الوهابية ورجال المخابرات الانجليزية
16 يوليو، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

اعداد الاستاذ / سيد حسن
المقال التاسع والعشرون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
لم يكن الإنكليز ليتركوا الصداقة التي تربط ابن سعود بهم تحت رحمة الظروف بل هم كانوا يرعونها بواسطة الكولونيل “سان جون فيلبي” الذي بدأ يشرف على تنفيذ ابن سعود للمهمات المنوطة به منذ سنة ۱۹۱۷ عندما قدم له الأسلحة ، ومن ثم المال لقتال ابن الرشيد . وهو الذي طرح وساطته بين ابن سعود والشريف عندما زحف الأول على الحجاز فاستطاع أن يطلع على أوضاع الجيش الشريفي ليضع لعبد العزيز الخطط الكفيلة بالقضاء عليه . فبعد أن زار جدة أكد “فيلبي” لابن سعود أنها (من الناحية العسكرية عاجزة عن الصمود كما أكد له أن غالبية أهلها يريدون نهاية سريعة ).
ومنذ بداية ١٩٢٦ أصبح “فيلبي” المستشار الخاص لابن سعود فبقي ملازماً له طيلة حياته ، ولاسيما في الثلاثة والعشرين عاماً الأخيرة ، فعندما أقعد الملك المرض كان “فيلبي” لا يبارح مجلسه.
وقد حج “عبد الله فيلبي” سنة ۱۹٣٠ برفقة ثلاثة من كبار رجال ابن سعود وهم عبد الله السليمان وزير المالية وفؤاد حمزة مدير عام الخارجية وصالح العنقري حيث أعلن إسلامه في السادس من آب ! .
هذا وقد أشرف “فيلبي” إشرافاً مباشراً على إعداد فيصل بن عبد العزيز ، وكانت أول مهمة يصحبه فيها ، إبان سفره إلى لندن وهو ابن أربع عشرة سنة ، وهو الذي رشحه عندما أنشئت وزارة الخارجية لتسلمها سنة ١٩٣٩ ، ثم رافقه إلى المؤتمر الخاص بالهجرة اليهودية سنة ١٩٣٩ ، كما رأينا .
ولكن من هو فيلبي هذا الذي لم ينته دوره إلا بنهاية عبد العزيز ؟ . يجيب ناصر الفرج في كتابه : “قيام العرش السعودي” ولد هاري جون سانت فيلبي (الحاج عبد الله ) في ٣ نيسان 1885 في جزيرة سيلان وانتقل إلى بريطانيا سنة ۱۸۹۱ وأكمل دراسته في جامعة كمبردج سنة ١٩٠٧ ، ثم درس التاريخ والقانون الهندي، وتعلم اللغات الفرنسية والألمانية والهندستانية والفارسية والعربية ، وعاد إلى الشرق ضمن أفواج المخابرات البريطانية ، أمثال کتشنر ولورنس ومكماهون ، وكوكس ومس بل وكلايتون ، وغلوب وولسون وديكسون وكرتواليس وشكسبير وغيرهم .
وهو “أبو كيم فيلبي” الذي كان مسؤولاً كبيراً في جهاز المخابرات البريطانية عندما لجأ إلى الاتحاد السوفياتي ، الأمر الذي يؤكد الظنون بأن هذه الأسرة تهوى العمالة المزدوجة حيث أن الأب ربما كان عميلاً أمريكياً أيضاً .
وقد عمل “فيليبي” في السعودية أربعين سنة متواصلة. وعلى الرغم من أن “فيلبي” تظاهر بالإسلام وزار البيت الحرام ، إلا أنه كان يعترف في مناسبات عديدة بأنه يعمل لصالح الاستخبارات البريطانية ، ( ولكن دون أن يشير إلى أي ارتباط بأمريكا ).
فهو يذكر أنه في عام ۱۹۱۸ كان مع ابن سعود في الدهناء ، وكان يعمل وينام في خيمته التي كان يجتمع إليه فيها الكثيرون من أتباع ابن سعود فيدخنون ( والتدخين محرم (وهابياً ) ويستمع هو إلى أقوالهم ويضمن ما يهمه منها تقارير يرفعها إلى رؤسائه.
كما يذكر أنه كان في بغداد ، بعد رحلته الأولى إلى نجد .. وهو يجمع الوثائق ويصنف الأحداث ويرتب الوقائع ليضعها في تقرير رسمي يقدمه إلى المندوب السامي البريطاني الجديد ولسون.
كما أنه قضى وقتاً في وزارة الخارجية البريطانية منذ عام ١٩١٩ وهو يعد الخرائط اللازمة عن الأماكن التي تجول فيها من جزيرة العرب .
وهو أخيراً يقول ، إنه بعد نشوب الحرب الكونية أي مطلع أيلول ١٩٣٩ تلقى عرضاً من سلطات المخابرات في وزارة الحرب البريطانية بأن يكون مندوباً عنها في البلاد العربية وأن ينقل إليها ، ردود فعل العرب تجاه الحرب.
مكافأت بريطانيا لابن سعود :
وفي مقابل خدمات ابن سعود كانت بريطانيا تدفع له كما رأينا خمسة آلاف جنيه استرليني في الشهر ثم زادتها لاحقاً وذلك الى جانب التقدمات الطارئة في المناسبات.
