(كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم)؟

بقلم أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان

أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم

ورئيس لجنة الدعوة الإسلامية 

وعضو لجنة تقرير الفتوى بمجمع الفقه الإسلامي بكندا

إنَّ قراءة النبي صلى الله عليه وسلم  للقرآن الكريم لم تكن مجرد تلاوةٍ لـحروفٍ مسطورة، بل كانت مناجاةً علوية، وسياحةً روحية، تنبض بالخشوع، وتتدفق بالبينات والهدى، حين كان المصطفى صلى الله عليه وسلم  يرتل آيات ربِّه، كان الكون من حوله ينصت، والقلوب تتفطر، والنفوس تجد في حلاوة صوته ونبرات تلاوته لذةً لا تدانيها لذة، وأُنساً يبدد وحشة الدنيا، ونوراً يستضاء به في ظلمات الحيرة. 

إنَّ تتبّع هدي النبي صلى الله عليه وسلم  في التلاوة يفتح للعبد أبواب التدبر، ويقوده إلى مرافئ البركة والأجر، ويسلك به صراط الاهتداء والاتباع، وتتجلى معالم قراءته صلى الله عليه وسلم  في منظومةٍ ربانية من الأداء الإيماني الرفيع، مدعومةً بالآثار الصحيحة والأسانيد الثابتة:

1- مد القراءة مدًا والترسل فيها

كان من دأبه صلى الله عليه وسلم  أنه يمدُّ قراءته مدّاً، فلا يعجل فيها ولا يهذّها هذَّ الشعر، كان يمنح الحروف حقوقها والمقاطع أوقاتها، مما يتيح للنفس فرصةً سانحة للتأمل، وللعقل مساحةً واسعة للتفكر والتمعن في المعاني الدقيقة، وقد وثّق ذلك خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه؛ عَنْ قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ رضي الله عنه كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ فَقَالَ: “كَانَتْ مَدًّا”، ثُمَّ قَرَأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ”. صحيح البخاري، (5046).، 

وهذا الترسل النبوي والاطمئنان في التلاوة يجعله يخرج الكلمات وكأنها تتنزل غضة طرية، فتلامس شغاف القلوب وتستقر في أعماق الأرواح.

2- الوقوف على رؤوس الآيات

ومن جليل هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقطِّع قراءته آيةً آية، فيقف عند نهاية كل آية ولا يصلها بما بعدها إلا لحاجةٍ تشريعية أو بيانية، وتصف أم المؤمنين هذا الأداء بدقة؛ فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: “أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  كَانَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ، يَقُولُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثُمَّ يَقِفُ، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثُمَّ يَقِفُ”. سنن أبي (4001)

3- القراءة المفسرة حرفاً حرفاً

لم تكن قراءته صلى الله عليه وسلم  سرعةً مُدرِجة تختلط فيها الحروف أو تفوت معها المقاصد، بل كانت قراءةً مفسرة مبيّنة يخرج فيها كل حرف متميزاً عن الآخر، وفي وصف بياني فريد، يروى عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  وَصَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: مَالِكُمْ وَصَلَاتِهِ؟ كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ نَعَتَتْ لَهُ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعِتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا” سنن النسائي، (1662)، 

وهذه الدقة المتناهية، والوضوح التام في الأداء، وتحقيق القراءة يجعل التلاوة بحد ذاتها تفسيراً حياً للقرآن الكريم، حيث تنطق الحروف بمرادها، وتفصح الكلمات عن مكنونها، فلا يغيب معنى، ولا يلتبس مفهوم.

4- القراءة بالتحزين وإثارة الشوق

لقد ورد في السنة المطهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يقرأ القرآن العظيم بصوتٍ يحمل الخشوع والتحزين، بصوتٍ ينبعث من قلبٍ شجيّ مستشعرٍ لعظمة المتكلّم سبحانه وتعالى، وقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم  إلى هذا الميزان بقوله: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : “إِنَّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ، الَّذِي إِذَا سَمِعْتُمُوهُ يَقْرَأُ، حَسِبْتُمُوهُ يَخْشَى اللَّهَ”. سنن ابن ماجه، (1339)، هذا التحزين النبوي الرقيق لم يكن تكلفاً موسيقياً، بل كان فيضاً من الخشية، وترجماناً للوجل الإيماني الذي يفتت صخر القلوب القاسية، فتهتز النفوس هيبةً، وتفيض الأعين دمعاً.

5- تحسين الصوت وحب الاستماع من الغير

لقد رزق الله نبيه صلى الله عليه وسلم  صوتاً جميلاً، فكان يرتل القرآن الكريم ترتيلاً يأخذ بالألباب، حتى إن صوت تلاوته بالليل ربما سُمِع في جوف بيته لمن كان في الحُجرةِ القريبة، ومع هذا الجمال في أدائه صلى الله عليه وسلم يطلب سماع القرآن الكريم من أصحابه تعبداً وتدبراً، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : “اقْرَأْ عَلَيَّ”، قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: “إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي”، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قَالَ: “رَفَعْتُ رَأْسِي -أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي- فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ”. صحيح مسلم، (800).

وفي هذا الوقوف النبوي سرٌّ عظيم؛ فهو يعطي القارئ والمستمع وقفةً روحية يستجمع فيها فكره، ويلتقط أنفاسه ليتجرع معاني الآية السابقة، ويستعد لتلقي دلالات الآية اللاحقة، مما يضفي على التلاوة هيبةً وجلالاً، وفي هذا التواضع النبوي تكمن لذة الاستماع وعمق التلقي، وجعل الأمة تتوارث هذا الكتاب غضاً خاشعاً كما أُنزل.

إنَّ في لزوم هذا الهدي النبوي الشريف في قراءة القرآن الكريم العزّ كله، والخير جميعه، فعندما نقرأ كما كان يقرأ صلى الله عليه وسلم  ونتدبر كما كان يتدبر، ننال أجر الاتباع، ونفوز ببركة الكتاب، ونذوق أنس المناجاة، ونستضيء بنور الاهتداء، لنعيش بالقرآن وللقرآن على خطى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .