امريكا والوهابيين
28 يوليو، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

اعداد الاستاذ / سيد حسن الأزهرى
المقال الثلاثون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
بدأ الدخول الأمريكي الى السعودية من الباب الاقتصادي قبل الحرب العالمية الثانية وتحديداً سنة ۱۹۳۳ عندما منح عبد العزيز شركة كاليفورنيا حق التنقيب عن البترول في مساحة قدر ٣٦٠٠٠٠ ميل مربع أي حوالي ٤٥% من مجموع أرض المملكة.
وقد جرى التمهيد لذلك عن طريق زيارات قام بها بعض العملاء السريين ورجال المال الأمريكيين . فقد قام أمين الريحاني بـ «سياحة» في المملكة بحجة الكتابة عن البلاد العربية ، وتتالت الرحلات والزيارات الاستطلاعية ، وكان آخرها تلك التي قام بها المليونير الأمريكي مستر كراين الذي سمى نفسه “صديق العرب” تحت ستار تقديم المشورة الجيولوجية لاستخراج الماء من أعماق الصحراء.
وكان السبب الاقتصادي الرئيسي وراء هذه الزيارات المنافسة للاستيلاء على الذهب الأسود والتي كانت بدأت تشغل الأوساط الاستثمارية منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى ، أي منذ احتلال الأتراك لمنطقة القطيف في العشرين سنة الأخيرة من القرن التاسع عشر ، إذ أرسل المتصرف التركي في القطيف إلى اسطنبول تقريراً حول وجود الزيت ، وقد اطلع ديسكون على نسخة التقرير سنة ١٩٢٠ .
وهكذا بدأ التغلغل الاقتصادي الأمريكي إلى المملكة التي ستصبح من هذا مملكة الزيت في ما بعد على حساب النفوذ البريطاني الذي كان قد ساد منذ زمن طويل . ولعل التراجع الإنكليزي أمام الاندفاع الأمريكي كان الثمن الذي اضطرت بريطانيا إلى دفعه مقابل إنقاذ أمريكا لها ولحلفائها في الحرب العالمية الأولى.
ولكن الأمر المثير للانتباه على هذا الصعيد هو أن فيلبي نفسه كان يشجع ابن سعود على التعامل مع الشركات الأمريكية بدلاً من البريطانية ، فكانت مكافأة هذا الضابط الكبير أن انتدبته المصالح الأمريكية لاجتياز الربع الخالي بحثاً عن البترول ، تمهيداً لإرسال فرقها الجيولوجية ، التي ستنطلق بتاريخ ١٧ أيلول ١٩٥١ من الزاوية الشمالية الشرقية باتجاه الجنوب والغرب ، وهو الانطلاق الذي طرح مشكلة واحة البريمي الغنية بالبترول والواقعة على مشارف تلك المنطقة ، ويتنازع السيادة عليها كل من سلطان مسقط وشيخ أبو ظبي فيما كانت تتمتع بشيء من الاستقلالية في ظل سيادة إمام عمان الشرعي.
وفي سنة ١٩٣٤ دفعت شركة الزيت السعودية – الأميركية ، عبد العزيز إلى ادعاء السيادة على البريمي على أساس أن أجداده احتلوها منذ أكثر من قرن من الزمان ، بينما تشبثت بريطانيا بملكيتها لحساب شيخ أبو ظبي الواقع تحت حمايتها.
وقد جرت مفاوضات سعودية – بريطانية في أوائل الخمسينات حول المنطقة ثم اتفق على إحالتها إلى التحكيم . وفي هذه الأثناء قام العميل الأمريكي “رنس” بدراسات دقيقة جغرافية وجيولوجية للمنطقة ورصدت الأرامكو أموالاً طائلة لرشوة القبائل في البريمي لكسبها إلى جانب السعودية. وقد بلغ مجموع ما دفعه السعوديون من رشاوى ما بين آب ١٩٥٤ وتشرين الأول ١٩٥٥ فقط مبلغ مليون وثلاثمائة واثنين وعشرين ألفاً ومائتين وتسعين روبية وذلك على سبع دفعات. هذا وقد عرض أحد العملاء ويدعى عبد الله القريشي على الشيخ زايد بن سلطان حاكم أبو ظبي في ٢٦ تموز ١٩٥٤ ، كما يروي الشيخ نفسه ، سيارة جديدة وأربعين ألف روبية إضافة إلى أربعمائة مليون روبية من عائدات البترول . وقد تم العرض بواسطة شخص يدعى براك فيما كان عبد الله القريشي يعمل كاتباً عند الأمير تركي بن عطيشان الذي كلف بشراء الذمم في المنطقة.
