ومضات عطرة من سيرة الشيخ محمد عبد السميع
11 أغسطس، 2026
أخبار العالم الإسلامى

كتبه/أ.د سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم
ورئيس لجنة الدعوة والثقافة الإسلامية وعضو المجمع الفقه الإسلامي بكندا
السيرة الكاملة لفضيلة الشيخ:
سيرة الضياء ومسيرة العطاء
قضى حياته في محراب الدعوة إلى الله تعالى، والعمل الاجتماعي والاصلاحي، وبناء المجتمع،
إماما منذ الابتدائية .. خطيبًا بارعًا منذ طفولته…كان باكورة الأزهر في قريتنا والقرى المجاورة.. هومن دلنا على الأزهر الشريف.. وعرفنا الطريق إليه رحمه الله،
في تاريخ الأمم والمجتمعات رجالٌ لا يُقاس عمرهم بعدد السنين، بل بحجم الأثر الذي تركوه في نفوس العباد، والمحاريب التي شهدت على ركوعهم وسجودهم، والمنابر التي اهتزت فصاحةً وبلاغةً بكلماتهم. ومن هؤلاء الأعلام الذين صاغوا من حياتهم رسالةً تمشي بين الناس، الداعية الملتزم والمفوه، فضيلة الشيخ/ محمد عبد السميع محمد المغازي المنسي؛ رحمه الله تعالى وغفر له وتغمده بواسع رحمته، ذلكم الرجل الذي عاش حياته داعياً ومصلحاً، وترك بصمة نورانية في كل أرض وطأتها قدماه.
أولاً: النشأة المباركة
فضيلة الشيخ/ محمد عبد السميع محمد المغازي المنسي؛ كان إماماً ملتزمًا، وخطيبًا مفوهًا، وداعيةً متألقًا، وواعظًا مؤثرًا، قريبًا من الجميع يحظى بحب الكبير والصغير، كان يتسم بحسن الخلق، والتواضع ولين الجانب، دائم البسمة، ضحوكاً، وأعظم ما لمسته فيه رحمه كان يحمل قلبًا طيبًا رقيقًا لا يحمل فيه إلا الخير للجميع، اجتماعيًا ناجحًا، يصلح بين الناس، يشارك الجميع أحزانهم وأفراحهم
ميلاده: شهدت قرية “كوم الحجر” بمركز الحامول في محافظة كفر الشيخ ميلاد هذا العالم الجليل في الخامس والعشرين من أكتوبر لعام 1965م. ومنذ نعومة أظفاره، ومذ كان طفلاً يرتاد مدرسة “الأبعادية البحرية الابتدائية” عام 1971م، وكان إماماً منذ صغره، يرتاد أعواد المنبر بثقة الصبي الذي يسوقه الله لأمر عظيم، وتملأ حنجرته بيوت الله بالوعظ المؤثر والطب الرنانة، والبيان الساحر.
تأكدت هذه الموهبة الربانية حين انحاز إلى رحاب الأزهر الشريف، فكان من أوائل من التحقوا بالأزهر في مركز الحامول في ذلك الوقت، فالتحق بالصف الأول الإعدادي بالمعهد الديني بالمحلة الكبرى بمحافظة الغربية عام 1977م، حيث ارتوى من علوم الشريعة واللغة حتى الصف الأول الثانوي، لينتقل بعدها إلى (معهد بيلا الثانوي الأزهري) متمماً دراسته الثانوية بيقين الواثق وعزيمة المتطلع لخدمة دينه. ولم يكن مستغرباً أن يقوده شغفه بالدعوة إلى كلية أصول الدين (قسم الدعوة والثقافة الإسلامية) بجامعة الأزهر بطنطا، ليتخرج منها عام 1992م متسلحاً بالعلم، متوشحاً بالأدب، وحسن الخلق، مستعداً لخوض غمار الرسالة وتبليغ الدعوة، ومشاركة الناس.
وكان مركز الحامول كله في ذلك الوقت ليس به سوى عدد قليل يعدون على الأصابع ممن التحقوا بالأزهر أو تخرجوا في الأزهر الشريف.
رحلة العطاء في محراب وزارة الأوقاف
في عام 1993م، بدأ الفصل الرسمي في مسيرة الشيخ التنويرية بصدور قرار تعيينه بوزارة الأوقاف إماماً وخطيباً ومدرساً. كانت المحطة الأولى في “مسجد القرن” بإدارة أوقاف الحامول، وهو المسجد الذي شهد خطاه الأولى في الوظيفة الرسمية، فكان نعم الإمام المنضبط، والخطيب المفوه المتألق الذي يجمع القلوب قبل العقول.
