مشاركة الوهابيين فى حرب فلسطين !

اعداد الاستاذ / سيد حسن الازهرى 

المقال الثامن والعشرون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

وعندما نشبت حرب فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨ لم يستطع عبد العزيز أن يواجه الموقف العربي ، ولا سيما منه الموقف الجماهيري ، فأعلن دخول الحرب.

وعلى الرغم من حماس أبناء الجزيرة العربية واندفاعهم إلى التطوع في الجبهات المختلفة ، حيث سقط منهم أعداد كبيرة سجل منها ناصر السعيد أسماء ۱۳۷ شهيداً وعدداً كبيراً من الجرحى ، اكتفى عبد العزيز بإرسال عدد هزيل من الجنود غير المدربين قدر ما بين ٦٠ و ٢٠٠ جندي ، وقد خلت الجبهة الشرقية من الوجود الوهابى بحجة أن أمير شرق الأردن عبد الله بن الحسين رفض الموافقة على دخول جنود وهابيين إلى أرضه.

وكذلك خلت الجبهة الشمالية واقتصر الوجود الوهابي الرمزي على الجبهة الجنوبية. ولكن لما ثبت أن الجنود لا يجيدون القتال، أدخلوا مدارس الجيش المصري بعد الهدنة للتدريب.

أما السلاح الوهابي فقد تحدث عنه القائد طه الهاشمي رئيس اللجنة العسكرية المنبثقة عن جامعة الدول العربية للاشراف على حرب فلسطين فقال : أبرقت الحكومة السعودية للجنة العسكرية عن أسلحة معدة لإنجاد فلسطين موجودة في سكاكا بالصحراء في شمال الجزيرة العربية فأرسلت الحكومة السورية طائرات فأحضرت تلك الأسلحة لدمشق وسلمتها إلى المصنع الحربي التابع للجيش السوري لفرزها وتبويبها ، فإذا هي أسلحة عتيقة رديئة متعددة الأنواع والأشكال ، فيها الموزر والشنيد والمارتيني .. وفيها بنادق فرنسية وإنكليزية  وعثمانية ، ومصرية ويونانية ونمساوية ، وكلها بدون جبخانة – ذخيرة – ومصدئة خردة لا تصلح للقتال. وأضاف: «إنهم وجدوا بين هذه الخردة بنادق فتيل مما تعبأ بالكحل من فوهتها وتدك من الفوهة أيضاً وأنها من مخلفات حملة الجيش المصري على الوهابيين في أوائل القرن التاسع عشر .

هذا ومن أجل التخلص من الاحراج أمام أبناء شعب الجزيرة العربية إذا استمر القتال في فلسطين فقد أخذ عبد العزيز يتصل سراً بأمريكا وبريطانيا حاثاً إياهما على دفع العرب والإسرائيليين إلى الصلح . حتى ولو اضطروا إلى فرض عقوبات عليهما . جاء ذلك في وثيقة نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية بعد مرور ثلاثين سنة على تاريخها ، وهي عبارة عن تقرير أرسله الوزير الأمريكي المفوض في جدة بتاريخ ٨ كانون الثاني (يناير) ١٩٤٩ حول حديث دار بينه وبين العاهل السعودي في حضور الوزير البريطاني المفوض في جدة صباح السابع من كانون الثاني سنة ١٩٤٩ . وقد ذكرت الوثيقة أن عبد العزيز قال إنه يخشى أن يتطور الصراع العربي الإسرائيلي إلى درجة يمكن معها أن يهدد السلام والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط وطلب إليهما أن ينقلا إلى حكومتيهما رأيه بضرورة التدخل لفرض السلام بين الدول العربية وإسرائيل . واقترح أن تهدد الدولتان باستخدام مختلف الضغوط بما فيها فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على الطرفين.

وقد كشف فيلبي عن حقيقة موقف ابن سعود من القضية الفلسطينية وذلك في كتابه : ٤٠٠ عاماً في جزيرة العرب ، بقوله : « إن مشكلة فلسطين لم تكن تبدو لابن سعود أنها تستحق تعريض علاقاته الممتازة مع بريطانيا ومع أمريكا للخطر، ويضيف فيلبي : « وكان مستقبل فلسطين كله بالنسبة إلى عبد العزيز آل سعود وآل سعود كلهم أمراً من شأن بريطانيا الصديقة العزيزة المنتدبة على فلسطين ولها أن تتصرف كما تشاء وعلى عبد العزيز السمع والطاعة ».

وكان أساس الاتفاق لإنشاء الوجود السعودي أن تقوم سياسة آل سعود على أن لا يتدخل الملك عبد العزيز وذريته من بعده بشكل من الأشكال ضد المصالح البريطانية والأمريكية واليهودية في البلاد التي تملكها بريطانيا أو تحت انتدابها أو نفوذها ومنها فلسطين . ولقد أعلن عبد العزيز رأيه بصراحة أن العرب لن يوافقوا على التقسيم أو يعترفوا لليهود بأي حق في فلسطين ولكنهم سيذعنون إذا ما فرضت بريطانيا عليهم التقسيم.