فقد قدمت له مثلاً بواسطة مكتب الهند ٧٥ ألف روبية كما يقول الميجر ديكسون في كتابه “الكويت وجاراتها” ولما لاحظ زعماء البدو ذلك أخبرهم بأن هذه جزية يدفعها له أهل الذمة الإنكليز! .
وبعد بداية الحرب الأولى وقبل معركة جراب، مع آل الرشيد المؤيدين للسلطة العثمانية قدمت بريطانيا لابن سعود سنة ۱۹۱٥ ثلاثمائة بندقية تركية وعشرة آلاف روبية. وفي سنة ۱۹۱۹ قدمت له ألف بندقية مع عشرين ألف جنيه استرليني ومائتي ألف طلقة.
هذا وكانت بريطانيا تحض عبد العزيز ليكون رجلها الأساسي في المنطقة العربية لتضمن ولاءه لها . فبعد أن زكاه كل من ديكسون وشكسبير وفيلبي ، قدمت له المساعدات في كل المشاريع التي حققها . كما أن الإنكليز واليهود من ورائهم كانوا يتوسمون فيه القدرة على القيام بمهمات أكبر.
فقد ذكر الأمريكي “فيليب إيرلند” في كتابه ” العراق دراسة في تطوره” أنه اقترح عدد من الأشخاص لتولي منصب ملك العراق كان من بينهم عبد العزيز آل سعود . كما أشار خيري حماد إلى نفس الموضوع فقال : إن “فيلبي” اقترح أن يسلم العراق إلى أمير سعودي ، الأمر الذي يجعل عبد العزيز حاكمه الفعلي كما اقترح “فيلبي” ضم الكويت إلى ممتلكات ابن سعود . ولكن برسي كوكس أعطاء ثلثيها فقط في اتفاقية ۱۹۲۲ ويؤكد فيلبي أنه لولا أن قتل الكابتن شكسبير في معركة “جراب” لكان هو الموجه للثورة العربية وكان عبد العزيز هو المنفذ.
هذا ويذكر السفير السعودي المصري الأصل حافظ وهبي في كتابه “خمسون عاماً في جزيرة العرب” قوله : ( سمعت من السير فيروزنون وبعض أصدقاء تشرشل أن تشرشل ينوي بعد الحرب العالمية الثانية أن يجعل من الشرق العربي اتحاداً فيدرالياً يكون ابن سعود رئيسه ).
وتحدث “وايزمان” أول رئيس لدولة العدو الصهيوني في الموضوع عينه في كتابه “التجربة والخطأ” فقال : دخلت على تشرشل فناداني قائلا : (أريد منك أن تعرف أنني قد أعددت ترتيباً خاصاً لا يمكنني أن أقدم على تنفيذه إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها بصورة نهائية . فأنا أريد أن أجعل من ابن سعود سيد الشرق الأوسط كافة ، ورئيس الرؤساء بشرط واحد وهو أن يجري تسوية معكم وسيترتب عليكم أن تحصلوا منه على أحسن ما يمكنكم من الشروط ، وبالطبع نحن سنساعدكم ، فليكن حديثنا هذا طي الكتمان ، ولكن بوسعك أن تبحث الموضوع مع روزفلت عندما تصل إلى أميركا. وبعد شهرين قابلت سان جون فيلبي فقال لي : أعتقد أن قضيتكم لا يمكن حلها إلا بشرطين .
أولهما : أن يقوم المستر تشرشل والرئيس روزفلت بإبلاغ ابن سعود رغبتهما في تنفيذ برنامجكم .
وثانيهما : أن يؤيدا سيادته على البلدان العربية ، وأن يقدما له قرضاً يمكنه من إعمار بلاده)
ويبدو أن مواقف فيلبي باسم السعودية ، من قضية فلسطين ، ناهيك عن مواقف عبد العزيز نفسه ، كانت تنفيذاً لهذا البرنامج . وقد احتج موسى العلمي مندوب الهيئة العليا لفلسطين إلى الملك عبد العزيز بسبب تأييد فيلبي لمشروع تقسيم فلسطين معتبراً أنه : يعبر بذلك عن موقف عبد العزيز نفسه.
أما لماذا فشلت مشاريع تنصيب عبد العزيز على العرب حاكماً ، فيبدو أن بروز أمريكا من جهة ، وهي لم تعد بذلك ، وبلوغ بريطانيا أهدافها بطريقة أسهل ، لم تتكلف فيها مجابهة الزعماء العرب الآخرين ، قد جعلت آمال عبد العزيز في هذا المجال أضغاث أحلام، وبقي ابن سعود بمثابة أمير محمية بريطانية كسائر محميات الخليج تمثله بريطانيا في الخارج ولا يستطيع الاتصال بالحكومة البريطانية إلا بواسطة موظفيها في الهند.
وبقي الوضع على هذا الشكل حتى عام ۱۹۳۲ حيث أقيمت أول مفوضية للسعودية في الخارج، وكانت في لندن. وقد ذكر الوزير السعودي المفوض حافظ وهبة أسباب إقامة هذه المفوضية في مذكرة رفعها في ٥ آذار ١٩٣٢ إلى وزير الخارجية البريطانية جاء فيها: إن تاريخ علاقات جلالة الملك ابن سعود مع الحكومة البريطانية مفعم بالبراهين على العلاقات الحسنة مع الحكومة البريطانية وأن حرص جلالة الملك على تقوية علاقاته مع الحكومة البريطانية هو الذي دفعه للإلحاح على تبادل الوزراء المفوضين .