كان إماماً مضبطاً في عمله ملتزماً يشهد له القاصي والداني بذلك، وكان خطيبًا مفوهًا مؤثرًا، لا يتخلف عن مناسبة يشارك الناس أحزانهم وأفراحهم يحرص على العمل الاجتماعي، وإصلاح ذات البين، ولتقدير الناس للأزهر ودور الإمام وحضوره الدائم كان الناس لا يردون له طلباً فكان سببًا كبيرًا لفض كثير من المنازعات، وحل المشكلات، فلم يكن إمامًا تقليديًا يصلي ثم ينصرف، لا، بل كان صاحب دور عظيم في المشاركات المجتمعية، وصاحب رسالة.
ولأن التميز لا يخفى، فقد انتقل فضيلته إلى “مسجد السلاهيب الكبير”، بمركز الحامول والذي يُعد الصرح الأكبر في مركز الحامول. وهناك، وعلى مدار قرابة خمسة عشر عاماً، سطر الشيخ محمد المغازي المنسي تاريخاً مجيداً من العمل الدعوي والاجتماعي. لم يكن مجرد مؤدٍ لصلوات، بل كان محور الحراك الاجتماعي والخيري والإصلاحي في المدينة؛ يسعى في حوائج الناس، ويصلح ذات البين بكلمته المسموعة ورأيه السديد، ناهيك عن جهوده العمرانية التي تجلت في إدخال إصلاحات وتوسعات ملموسة على المسجد ليتسع لرواده ومحبيه.
تلك هي النحلة القارَّة، لا تقع إلا على طيب، ولا تخرج إلا طيباً. هكذا كان الشيخ/ محمد عبد السميع محمد المغازي المنسي، رحمه الله وغفر له، ففي عام 2011م انتقل إلى “مسجد النشاوي” بقرية النشاوي، بمركز الحامول ليواصل نثر بذور الخير، والدعوة إلى الله تعالى، والوعظ المؤثر، مؤكداً على قاعدته الذهبية في الحياة: “ما دخل مسجداً إلا وترك فيه بصمة بارزة، وأثراً ملحوظاً”. وتستمر المسيرة المباركة بانتقاله إلى “مسجد القرية (18)” مركز الحامول، قريته التي عاش بها منذ طفولته، ونشأ فيها، وتربى على أرضها، وعاش بين أهلها، حاملاً معه ذات الحماس، ونفس الالتزام، والروح الدعوية الوثابة التي لا تشيب وإن تقدمت السنون.
هندسة الوفاء وتلاحم القرية
لم تقف حدود الرسالة الدعوية عند فضيلة الشيخ محمد المغازي المنسي عند حدود المنبر، بل امتدت لتشمل أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية والخدمية. ومن أبهى تجليات هذه المسيرة، ذلك الملف الإنساني والاجتماعي المعقد الذي تصدى له بكل شجاعة وحكمة: ملف إصلاح المقابر وإعادة تنظيمها وهيكلتها.
ومن أهم وأعظم ما قام به وآخر ما قام به قبل وفاته بسنة رحمه الله تعالى، إعادة هيكلة مقابر القرية التي كانت قد بنيت بطريقة عشوائية من بعض الأفراد غير المسولين فمنهم من استولى على مساحات كبيرة، ومنهم من حجز عددًا من المقابر، ومنهم من أغلق الشوارع والطرقات، ومعظمهم بنى المقابر على غير القبلة، نظر شيخنا الشيخ محمد عبد السميع المغازي المنسي إلى المقابر بوصفها “دار الحق” التي تستوجب أعلى درجات الحرمة والوقار، وحفظاً لكرامة الإنسان حياً وميتاً. واجهت القرية معضلة العشوائية والتكدس في المدافن، لم يقف فضيلته منفرداً، بل كان معه مشايخ القرية الفضلاء، وأئمتها النبلاء، وشبابها وأهل الفضل من أهلها، ولكنه بحق كان القائد الملهم الذي التف حوله الجميع في ملحمة تكافلية تجسد أسمى معاني الوفاء والترابط، وحينما عرض الأمر على الناس بالقرية من منبره لأول وهلة وجد صدوداً كبيرًا وإعراضًا من بعض المعارضين كعادة أي مجتمع ولكن لم يتوقف بل سعى ومعه مشايخ وأئمة القرية جميعًا وهم أصحاب فضل وجهد مشكور،
والشيخ محمد عبد السميع رحمه الله تعالى، كان حريصًا على إتمام هذا العمل وحينما أراد البدء فيه تواصل معي فضيلته وتحدث معي عن بعض العقبات في طريقة، وكان من بينها الناحية الدينية، والشرعية، والفقهية، (وهو أعلم بالمسألة لاشك) فهو شيخنا واستاذنا، لكنه أراد التأكد من أكثر من ناحية فطلب منى تحرير هذا الأمر من الناحية الشرعية وبعد بحث دقيق أرادنا التأكد والتوثيق، وهذا من شدة حرصه رحمه الله تعالى، وبفضل الله تواصلت مع لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، في مكالمة هاتفية جماعية ومعنا الأستاذ الدكتور/ أحمد السعيد الهادي أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة بالأزهر وعضو لجنة الفتوى وأعضاء آخرين، انتهينا من هذه الجزئية وتواجه الشيخ عقبة أخرى وهي من أين نبدأ الهدم؟ فقلت له شيخنا الحبيب ابدأ بهدم (المقابر التي تخصنا)، ليكون أسوة للجميع ولنقضي على أي معارضة لنجاح المشروع، وتمام الفكرة، وكنت بمصر وقتئذٍ فطلب مني إلقاء خطبة بالمسجد الكبير بالقرية عن هذا الأمر لتذليل بعض الصعاب وبحضور أخي الحبيب فضيلة الشيخ زكريا سليمان (الدينامو والمحرك) الخيري بالقرية، والداعية الكبير، وبعض شباب القرية الطيبة أهلها.