هذا وكشفت الوثائق الأمريكية والبريطانية وكتابات فيلبي عن أسرار في مواقف ابن سعود . فقد كتب آرثر لوري ، سفير الكيان الصهيوني في لندن تعليقاً في صحيفة التايمز اللندنية عام ١٩٦٤ ، دافع فيه عن “حاييم وايزمان” الذي أعلنت وثائق الخارجية الأمريكية أنه قدم رشوة قدرها عشرين مليون جنيه استرليني إلى ابن سعود ليعاونه على إنشاء دولة صهيونية في فلسطين ، مؤكداً أن صاحب الفكرة كان الكولونيل جون فيلبي الممثل الشخصي لابن سعود.

وبعد موت عبد العزيز لم تتغير السياسة الوهابية تجاه فلسطين . فأولاده من سعود مروراً بفيصل وحتى خالد لم يشاركوا في أية حرب عربية ضد العدو الصهيوني ، بل كان موقفهم يتسم دائماً بالانهزامية ونشاطاتهم موجهة إلى إقناع العرب بل ورشوتهم من أجل الصلح مع كيان العدو.

ففي سنة ١٩٥٨ في عهد سعود بن عبد العزيز أرسل ضباط من الجيش برقية إلى وزارة الدفاع تقول إن الزوارق الإسرائيلية ترسو في المنطقة السعودية من خليج العقبة ، وينزل بحارتها إلى أراضينا ويتحرش جنود إسرائيل بجنودنا وينزلون كميات من الحشيش يستلمها بعض عملائهم السعوديين لتصريفها في البلاد وعلى الجيش نفسه فأذنوا بإطلاق النار على الصهاينة الأعداء. فأحال وزير الدفاع البرقية إلى رئيس الوزراء ، فيصل بن عبد العزيز ، فورد منه الجواب التالي : “لا يمكن لليهود أن يعتدوا عليكم ما لم تعتدوا عليهم ، واليهودي لا يساوي رصاصة نخسرها بإطلاقها عليه ، وقد قال الله في محكم كتابه : وغلت أيديهم ولعنوا ” .

وعندما نشبت حرب حزيران (يونيو) ١٩٦٧ ، التي شنها الكيان الصهيوني على بعض البلدان العربية بدعم من أمريكا وأوروبا الغربية ، وقف فيصل القادم من تلك الدول خطيباً في مستقبليه يوم ٦ حزيران فقال : “أيها الإخوان لقد جئتكم من عند إخوان لكم في أمريكا وبريطانيا وأوروبا تحبونهم ويحبوننا” ولكن الناس قاطعوه مطالبين بقطع البترول ، فإذا بالهراوات تنهال عليهم من جماعته.

كما أن فهد نشط إلى جانب أخيه ، محاولاً إسكات الأصوات المطالبة بتحرير الأقصى والقدس . فقد روى الشيخ أسعد التميمي ، وهو أحد تلك الأصوات ، وقد كان إمام المسجد الأقصى قبل هزيمة ١٩٦٧ ، أن الأمير فهداً أرسل إليه بواسطة السفارة السعودية في الأردن مليون دولار مقابل سكوته ولكنه رفضها.

وعندما زار السادات القدس في تشرين الثاني ۱۹۷۷ ، كان مطمئناً إلى أن  السعوديين لن ينضموا إلى البلدان العربية الأخرى في مهاجمة مبادرته ، وكان توقع السادات في محله . فقد ذكر سايروس فانس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت أن السعودية والأردن و قد لجأتا إلينا ـ إلى الأمريكان ـ طلباً لمساعدتنا في البناء على مبادرة السادات قبل أن يلفظ في العالم العربي الأمر الذي سيضطرهم إلى إعلان الخصومة ضده. ولكن الأمريكيين شجعوهما على الصمود حيث يذكر فانس نفسه أنه استحث السعوديين في ربيع سنة ۱۹۷۸ على أن لا يستسلموا للضغوط من أجل القطيعة مع السادات إفساحاً في المجال وأمام الرئيس المصري ليتابع خطواته.

ومهما يكن من أمر فإن الوهابيين لم يخفوا استعدادهم للصلح مع العدو الصهيوني . فبعد مصرع فيصل وتولي أخيه خالد الحكم ، أدلى الملك وولي عهده فهد بتصريح في ١٥ حزيران ١٩٧٥ جاء فيه : “إن السعودية على أتم الاستعداد للاعتراف بإسرائيل .. ولكن على إسرائيل أن تحل مشاكلها مع جيرانها وتتدبر أمرها مع الفلسطينيين ” . ولما سألتهما الصحيفة عن معنى و تدبر الأمر” قالت إن فهداً قال : إسرائيل أدرى بشؤونها .