ولما أحست الحكومة البريطانية أن السعوديين سيفوزون في التحكيم لصالح أرامكو انسحب ممثلها السير ريدر بولارد من هيئة التحكيم في أيلول ١٩٥٥ واحتلت قواتها المنطقة باسم شيخ أبو ظبي .
وفي كانون الثاني عام ١٩٦٣ وافقت بريطانيا على حل المشكلة تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة بصفته الشخصية ، وتم ذلك بعد التسوية السرية التي جرت بين أمريكا وبريطانيا بشأن مستقبل الجزيرة والخليج وضمان المصالح النقطية الإنكليزية فيهما.
ولكن بريطانيا لم تسلم بعد حل مسألة البريمي ، بالهزيمة على مستوى المنطقة ، بل هي عملت على استعادة نفوذها وتأكيده خاصة في الحرب العالمية الثانية مستغلة الضائقة المالية التي تعرض لها ابن سعود بسبب تضاؤل موارد الحج ، فأخذت تقدم له المساعدات ، فبلغت سنة ١٩٤٤ وحدها أربعة ملايين جنيه . ولكن الأرامكو تنبهت للأمر فأوصت الحكومة الأمريكية بالتصدي ، فتحركت الولايات المتحدة مستفيدة من الحاجة البريطانية إلى الدعم العسكري والمالي ، فعرضت على بريطانيا تقديم المساعدات لابن سعود باسم أمريكا ، وذلك من ضمن المساعدات التي تنالها بريطانيا نفسها.
وهنا أصبحت بريطانيا أكثر واقعية أمام التفوق الأمريكي ، فعملت على التشبث بمصالحها مجالات أخرى فهي استمرت في توثيق صلاتها بالحكومة السعودية عن طريق التعاون المخابراتي والتسليحي ، وكذلك عن طريق العلاقات الشخصية مع الأمراء الذين يترددون باستمرار على العاصمة البريطانية ، سيراً على التقليد القديم في الحج الى هناك وعرفاناً بالجميل ، خصوصاً وأن أول وارثين لعبد العزيز ، سعود وفيصل ، تنعما كأبيهما بالأوسمة البريطانية . فقد أنعمت السلطات البريطانية على عبد العزيز كما رأينا بوسام نجمة الهند سنة ١٩١٦ ثم بالوشاح الأكبر من وسام الحمام سنة ١٩٣٥. كما أنعمت على سعود بالوشاح الأكبر من وسام الامبراطورية البريطانية ، ثم أنعمت على فيصل بوسامين من أوسمة الإمبراطورية وسام فارس سان ميشال وجورج والوشاح الأكبر من وسام الإمبراطورية البريطانية ، وقد تم ذلك في حياة والدهما.
إلا أن المصالح الحقيقية للمملكة ولحكامها أصبحت بكل تأكيد في أمريكا ، وذلك لسبب بسيط هو أن المؤسسات الأمريكية كانت أكثر سخاء بما لا يقاس من الجهات الإنكليزية . وإذا كان المدخل الأمريكي الأول الى السعودية اقتصادياً فهو كان فاتحة للتدخل الشامل بأوجهه العسكرية والسياسية وغيرها حتى لتكاد السعودية أن تكون اليوم مملوكة في شؤونها العامة للأمريكيين في ما يقتصر دور الأمراء على التمتع والتنعم وتطبيق القوانين الداخلية من قطع الرؤوس والأيدي والأرجل على الناس ، وإذا كانت المقررات الأساسية تصدر بتواقيعهم ، فإن الأيدي التي توقع تحركها الأعصاب المرتبطة بالدفاع الأمريكي . وسنلقي في ما يلي نظرة على مجالات التدخل الأمريكي في مملكة الوهابيين الذين ذبحوا المسلمين حيث ثقفوهم تمهيداً لما آلت إليه الأمور اليوم .