رؤية حكيمة واشراف دقيق
أشرف الشيخ رحمه الله بنفسه وكان مريضًا جدًا على هندسة هذا المشروع؛ فوضع خطة دقيقة لتحويل العشوائية إلى نظام صارم ومقنن، يعتمد على التقسيم العادل بالتساوي والمقاصة بحسب أعداد وأفراد كل عائلة، واضعاً حداً للنزاعات والخلافات العائلية بفضل مكانته الأدبية والدينية المرموقة.
دعم وتوجيه مشايخ القرية: كان لمشايخ القرية وكبارها دورٌ محوري في مساندة الشيخ؛ إذ شكّلوا معه جبهة وعي وحكمة، وساهموا في تقريب وجهات النظر، وبث روح الرضا والقبول بين العائلات، مستندين إلى ثقتهم المطلقة في عدالة الشيخ ونزاهته.
سواعد الشباب الفتية: تحول شباب القرية إلى خلية نحل مرابطة على أرض العمل؛ فحملوا على عاتقهم الأعباء التنفيذية والميدانية من قياس، وتنظيم، وبناء، وهدم للعشوائيات، مضحّين بوقتهم وجهدهم لإنجاح هذه الهيكلة التاريخية بروح ملؤها الحماس والبر.
التفاف أهل القرية ودعمهم: ضرب أهل القرية أروع الأمثلة في التضامن والتضحية؛ فقدموا الدعم المادي والمعنوي، وتنازلوا عن المصالح الضيقة لإعلاء المصلحة العامة، مما حوّل المشروع من مجرد إصلاح عمراني إلى مأثرة اجتماعية فريدة تلهج بها الألسن.
كلمة ثناء عاطرة وخاتمة عهد
إن شيخنا وسيدنا الشيخ محمد عبد السميع المغازي المنسي رحمه الله،
كان أخًا كبيرًا، ومعلمًا عظيمًا، كان شخصية دعوية استثنائية، صاغت من الانضباط منهجاً، ومن الفصاحة سلاحاً، ومن الدعوة طريقًا ومنهجًا، ومن حب الناس غاية.
لقد كان الشيخ محمد عبد السميع المغازي المنسي خطيباً تشرئب له الأعناق، وواعظاً تفيض منه المآقي، ومصالحاً تُحقن بفضله الخصومات. عاش حياته للخيرات داعيًا، وللمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، وللإصلاح ساعيًا، وبذل جهوده في سبل الخير بلا كلل أو ملل حتى آخر أيام حياته.
توفاه الله تعالى في يوم الثلاثاء الموافق 7/7/2026م وكانت جنازته مهيبة ومشهد رهيب حضرها لفيف من السادة العلماء والمشايخ والأئمة، والخطباء،
فباسم كل من استمع إلى خطبة هزت وجدانه، وحركت مشاعره، وباسم مشايخ القرية الذين شاركوه هموم الإصلاح والدعوة، وباسم شبابها الأوفياء الذين كانوا سنده وسواعده، وباسم كل عائلة حُفظت كرامة موتاها بنظام وقسطاس؛ وباسم أهل قريتنا جميعًا نسأل الله الحليم الكريم أن يغفر له ويرحمه ويتجاوز عنه، اللهم اغفر له وارحمه وأكرم نزله ووسع مدخله اللهم واجعل مرضه في ميزان حسناته اللهم واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.