Oil pumps with the United States flag in the background; oil business concept in the USA
اعداد الاستاذ / سيد حسن الأزهرى
المقال الحادى والثلاثون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
لم تكن المنافسة متكافئة بين المصالح الأمريكية والبريطانية ، فالشركات الأمريكية أغنى بما لا يقاس ، كما أن الحكومة الأمريكية هي التي كانت تنقذ الأوروبيين إبان الحربين العالميتين لينتهي الأمر بأن تحل مصالحها محل مصالحهم أو تشاطرها على الأقل مناطق النفوذ بقوة.
وكان من أهم المجالات التي تأثرت باختلال موازين القوى الكاسح لمصلحة أمريكا هو مجال الامتيازات النفطية في العربية السعودية كما يتبين من وقائع الصراع بين الشركات المختلفة.
فبعد الحرب الأول عرض الميجر هولمز ( وهو نيوزيلندي كان يعمل في الجيش البريطاني في العراق ) على عبد العزيز مبالغ كبيرة نسبياً من المال مقابل إعطائه امتياز التنقيب عن النفط . ولكن برسي كوكس المقيم البريطاني في الخليج صرف الميجر هولمز عن الموضوع لصالح صديقه رئيس شركة النفط الأنكلو – فارسية اللورد أرنولد ويلسون .
إلا أن هولمز لم ييأس، فوسط العميل الأميركي أمين الريحاني فأقنع ابن سعود بإعطائه الإمتياز . ولكن هولمز ما لبث أن فشل ولم يتضح ما إذا كان فشله عائداً إلى عدم العثور على النفط بكميات تجارية أو لسبب مضايقات يرسي كوكس له . وفي سنوات ۱۹۳۰ – ۱۹۳۲ ، حلت بابن سعود ضائقة مالية بسبب انخفاض أعداد الحجيج ، فشكا هذا الوضع إلى جون فيلبي قائلا : « لماذا يا شيخ فيلبي توقف أصحابنا الإنكليز في البحث عن الزيت ؟ إني مستعد لأرهن بلادي مقابل عشرة آلاف جنيه، إنني بحاجة للمال يا شيخ فيلبي ».
ولكن فيلبي أثار أمامه المصاعب عن التنقيب والتثبت ، ثم عن وجود الرساميل ، ليصار بعدها إلى بيع الامتيازات فأجابه الملك : و يا فيلبي إذا وجدت من يعطيني مليون جنيه فأنا أعطيه كل الامتيازات التي يطلبها». ووعد فيلبي عبد العزيز بأنه سيتصل نيابة عنه بالشركات الأميركية وبأنه قد يكون المبلغ الذي سيحصل عليه كبيراً . فوافق عبد العزيز وأبلغه بتاريخ ۲۳ شباط ۱۹۳۲ رسالة يعرب له فيها عن ثقته به ويأمل منه أن يحمي المصالح السعودية كما يحمي مصالحه الخاصة.
وفي عام ١٩٣٢ أخذت شركة ستاندار أويل أوف كاليفورنيا تنتج الزيت في البحرين. ووصل مندوبو الشركة إلى الإمارة لتوقيع عقود الامتيازات وكان ذلك تهديداً خطيراً للمصالح البريطانية .
واتصل الفريقان الإنكليزي (الشركة الأنكلو إيرانية) والأمريكي (ستاندار أويل أوف كاليفورنيا بالملك عبد العزيز. إلا أن الأمريكيين عمدوا إلى كسب مستشاري الملك وعلى رأسهم جون فيلبي الذي عرض عليه ممثل الشركة لويد هاملتون مبلغ ألف جنيه شهرياً إضافة إلى مكافات أخرى في ما بعد ، فقبل فيلبي على أساس أن يبقى الأمر سراً ، ولما حاول الإنكليز كسب فيلبي امتنع بحجة الحياد في هذه المواضيع وانتهى أمر الامتياز بإجراء مفاوضات قصيرة بين وزير المالية السعودي وعبد الله السليمان» و«لويد هاملتون ممثل شركة ستاندار أويل أوف كاليفورنيا . أدت إلى توقيع الامتياز.
