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمغارف، غار الله عز وجل في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم”، فقيل لها: يا أم المؤمنين، أعذابًا لهم؟ قالت: “بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالًا وعذابًا للكافرين”. إن شؤم المعصية لا يصيب العاصي وحده إذا سكت المجتمع، بل يعم البلاء ويهلك الجميع إذا فُقدت شعيرة الحسبة والمناصحة.
علامات الساعة: نبوءة تتحقق وإعجاز يتجلى
إن ما نشهده في العصور المتأخرة من تتابع مرعب للهزات الأرضية المدمرة، والاضطرابات المناخية والكونية في شتى بقاع الأرض، ليس إلا تصديقًا دقيقًا لنبوءات المصطفى ﷺ، وتنبيهًا ربانيًا بقرب الساعة ودنو الأجل الكوني. قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام البخاري: «لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل القتل».
إن تتابع الزلازل بالتزامن مع كثرة الفتن والهرج (القتل والحروب) يدق ناقوس الخطر في وعي المسلم، ويؤكد له بما لا يدع مجالًا للشك أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن الأمان الحقيقي لا يكمن في البناء المشيد ناطح السحاب، بل في الإيمان المستقر الراسخ في شغاف القلوب. فإذا اهتزت الأرض الصلبة تحت أقدامنا، فأين المهرب إلا إلى الله؟
طريق الخلاص: خطوات عملية للنجاة والأمان
إن اللبيب الفطن هو من يقرأ رسائل الله في كونه بقلب وجل وعقل متدبر. الزلزال خطبة بليغة صامتة، تنادي فينا أن استقيموا وتوبوا. ولكي نصل إلى “بر الخلاص” ونتجنب غضب الله وننال رحمته، يجب على الأمة والأفراد اتباع منهج عملي واضح يتلخص في الخطوات التالية:
1- تجديد التوبة النصوح الفورية: الإقلاع التام عن الذنوب والمعاصي (الظاهرة والباطنة)، والندم على ما فات، والعزم الصادق على عدم العودة إليها، ورد الحقوق إلى أصحابها.
2_الفزع إلى الاستغفار والذكر: الإكثار من الاستغفار باللسان والقلب، واللجوء إلى الله بالدعاء وقت الكوارث؛ فقد كان هدي السلف الصالح إذا زُلزلت الأرض يهرعون إلى الصلاة والاستغفار والصدقة. 3- إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يقيم كل مسلم هذه الشعيرة في بيته، ومحيطه، ومجتمعه بالحكمة والموعظة الحسنة، والرفق، دون تهاون أو مداهنة، لحماية السفينة من الغرق.
4- التضرع والانكسار بين يدي الله: نزع كبرياء النفس، والاعتراف بالتقصير والضعف البشري، والوقوف ببكاء وتذلل على أعتاب الربوبية، عملًا بقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾.
5- كثرة الصدقات وإغاثة الملهوفين: الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء؛ ومواساة الفقراء والمتضررين من هذه الكوارث بالمال والطعام والمأوى تنزل رحمات الله وتدفع النقم.
6- اليقظة من الغفلة والاستعداد للموت: عدم التعامل مع هذه الأحداث كأخبار عابرة أو ظواهر طبيعية بحتة، بل اتخاذها وقودًا لإصلاح النفس، وتجهيز الزاد لليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فلنبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يُغلق باب التوبة، ولنجعل من اهتزاز الأرض سببًا لثبات قلوبنا على الحق، ومن خوفنا في الدنيا طريقًا لأمننا يوم الفزع الأكبر.
اللهم احفظ مصرنا الحبيبة واجعلها واحة للأمن والأمان