ويصف فيلبي طريقة التوقيع فيقول : إن وزير المالية اجتمع إلى ابن سعود ليقرأ له صيغة الاتفاقية فكان الملك يغفو أثناء القراءة، وأخيراً صحا من غفوته وإذا بالوزير ما زال يقرأ . فالتفت الملك إلى فيلبي وسأله رأيه ، وحين أبدى موافقته ورضاه أمر الملك وزير المالية بالتوقيع قائلا : «ثق بالله ووقع » . فوقع الوزير وصدر المرسوم الملكي رقم ۱۱۳۵ بتاريخ ۲۹ آيار ۱۹۳۳ بإعطاء الامتياز إلى الشركة الأميركية.
وبعد الحصول على الامتياز أخذت الاكتشافات البترولية الأميركية تتوالى بدءاً من سنة ١٩٣٥ حتى عشية الحرب الثانية . وقد زادت الحرب الطين بلة على عبد العزيز ورمت به رمياً في أحضان الأمريكان . فأعمال الحفر والتنقيب تقلصت كما أغلقت الآرامكو أبوابها ، وانخفض عدد الحجيج وشح المطر فأثر ذلك على موسم «الزكاة وسائر أنواع الضرائب والمكوس . ولما حاولت بريطانيا إنقاذ الملك بدفع مبلغ مئة ألف جنيه استرليني كقرض سنة ١٩٤٠ كانت الأرامكو قد سبقتها فقدمت في سنتي ۱۹۳۹ و ۱۹٤۰ مبلغ ٤,٦٩٢,٦٨٠ دولار ، كما وافقت تلك الشركة على دفع سلفة تقدر بثلاثة ملايين دولار إلى عبد العزيز سنة ١٩٤١ ووعدت بمساعدات أخرى إذا ما استمرت الحال على ذلك المنوال. ومن جهة ثانية عملت الآرامكو على دفع الحكومة الأميركية إلى مساعدة عبد العزيز وذلك بسبب أهمية السعودية الاستراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركة فعقد روزفلت إتفاقية مع الأرامكو لشراء البترول لحاجات الأسطول الأميركي لمدة خمس سنوات ، فتوفر للشركة بذلك مبالغ استطاعت أن تخصص منها ستة ملايين دولار للملك.
وفي المقابل أخذت الحكومة البريطانية تقدم القروض بسخاء لابن سعود فتجاوزت قروضها مبلغ سبعة ملايين دولار سنة ١٩٤١ . واقترح هوبكنز مساعد الرئيس الأميركي على بريطانيا أن تدفع لابن سعود ضمن قرض الإعارة والتأجير الذي كانت دفعته أميركا لبريطانيا والبالغ ٤٠٠ مليون دولار ، ولكن بريطانيا طلبت من الولايات المتحدة أن تمد ابن سعود من غير هذا القرض إذا شاءت . واقترح أن تقدم الولايات المتحدة قرضاً لابن سعود بموجب قانون الإعارة والتأجير نفسه الذي كان أقره الكونغرس لمساعدة حلفاء الولايات المتحدة والديمقراطيين».
وقد بلغ ما قدمته بريطانيا لابن سعود بين سنتي ١٩٤٠ و ١٩٤٣ (٣٤۳۹۷,۷۸۰) دولاراً ، بينما بلغ ما قدمته الآرامكو (٧,٨٠٠,٨٨٤) دولاراً . وهكذا فقد بدأت الشركة تخشى من ازدياد نفوذ بريطانيا في السعودية لأنها هي التي تقدم مباشرة القسط الأوفر من المال على الرغم من أن هذا المال أميركي ، فأخذت تمارس الضغوط على الحكومة الأميركية فنجحت في دفع روزفلت إلى توسيع مدى قانون الإعارة والتأجير ليشمل السعودية على أساس « أن الدفاع عن العربية السعودية هو أمر حيوي للدفاع عن الولايات المتحدة.
ولكن الأزمة كانت في كيفية إقناع الكونغرس الأميركي أن ابن سعود ديمقراطي ليستحق المساعدة بعد تعرضه لعدوان فاشي ، ولكن الكونغرس الذي يخضع للكتل الضاغطة واللوبيات لم يكن صعب المراس ، فمرر المسألة بسهولة.
وكان من نتيجة ذلك أن تحملت أميركا تسديد ديون ابن سعود إلى بريطانيا كما مدته بقروض أخرى مقابل عقود إيجار لمناطق سعودية أخرى.